البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط﴾.
« سبب نزولها أن حبرين من الشام قدما المدينة، فقال أحدهما للآخر : ما أشبه هذه بمدينة النبي الخارج في آخر الزمان، ثم عرفا رسول الله ﷺ بالنعت، فقالا : أنت محمد ؟ قال :» نعم «.
فقالا : أنت أحمد ؟ فقال :» نعم «.
فقالا : نسألك عن شهادة إن أخبرتنا بها آمنا.
فقال :» سلاني « فقال أحدهما : أخبرنا عن أعظم الشهادة في كتاب الله، فنزلت وأسلما.
» وقال ابن جبير : كان حول البيت ثلاثمائة وستون صنماً، فلما نزلت هذه الآية خرت سجدا.
وقيل : نزلت في نصارى نجران لما حاجوا في أمر عيسى.
وقيل : في اليهود والنصارى لما تركوا اسم الإسلام وتسموا باليهودية والنصرانية.
وقيل : إنهم قالوا : ديننا أفضل من دينك، فنزلت.
وأصل : شهد، حضر، ثم صرفت الكلمة في أداء ما تقرر علمه في النفس، فأي وجه تقرر من حضور أو غيره.
فقيل : معنى : شهد، هنا : أعلم.
قاله المفضل وغيره، وقال الفرّاء، وأبو عبيدة : قضى، وقال مجاهد : حكم، وقيل : بين.
وقال ابن كيسان : شهد بإظهار صنعه.
وفي كل شيء له آية ***
تدل على أنه الواحد
قال الزمخشري : شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره، وبما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد كسورة الإخلاص، وآية الكرسي وغيرهما.
بشهادة الشاهد في البيان والكشف، وكذلك إقرار الملائكة وأولي العلم بذلك، واحتجاجهم عليه. انتهى.
وهو حسن.
وقال المروزي : ذكر شهادته سبحانه على سبيل التعظيم لشهادة من ذكر بعده، كقوله :﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ انتهى.
ومشاركة الملائكة وأولي العلم لله تعالى في الشهادة من حيث عطفا عليه لصحة نسبة الإعلام، أو صحة نسبة الإظهار والبيان، وإن اختلفت كيفية الإظهار والبيان من حيث أن إظهاره تعالى بخلق الدلائل، وإظهار الملائكة بتقريرها للرسل، والرسل لأولي العلم.
وقال الواحدي : شهادة الله بيانه وإظهاره، والشاهد هو العالم الذي بيّن ما علمه، والله تعالى بيّن دلالات التوحيد بجميع ما خلق، وشهادة الملائكة بمعنى الإقرار كقوله :
﴿قالوا شهدنا على أنفسنا﴾ أي : أقررنا.
فنسق شهادة الملائكة على شهادة الله، وإن اختلفت معنىً، لتماثلهما لفظاً.
كقوله :﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ لأنها من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار والداعاء وشهادة أولي العلم ويحتمل الإقرار ويحتمل التبيين، لأنهم أقرّوا وبينوا. انتهى.
وقال المؤرج : شهد الله، بمعنى : قال الله، بلغة قيس بن غيلان.
و ﴿أولوا العلم﴾ قيل : هم الأنبياء.
وقيل : مؤمنو أهل الكتاب.
وقيل : المهاجرون والأنصار.
وقيل : علماء المؤمنين.
وقال الحسن : المؤمنون.
والمراد بأولي العلم : من كان من البشر عالماً، لأنهم ينقسمون إلى : عالم وجاهل، بخلاف الملائكة.
فإنهم في العلم سواء.
و ﴿أنه لا إله إلا هو﴾ : مفعول : شهد، وفصل به بين المعطوف عليه والمعطوف، ليدل على الاعتناء بذكر المفعول، وليدل على تفاوت درجة المتعاطفين، بحيث لا ينسقان متجاورين.
وقدم الملائكة على أولي العلم من البشر لأنهم الملأ الأعلى، وعلمهم كله ضروري، بخلاف البشر، فإن علمهم ضروري وإكتسابي.
وقرأ أبو الشعثاء : شهد، بضم الشين مبنياً للمفعول، فيكون : أنه، في موضع البدل أي : شهد وحدانية الله وألوهيته.
وارتفاع : الملائكة، على هذه القراءة على الابتداء، والخبر محذوف تقديره : والملائكة وأولو العلم يشهدون.
وحذف الخبر لدلال المعنى عليه، ويحتمل أن يكون فاعلاً بإضمار فعل محذوف لدلالة شهد عليه، لأنه إذا بني الفعل للمفعول فإنه قبل ذلك كان مبنياً للفاعل، والتقدير : وشهد بذلك الملائكة وأولو العلم.
وقرأ أبو المهلب، عم محارب بن دثار : شهداء الله، على وزن : فعلاء، جمعاً منصوباً.
قال ابن جني : على الحال من الضمير في المستغفرين.
وقيل : نصب على المدح، وهو جمع شهداء، وجمع شاهد : كظرفاء وعلماء.
وروي عنه، وعن أبي نهيك : شهداء الله، بالرفع أي : هم شهداء الله.
وفي القراءتين : شهداء، مضاف إلى اسم الله.
وروي عن أبي المهلب : شهد بضم الشين والهاء، جمع : شهيد، كنذير ونذر، وهو منصوب على الحال، واسم الله منصوب.
وذكر النقاش : أنه قرئ كذلك بضم الدال وبفتحها مضافاً لاسم الله في القراءتين.
وذكر الزمخشري، أنه قرئ : شهداء لله، برفع الهمزة ونصبها، وبلام الجر داخلة على اسم الله، فوجه النصب على الحال من المذكورين، والرفع على إضمارهم، ووجه رفع الملائكة على هاتين القراءتين عطفاً على الضمير المستكن في شهداء، وأجاز ذلك لوقوع الفاصل بينهما.
وتقدم توجيه رفع الملائكة إما على الفاعلية، وإما على الابتداء.
وقرأ أبو عمرو بخلاف عنه بإدغام : واو، وهو في : واو، والملائكة.
وقرأ ابن عباس :﴿أنه لا إله إلاَّ هو﴾ بكسر الهمزة في : أنه، وخرج ذلك على أنه أجرى : شهد، مجرى : قال، لأن الشهادة في معنى القول، فلذلك كسر إن، أو على أن معمول : شهد، هو ﴿ان الدين عند الله الإسلام﴾
ويكون قوله :﴿أنه لا إله إلاَّ هو﴾ جملة اعتراض بين المعطوف عليه والمعطوف، إذ فيها تسديد لمعنى الكلام وتقوية، هكذا خرجوه والضمير في : أنه، يحتمل أن يكون عائداً على : الله، ويحتمل أن يكون ضمير الشأن، ويؤيد هذا قراءة عبد الله ﴿شهد الله أن لا إله إلا هو﴾ ففي هذه القراءة يتعين أن يكون المحذوف إذا خففت ضمير الشأن، لأنها إذا خففت لم تعمل في غيره إلاَّ ضرورة، وإذا عملت فيه لزم حذفه.
قالوا : وانتصب :﴿قائماً بالقسط﴾ على الحال من اسم الله تعالى، أو من : هو، أو من الجميع، على اعتبار كل واحد واحد، أو على المدح، أو صفة للمنفي، كأنه قيل : لا إله قائماً بالقسط إلاَّ هو.
أو : على القطع، لأن أصله : القائم، وكذا قرأ ابن مسعود، فيكون كقوله :﴿وله الدين واصباً﴾ أي الواصب.
وقرأ أبو حنيفة : قيما، وانتصابه على ما ذكر.
وذكر السجاوندي : أن قراءة عبد الله : قائم، فأما انتصابه على الحال من اسم الله فعامها شهد، إذ هو العامل في الحال، وهي في هذا الوجه حال لازمة، لأن القيام بالقسط وصف ثابت لله تعالى.
وقال الزمخشري : وانتصابه على أنه حال مؤكدة منه، أي : من الله، كقوله ﴿وهو الحق مصدقاً﴾ انتهى.
وليس من الحال المؤكدة، لأنه ليس من باب :﴿ويوم يبعث حياً﴾ ولا من باب : أنا عبد الله شجاعاً.
فليس ﴿قائماً بالقسط﴾ بمعنى : شهد، وليس مؤكداً مضمون الجملة السابقة في نحو : أنا عبد الله شجاعاً، وهو زيد شجاعاً.
لكن في هذا التخريج قلق في التركيب، إذ يصير كقولك : أكل زيد طعاماً وعائشة وفاطمة جائعاً.
فيفصل بين المعطوف عليه والمعطوف بالمفعول، وبين الحال وذي الحال بالمفعول والمعطوف، لكن بمشيئة كونها كلها معمولة لعامل واحد، وأما انتصابه على الحال من الضمير الذي هو : هو، فجوّزه الزمخشري وابن عطية.
قال الزمخشري : فإن قلت : قد جعلته حالاً من فاعل : شهد، فهل يصح أن ينتصب حالاً من : هو، في :﴿لا إله إلاَّ هو﴾ ؟
قلت : نعم ! لأنها حال مؤكدة، والحال المؤكدة لا تستدعي أن يكون في الجملة التي هي زيادة في فائدتها عامل فيها، كقوله : أنا عبد الله شجاعاً. انتهى.
ويعني.
أن الحال المؤكدة لا يكون العامل فيها النصب شيئاً من الجملة السابقة قبلها، وإنما ينتصب بعامل مضمر تقديره : أحق، أو نحوه مضمراً بعد الجملة، وهذا قول الجمهور.
والحال المؤكدة لمضمون الجملة هي الدالة على معنى ملازم للمسند إليه الحكم، أو شبيه بالملازم، فإن كان المتكلم بالجملة مخبراً عن نفسه، فيقدر الفعل : أحق، مبنياً للمفعول، نحو : أنا عبد الله شجاعاً، أي : أحق شجاعاً.
وإن كان مخبراً عن غيره نحو : هو زيد شجاعاً، فتقديره : أحقه شجاعاً.
وذهب الزجاج إلى أن العامل في هذه الحال هو الخبر بما ضمن من معنى المسمى، وذهب ابن خروف إلى أنه المبتدأ بما ضمن من معنى التنبيه.
وأما من جعله حالاً من الجميع، على ما ذكر، فرد بأنه لو جاز ذلك لجاز : جاء القوم راكباً، أي : كل واحد منهم.
وهذا لا تقوله العرب.
وأما انتصابه على المدح، فقال الزمخشري : فإن قلت أليس من حق المنتصب على المدح أن يكون معرفة، كقولك : الحمد لله الحميد، « إنا معشر الأنبياء لا نورث »
إنا بني نهشل لا ندعى لأب ؟ *** قلت : قد جاء نكرة في قول الهذلي :
ويأوي إلى نسوة عطلوشعثاً مراضيع مثل السعالي
انتهى سؤاله وجوابه.
وفي ذلك تخليط، وذلك أنه لم يفرّق بين المنصوب على المدح أو الذم أو الترحم، وبين المنصوب على الاختصاص، وجعل حكمهما واحداً، وأورد مثالاً من المنصوب على المدح وهو : الحمد لله الحميد، ومثالين في المنصوب على الاختصاص وهما :« إنا معشر الأنبياء لا نورث »
إنا بني نهشل لا ندعى لأب *** والذي ذكر النحويون أن المنصوب على المدح أو الذم أو الترحم قد يكون معرفة، وقبله معرفة يصلح أن يكون تابعاً لها، وقد لا يصلح، وقد يكون نكرة كذلك، وقد يكون نكرة وقبلها معرفة، فلا يصلح أن يكون نعتاً لها نحو قول النابغة :
أقارعُ عوفٍ لا أحاولُ غيرَهاوجوهَ قرودٍ يبتغي من يخادعُ
فانتصب : وجوهَ قرودٍ، على الذم.
وقبله معرفة وهو قوله : أقارع عوف.
وأما المنصوب على الاختصاص فنصبوا على أنه لا يكون نكرة ولا مبهماً، ولا يكون إلاَّ معرفاً بالألف واللام، أو بالإِضافة، أو بالعلمية، أو بأي، ولا يكون إلاَّ بعد ضمير متكلم مختص به، أو مشارك فيه، وربما أتى بعد ضمير مخاطب.
وأما انتصابه على أنه صفة للمنفي فقال الزمخشري.
فإن قلت : هل يجوز أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل : لا إله قائماً بالقسط إلا هو ؟
قلت : لا يبعد، فقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف، ثم قال : وهو أوجه من انتصابه عن فاعل : شهد، وكذلك انتصابه على المدح. انتهى.
وكان قد مثل في الفصل بين الصفة والموصوف بقوله : لا رجل إلاَّ عبد الله شجاعاً.
ويعني أن انتصاب : قائماً، على أنه صفة لقوله : إله، أو لكونه انتصب على المدح أوجه من انتصابه على الحال من فاعل : شهد، وهو الله.
وهذا الذي ذكره لا يجوز، لأنه فصل بين الصفة والموصوف بأجنبي، وهو المعطوفان اللذان هما : الملائكة وأولو العلم، وليسا معمولين من جملة ﴿لا إله إلا الله﴾ بل هما معمولان : لشهد، وهو نظير : عرف زيد أن هنداً خارجة وعمرو وجعفر التميمية.
فيفصل بين هنداً والتميمية بأجنبي ليس داخلاً فيما عمل فيها، وفي خبرها بأجنبي وهما : عمرو وجعفر، المرفوعان بعرف، المعطوفان على زيد.
وأما المثال الذي مثل به وهو : لا رجل إلاَّ عبد الله شجاعاً، فليس نظير تخريجه في الآية، لأن قولك : إلاَّ عبد الله، يدل على الموضع من : لا رجل، فهو تابع على الموضع، فليس بأجنبي.
على أن في جواز هذا التركيب نظراً، لأنه بدل، و : شجاعاً، وصف، والقاعدة أنه : إذا اجتمع البدل والوصف قدم الوصف على البدل، وسبب ذلك أنه على نية تكرار العامل ع

تفسير هذه الآية من كتب أخرى