اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
العامة على " شَهِدَ " فعلاً ماضياً، مبنيًّا للفاعل، ولفظ الجلالة رَفْع به.
وقرأ أبو الشعثاء(١) :" شُهِدَ " مبنيًّا للمفعول، ولفظ الجلالة قائِم مقام الفاعل، وعلى هذه القراءة يكون " أنَّهُ لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ " في محل رفع ؛ بدلاً من اسم " اللهُ " - بدل اشتمال، تقديره : شُهِدَ وحدانيةُ الله - تعالى- وألوهيتهُ.
ولما كان المعنى على هذه القراءة كذلك أشكل عطف الملائكة، وأولي العلم على لفظ الجلالة، فخُرِّج ذلك على عدم العطف، بل إما على الابتداء، والخبر محذوف ؛ لدلالة الكلام عليه، تقديره : والملائكة، وأولو العلم يشهدون بذلك، يدل عليه قوله تعالى :﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾، وإما على الفاعلية بإضمار محذوف، تقديره : وشَهِدَ الملائكةُ، وأولو العلم بذلك، وهو قريب من قوله تعالى :﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾
[النور: ٣٦]، في قراءة مَنْ بناه للمفعول.
وقوله :[ الطويل ]
وقرأ أبو المهلَّب(٣) :" شُهَدَاءَ اللهِ " جمعاً على فُعَلاَء - كظُرفاءَ - منصوباً، ورُوِيَ عنه وعن أبي نُهَيْك كذلك إلا أنه مرفوع، وفي كلتا القراءتين مضاف للفظ الجلالة، فأما النصب فعلى الحال، وصاحبها هو الضمير المستتر في " الْمُسْتَغْفِرِينَ ".
قال ابنُ جني(٤)، وتبعه الزمخشريُّ، وأبو البقاء : وأما الرفع فعلى إضمار مبتدأ، أي : هم شهداءُ الله.
وشهداء : يُحْتَمل أن يكون جمع شاهد - كشاعر وشُعَراء - وأن يكون جمع شهيد كظريف وظُرفاء. وقرأ أبو(٥) المهلب - أيضاً - :" شُهُداً الله " - بضم الشين والهاء والتنوين ونصب لفظ الجلالة وهو منصوب على الحال ؛ جمع شهيد - كنذير ونُذُر - واسم " الله " منصوب على التعظيم أي يشهدون الله، أي : وحدانيته.
وروى النقاش أنه قرأ كذلك(٦)، إلاّ أنه قال : برَفْع الدال ونصبها، والإضافة للَفْظ الجلالة، فالرفع والنصب على ما تقدم في " شُهَدَاءَ "، وأما الإضافة، فيحتمل أن تكون محضة، بمعنى أنك عرفتهم إضافتهم إليه من غير تعرض لحدوث فعل، كقولك : عباد الله، وأن يكون من نصب كالقراءة قبلها فتكون غير محضة.
ونقل الزمخشريُّ أنه قُرِئ " شُهَدَاء لله(٧) " جمعاً على فُعَلاَء، وزيادة لام جر داخلة على اسم الله، وفي الهمزة النصب والرفع، وخرجهما على ما تقدم من الحال والخبر، وعلى هذه القراءات كلها ففي رفع " الْمَلاَئِكَةِ " وما بعدها ثلاثة أوجه :
أحدها : الابتداء، والخبر محذوف.
والثاني : أنه فاعل بفعل مقدر.
الثالث :- ذكره الزمخشريُّ - وهو النسق على الضمير المستكن في " شَهِدَ اللهُ "، قال :" وجاز ذلك لوقوع الفاصلِ بينهما ".
قوله :" أنَّهُ " العامة على فَتح الهمزة، وإنما فُتِحَت ؛ لأنها على حذف حرف الجر، أي : شهد الله بأنه لا إله إلا هو، فلما حذف الحرف جاز أن يكون محلها نصباً، وأن يكون محلها جَرًّا.
وقرأ ابن عباس " إنَّهُ " - بكسر الهمزة(٨) - وفيها تخريجان :
أحدهما : إجراء " شَهِدَ " مُجْرَى القول، لأنه بمعناه، وكذا وقع في التفسير : شهد الله أي : قال الله، ويؤيدَه ما نقله المؤرِّجُ من أن " شَهِد " بمعنى " قال " لغة قيس بن عيلان.
الثاني : أنها جملة اعتراض -بين العامل- وهو شَهِد -وبين معموله- وهو قوله :" إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلاَمُ "، وجاز ذلك لِما في هذه الجملةِ من التأكيد، وتقوية المعنى وهذا إنما يتجه على قراءة فتح " أنَّ " من " أنَّ الدِّينَ "، وأما على قراءة الكسر فلا يجوز، فتعيَّنَ الوجهُ الأول.
والضمير في " أنَّهُ " يحتمل العود على الباري ؛ لتقدم ذكره، ويحتمل أن يكون ضميرَ الأمر، ويؤيِّدُ ذلك قراءةُ عبد الله :﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ف " أنْ " مخفَّفة في هذه القراءة، والمخففة لا تعمل إلا في ضمير الشأن - ويُحْذَف حينئذ - ولا تعمل في غيره إلا ضرورة [ وأدغم أبو عمرو بخلاف عنه واو هُوَ في واو النسق بعدها، وقد تقدم تحقيق هذه المسألة عند قوله :" هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَه(٩) ".
قال سعيدُ بنُ جُبَيْر : كان حَوْلَ البيت ثلاثمائةٍ وستون صَنَماً، فلما نزلت هذه الآية خَرَرْنَ سُجَّداً(١٠).
وقيل : نزلت هذه الآية في نصارى نجران.
وقال الكلبيُّ : قدم حَبْران من أحبار الشام على النبي ﷺ فلما أبْصَرَ المدينةَ قال أحدهما : ما أشبه هذه المدينةَ بصفة مدينةِ النبيّ الذي يخرج في آخر الزمان ؟ فلما دخَلاَ عليه عرفاه بالصفة، فقالا له : أنت محمد ؟ قال : نعم، قالا : وأنت أحمد ؟ قال : أنا محمد وأحمد، قال : فإنا نسألك عن شيء، فإن أخبرتنا به آمَنَّا بك، وصدقناك، فقال : سَلاَ، فقالا : أخبرنا عَنْ أعظم شهادة في كتاب الله عز وجل، فأنزل الله هذه الآيةَ، فأسلم الرجلان (١١).
قال بعض المفسرين : شهد الله، أي : قال.
وقيل : بَيَّن الله ؛ لأن الشهادة تبيين.
وقال مجاهد : حَكَم الله.
وقيل : أعْلَمَ الله أنه لا إله إلا هو.
فإن قيل : المدَّعِي للوحدانية هو الله - تعالى - فكيف يكون المدَّعِي شاهداً ؟
فالجوابُ من وجوهٍ :
أحدها : ما تقدم من أن " شَهِدَ " بمعنى " قال " أو " بَيَّن " أو " حَكَم ".
الثاني : أن الشاهدَ الحقيقي ليس إلا الله - تعالى - ؛ لأنه الذي خلق الأشياءَ، وجعلها دلائلَ على توحيده، فلولا تلك الدلائلُ لم يتوصل أحد إلى معرفته بالوحدانيةِ، فهو - تعالى وفقهم، حتى أرشدهم إلى معرفة التوحيد، وإذا كان كذلك كان الشاهد على الوحدانيةِ هو الله تعالى، ولهذا قال :﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللَّهِ شَهِيدٌ﴾ [الأنعام: ١٩].
الثالث : أنه الموجود - أزلاً وأبداً - وكل ما سواه فقد كان في الأزل عدماً صِرْفاً، والعدم غائب، والموجود حاضر، وإذا كان ما سواه - في الأزل - غائباً، وهو - تعالى - حاضر فبشهادته صار شاهداً، فكان الحق شاهداً على الكل، فلهذا قال :﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُو﴾.
تقدم أن شهادة اللهِ الإخبار والإعلام، ومعنى شهادة الملائكة والمؤمنين الإقرار والمراد بأولي العلم، قيل : الأنبياء - عليهم السلام -.
قال ابنُ كَيْسَان : يعني المهاجرين والأنصار.
وقال مقاتل : علماء مؤمني أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه. (١٢)
قال السُّديُّ والكلبيُّ : يعني جميع المؤمنين(١٣) الذين عرفوا وحدانية الله - تعالى - بالدلائل القاطعة ؛ لأن الشهادة إنما تكون مقبولة، إذا كان الإخبار بها مقروناً بالعلم، ولذلك قال - عليه السلام - :" إذَا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَد ".
فإن قيل : إذا كانت شهادةُ الله عبارةً عن إقامة الدلائل، وشهادة الملائكة، وأولي العلم عبارة عن الإقرار، فكيف جمعهما في اللفظ ؟
فالجواب : أن هذا ليس ببعيد، ونظيره قوله - تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، ومعلوم أن الصلاة من الله تعالى الرحمة - كما ورد - ومن الملائكة الدعاء، ومن المؤمنين الاستغفار، وقد جمعهما في اللفظ.
دلّت هذه الآيةُ على فَضْل العلم وشرف العلماء ؛ فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنه الله باسمه واسم ملائكته، كما قرن الله اسم العلماء، وقال تعالى - لنبيه - :﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: ١١٤]، فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله - تعالى - نبيَّه المزيد منه، كما أمره أن يستزيد من العلم.
وقال عليه السلام :" الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ "، وقال :" العُلمَاءُ أمناء اللهِ عَلَى خَلْقِهِ " [ وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحل لهم في الدين خطير ](١٤).
قوله تعالى :﴿قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ﴾ في نَصْبه أربعة أوجه :
أحدها : أنه منصوب على الحال، واختلفوا في ذلك ؛ فبعضهم جعله حالاً من اسم " اللهُ "، فالعامل فيها " شَهِد ".
قال الزمخشري : وانتصابه على أنه حال مؤكِّدة منه، كقوله تعالى :
﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقا﴾
[البقرة: ٩١].
قال أبو حيّان : وليس من باب الحال المؤكدة ؛ لأنه ليس من باب
﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً﴾ [مريم: ١٥] ولا من باب : أنا عبد الله شجاعاً فليس " قَائِماً بِالْقِسْطِ " بمعنى " شَهِدَ " وليس مؤكداً مضمونَ الجملة السابقة في نحو : أنا عبد الله شجاعاً، وهو زيد شجاعاً، لكنْ في هذا التخريج قلقٌ في التركيب ؛ يصير كقولك : أكل زيدٌ طعاماً وعائشةُ وفاطمةُ جائعاً، ففصل بين المعطوف عليه، والمعطوف بالمفعول، وبين الحال وصاحبه بالمفعول، والمعطوف، لكن يمشيه كونها كلُّها معمولةٌ لعاملٍ واحدٍ.
قال شهاب الدينِ(١٥) : مؤاخذته له في قوله " مؤكِّدة " غير ظاهرةٍ، وذلك أن الحالَ على قسمين :
إما مؤكدة، وإما مبيِّنة - وهي الأصل - فالمبيِّنة لا جائز أن تكون ههنا ؛ لأن المبيّنة منتقلة، والانتقال - هنا - محال ؛ إذْ عَدْلُ الله - تعالى - لا يتغير.
وقيل : لنا قسم ثالث - وهي الحال اللازمة - فكان للزمخشري مندوحة عن قوله :" مؤكِّدة " وعن قوله " لازمة ".
فالجواب : أن كل مؤكِّدة لازمة، فلا فرق بين العبارتين - وإن كان الشيخ زعم أن إصلاح العبارة يحصل بقوله : لازمة - ويدل على ما ذكرته من ملازمة التأكيد للحال اللازمة وبالعكس الاستقراء وقوله : ليس معنى " قَائِماً بِالْقِسْطِ " معنى " شَهِدَ " ممنوع، بل معنى :" شَهِدَ " مع متعلَّقِهِ هو
﴿أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ - مساوٍ لقوله :" قَائِماً بِالْقِسْطِ " ؛ لأن التوحيد ملازمٌ للعدل.
قال الزمخشريُّ :" فإن قلتَ : لمَ جاز إفراده بنصب الحال دون المعطوفَيْن عليه، ولو قلتَ : جاءني زيدٌ وعمرو راكباً لم يَجُزْ ؟
قلتُ : إنما جاز هذا ؛ لعدم الإلباس، كما جاء في قوله تعالى :﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] - إن انتصب " نَافِلَةً " حالاً عن يعقوب، ولو قلت : جاءني زيد وهند راكباً، جاز ؛ لتميزه بالذكورة ".
قال أبو حيّان :" وما ذَكَرَ من قوله : جاءني زيد وعمرو راكباً، أنه لا يجوز ليس كما ذكر، فهذا جائز ؛ لأن الحال قَيْدٌ فيمن وقع منه أو به الفعل، أو ما أشبه ذلك، وإذا كان قَيْداً فإنه يُحْمَل على أقرب مذكور ؛ ويكون " راكباً " حالاً مما يليه، ولا فرق في ذلك بين الحال والصفة لو قلت : جاءني زيد وعمرو الطويل، لكان " الطويل " صفة لعمرو، ولا تقول : لا تجوز هذه المسألة ؛ لأنه يلبس، بل لا لبس في هذا، وهو جائز، فكذلك الحال، وأما قوله : إن " نَافِلَة " انتصب حالاً عن " يعقوب " فلا يتعين أن يكون حالاً عن يعقوب ؛ إذ يحتمل أن يكون " نَافِلَةً " مصدراً - كالعاقبة والعافية - ومعناه زيادة، فيكون ذلك شاملاً إسحاق ويعقوب ؛ لأنهما زِيدا لإبراهيم بعد ابنه إسماعيل وغيره ".
قال شهاب الدينِ(١٦) :" مراد الزمخشريِّ بمنع جاءني زيد وعمرو راكباً إذا أريد أن الحال منهما معاً، أما إذا أُريد أنها حال من واحد منهما فإنما يُجْعَل لِما يليه ؛ لعَوْد الضمير على أقرب مذكور ".
وبعضه
وقرأ أبو الشعثاء(١) :" شُهِدَ " مبنيًّا للمفعول، ولفظ الجلالة قائِم مقام الفاعل، وعلى هذه القراءة يكون " أنَّهُ لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ " في محل رفع ؛ بدلاً من اسم " اللهُ " - بدل اشتمال، تقديره : شُهِدَ وحدانيةُ الله - تعالى- وألوهيتهُ.
ولما كان المعنى على هذه القراءة كذلك أشكل عطف الملائكة، وأولي العلم على لفظ الجلالة، فخُرِّج ذلك على عدم العطف، بل إما على الابتداء، والخبر محذوف ؛ لدلالة الكلام عليه، تقديره : والملائكة، وأولو العلم يشهدون بذلك، يدل عليه قوله تعالى :﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾، وإما على الفاعلية بإضمار محذوف، تقديره : وشَهِدَ الملائكةُ، وأولو العلم بذلك، وهو قريب من قوله تعالى :﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾
[النور: ٣٦]، في قراءة مَنْ بناه للمفعول.
وقوله :[ الطويل ]
| لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ | وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ(٢) |
قال ابنُ جني(٤)، وتبعه الزمخشريُّ، وأبو البقاء : وأما الرفع فعلى إضمار مبتدأ، أي : هم شهداءُ الله.
وشهداء : يُحْتَمل أن يكون جمع شاهد - كشاعر وشُعَراء - وأن يكون جمع شهيد كظريف وظُرفاء. وقرأ أبو(٥) المهلب - أيضاً - :" شُهُداً الله " - بضم الشين والهاء والتنوين ونصب لفظ الجلالة وهو منصوب على الحال ؛ جمع شهيد - كنذير ونُذُر - واسم " الله " منصوب على التعظيم أي يشهدون الله، أي : وحدانيته.
وروى النقاش أنه قرأ كذلك(٦)، إلاّ أنه قال : برَفْع الدال ونصبها، والإضافة للَفْظ الجلالة، فالرفع والنصب على ما تقدم في " شُهَدَاءَ "، وأما الإضافة، فيحتمل أن تكون محضة، بمعنى أنك عرفتهم إضافتهم إليه من غير تعرض لحدوث فعل، كقولك : عباد الله، وأن يكون من نصب كالقراءة قبلها فتكون غير محضة.
ونقل الزمخشريُّ أنه قُرِئ " شُهَدَاء لله(٧) " جمعاً على فُعَلاَء، وزيادة لام جر داخلة على اسم الله، وفي الهمزة النصب والرفع، وخرجهما على ما تقدم من الحال والخبر، وعلى هذه القراءات كلها ففي رفع " الْمَلاَئِكَةِ " وما بعدها ثلاثة أوجه :
أحدها : الابتداء، والخبر محذوف.
والثاني : أنه فاعل بفعل مقدر.
الثالث :- ذكره الزمخشريُّ - وهو النسق على الضمير المستكن في " شَهِدَ اللهُ "، قال :" وجاز ذلك لوقوع الفاصلِ بينهما ".
قوله :" أنَّهُ " العامة على فَتح الهمزة، وإنما فُتِحَت ؛ لأنها على حذف حرف الجر، أي : شهد الله بأنه لا إله إلا هو، فلما حذف الحرف جاز أن يكون محلها نصباً، وأن يكون محلها جَرًّا.
وقرأ ابن عباس " إنَّهُ " - بكسر الهمزة(٨) - وفيها تخريجان :
أحدهما : إجراء " شَهِدَ " مُجْرَى القول، لأنه بمعناه، وكذا وقع في التفسير : شهد الله أي : قال الله، ويؤيدَه ما نقله المؤرِّجُ من أن " شَهِد " بمعنى " قال " لغة قيس بن عيلان.
الثاني : أنها جملة اعتراض -بين العامل- وهو شَهِد -وبين معموله- وهو قوله :" إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلاَمُ "، وجاز ذلك لِما في هذه الجملةِ من التأكيد، وتقوية المعنى وهذا إنما يتجه على قراءة فتح " أنَّ " من " أنَّ الدِّينَ "، وأما على قراءة الكسر فلا يجوز، فتعيَّنَ الوجهُ الأول.
والضمير في " أنَّهُ " يحتمل العود على الباري ؛ لتقدم ذكره، ويحتمل أن يكون ضميرَ الأمر، ويؤيِّدُ ذلك قراءةُ عبد الله :﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ف " أنْ " مخفَّفة في هذه القراءة، والمخففة لا تعمل إلا في ضمير الشأن - ويُحْذَف حينئذ - ولا تعمل في غيره إلا ضرورة [ وأدغم أبو عمرو بخلاف عنه واو هُوَ في واو النسق بعدها، وقد تقدم تحقيق هذه المسألة عند قوله :" هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَه(٩) ".
فصل
قال سعيدُ بنُ جُبَيْر : كان حَوْلَ البيت ثلاثمائةٍ وستون صَنَماً، فلما نزلت هذه الآية خَرَرْنَ سُجَّداً(١٠).
وقيل : نزلت هذه الآية في نصارى نجران.
وقال الكلبيُّ : قدم حَبْران من أحبار الشام على النبي ﷺ فلما أبْصَرَ المدينةَ قال أحدهما : ما أشبه هذه المدينةَ بصفة مدينةِ النبيّ الذي يخرج في آخر الزمان ؟ فلما دخَلاَ عليه عرفاه بالصفة، فقالا له : أنت محمد ؟ قال : نعم، قالا : وأنت أحمد ؟ قال : أنا محمد وأحمد، قال : فإنا نسألك عن شيء، فإن أخبرتنا به آمَنَّا بك، وصدقناك، فقال : سَلاَ، فقالا : أخبرنا عَنْ أعظم شهادة في كتاب الله عز وجل، فأنزل الله هذه الآيةَ، فأسلم الرجلان (١١).
فصل
قال بعض المفسرين : شهد الله، أي : قال.
وقيل : بَيَّن الله ؛ لأن الشهادة تبيين.
وقال مجاهد : حَكَم الله.
وقيل : أعْلَمَ الله أنه لا إله إلا هو.
فإن قيل : المدَّعِي للوحدانية هو الله - تعالى - فكيف يكون المدَّعِي شاهداً ؟
فالجوابُ من وجوهٍ :
أحدها : ما تقدم من أن " شَهِدَ " بمعنى " قال " أو " بَيَّن " أو " حَكَم ".
الثاني : أن الشاهدَ الحقيقي ليس إلا الله - تعالى - ؛ لأنه الذي خلق الأشياءَ، وجعلها دلائلَ على توحيده، فلولا تلك الدلائلُ لم يتوصل أحد إلى معرفته بالوحدانيةِ، فهو - تعالى وفقهم، حتى أرشدهم إلى معرفة التوحيد، وإذا كان كذلك كان الشاهد على الوحدانيةِ هو الله تعالى، ولهذا قال :﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللَّهِ شَهِيدٌ﴾ [الأنعام: ١٩].
الثالث : أنه الموجود - أزلاً وأبداً - وكل ما سواه فقد كان في الأزل عدماً صِرْفاً، والعدم غائب، والموجود حاضر، وإذا كان ما سواه - في الأزل - غائباً، وهو - تعالى - حاضر فبشهادته صار شاهداً، فكان الحق شاهداً على الكل، فلهذا قال :﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُو﴾.
فصل
تقدم أن شهادة اللهِ الإخبار والإعلام، ومعنى شهادة الملائكة والمؤمنين الإقرار والمراد بأولي العلم، قيل : الأنبياء - عليهم السلام -.
قال ابنُ كَيْسَان : يعني المهاجرين والأنصار.
وقال مقاتل : علماء مؤمني أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه. (١٢)
قال السُّديُّ والكلبيُّ : يعني جميع المؤمنين(١٣) الذين عرفوا وحدانية الله - تعالى - بالدلائل القاطعة ؛ لأن الشهادة إنما تكون مقبولة، إذا كان الإخبار بها مقروناً بالعلم، ولذلك قال - عليه السلام - :" إذَا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَد ".
فإن قيل : إذا كانت شهادةُ الله عبارةً عن إقامة الدلائل، وشهادة الملائكة، وأولي العلم عبارة عن الإقرار، فكيف جمعهما في اللفظ ؟
فالجواب : أن هذا ليس ببعيد، ونظيره قوله - تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، ومعلوم أن الصلاة من الله تعالى الرحمة - كما ورد - ومن الملائكة الدعاء، ومن المؤمنين الاستغفار، وقد جمعهما في اللفظ.
فصل
دلّت هذه الآيةُ على فَضْل العلم وشرف العلماء ؛ فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنه الله باسمه واسم ملائكته، كما قرن الله اسم العلماء، وقال تعالى - لنبيه - :﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: ١١٤]، فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله - تعالى - نبيَّه المزيد منه، كما أمره أن يستزيد من العلم.
وقال عليه السلام :" الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ "، وقال :" العُلمَاءُ أمناء اللهِ عَلَى خَلْقِهِ " [ وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحل لهم في الدين خطير ](١٤).
قوله تعالى :﴿قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ﴾ في نَصْبه أربعة أوجه :
أحدها : أنه منصوب على الحال، واختلفوا في ذلك ؛ فبعضهم جعله حالاً من اسم " اللهُ "، فالعامل فيها " شَهِد ".
قال الزمخشري : وانتصابه على أنه حال مؤكِّدة منه، كقوله تعالى :
﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقا﴾
[البقرة: ٩١].
قال أبو حيّان : وليس من باب الحال المؤكدة ؛ لأنه ليس من باب
﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً﴾ [مريم: ١٥] ولا من باب : أنا عبد الله شجاعاً فليس " قَائِماً بِالْقِسْطِ " بمعنى " شَهِدَ " وليس مؤكداً مضمونَ الجملة السابقة في نحو : أنا عبد الله شجاعاً، وهو زيد شجاعاً، لكنْ في هذا التخريج قلقٌ في التركيب ؛ يصير كقولك : أكل زيدٌ طعاماً وعائشةُ وفاطمةُ جائعاً، ففصل بين المعطوف عليه، والمعطوف بالمفعول، وبين الحال وصاحبه بالمفعول، والمعطوف، لكن يمشيه كونها كلُّها معمولةٌ لعاملٍ واحدٍ.
قال شهاب الدينِ(١٥) : مؤاخذته له في قوله " مؤكِّدة " غير ظاهرةٍ، وذلك أن الحالَ على قسمين :
إما مؤكدة، وإما مبيِّنة - وهي الأصل - فالمبيِّنة لا جائز أن تكون ههنا ؛ لأن المبيّنة منتقلة، والانتقال - هنا - محال ؛ إذْ عَدْلُ الله - تعالى - لا يتغير.
وقيل : لنا قسم ثالث - وهي الحال اللازمة - فكان للزمخشري مندوحة عن قوله :" مؤكِّدة " وعن قوله " لازمة ".
فالجواب : أن كل مؤكِّدة لازمة، فلا فرق بين العبارتين - وإن كان الشيخ زعم أن إصلاح العبارة يحصل بقوله : لازمة - ويدل على ما ذكرته من ملازمة التأكيد للحال اللازمة وبالعكس الاستقراء وقوله : ليس معنى " قَائِماً بِالْقِسْطِ " معنى " شَهِدَ " ممنوع، بل معنى :" شَهِدَ " مع متعلَّقِهِ هو
﴿أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ - مساوٍ لقوله :" قَائِماً بِالْقِسْطِ " ؛ لأن التوحيد ملازمٌ للعدل.
قال الزمخشريُّ :" فإن قلتَ : لمَ جاز إفراده بنصب الحال دون المعطوفَيْن عليه، ولو قلتَ : جاءني زيدٌ وعمرو راكباً لم يَجُزْ ؟
قلتُ : إنما جاز هذا ؛ لعدم الإلباس، كما جاء في قوله تعالى :﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] - إن انتصب " نَافِلَةً " حالاً عن يعقوب، ولو قلت : جاءني زيد وهند راكباً، جاز ؛ لتميزه بالذكورة ".
قال أبو حيّان :" وما ذَكَرَ من قوله : جاءني زيد وعمرو راكباً، أنه لا يجوز ليس كما ذكر، فهذا جائز ؛ لأن الحال قَيْدٌ فيمن وقع منه أو به الفعل، أو ما أشبه ذلك، وإذا كان قَيْداً فإنه يُحْمَل على أقرب مذكور ؛ ويكون " راكباً " حالاً مما يليه، ولا فرق في ذلك بين الحال والصفة لو قلت : جاءني زيد وعمرو الطويل، لكان " الطويل " صفة لعمرو، ولا تقول : لا تجوز هذه المسألة ؛ لأنه يلبس، بل لا لبس في هذا، وهو جائز، فكذلك الحال، وأما قوله : إن " نَافِلَة " انتصب حالاً عن " يعقوب " فلا يتعين أن يكون حالاً عن يعقوب ؛ إذ يحتمل أن يكون " نَافِلَةً " مصدراً - كالعاقبة والعافية - ومعناه زيادة، فيكون ذلك شاملاً إسحاق ويعقوب ؛ لأنهما زِيدا لإبراهيم بعد ابنه إسماعيل وغيره ".
قال شهاب الدينِ(١٦) :" مراد الزمخشريِّ بمنع جاءني زيد وعمرو راكباً إذا أريد أن الحال منهما معاً، أما إذا أُريد أنها حال من واحد منهما فإنما يُجْعَل لِما يليه ؛ لعَوْد الضمير على أقرب مذكور ".
وبعضه
١ ينظر الشواذ ١٩، والبحر المحيط ٢/٤٢٠، والدر المصون ٢/٤٠..
٢ استشهد به على رفع "ضارع" بفعل محذوف من نوع الأول على رواية البناء للمفعول، ليبك يزيد فيكون التقدير: يبكيه ضارع، وقد روي بالبناء للفاعل: ليبك يزيد ضارع –فيكون "يزيد" مفعولا مقدما، و"ضارع" فاعل مؤخر ولا حذف في الكلام، واعتبر العسكري هذه الرواية هي الصحيحة، والرواية الأولى من تغيير النحويين، فقال في كتابه "التصحيف": ومما قلبوه وخالفهم فيه الرواة قول الشاعر: لبيك يزيد ضارع... البيت.
وقد رواه الأصمعي وغيره بالبناء للفاعل، ومثله: كتاب فعلت وأفعلت للسجستاني، وزعم، بعضهم أنه لا حذف في البيت على الرواية الأولى؛ لجواز أن يكون "يزيد" منادى "وضارع" نائب الفاعل.
واختلف في القياس على ذلك: فمنعه الجمهور، وجوزه الجرمي، وابن جني، وابن مالك، حيث لم يلتبس الفاعل بالنائب عنه.
ينظر سيبويه ١/١٤٥، ١٨٣، العيني ٢/٤٥٤، وابن يعيش ١/٨٠ الهمع ١/١٦٠، الخصائص ٢/٣٥٣، ٤٢٤، التصحيف للعسكري- ٢٠٨، شرح الكافية للرضي ١/٦٧، ٦٨ معاهد التنصيص ١/٢٠٢، ٢٠٣، شواهد الكشاف- ٦٥، الكافية ١/٧٥..
٣ انظر: البحر المحيط ٢/٢٤٠، والدر المصون ٢/٤٠..
٤ ينظر المحتسب ١/٢٣٠..
٥ انظر: الدر المصون ٢/٤١..
٦ انظر: المحرر الوجيز ١/٤١٢، ٤١٣، والبحر المحيط ٢/٤٢٠، والدر المصون..
٧ انظر: الكشاف ١/٣٤٥..
٨ انظر: الشواذ ١٩، والمحرر الوجيز ١/٤١٢، والبحر المحيط ٢/ ٤٢٠، والدر المصون ٢/٤١..
٩ سقط في ب..
١٠ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٢) وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير..
١١ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٤/٢٧) عن الكلبي..
١٢ انظر تفسير القرطبي (٤/٢٧)..
١٣ انظر المصدر السابق..
١٤ سقط في أ..
١٥ ينظر: الدر المصون ٢/٤٢..
١٦ ينظر: الدر المصون ٢/٤٢..
٢ استشهد به على رفع "ضارع" بفعل محذوف من نوع الأول على رواية البناء للمفعول، ليبك يزيد فيكون التقدير: يبكيه ضارع، وقد روي بالبناء للفاعل: ليبك يزيد ضارع –فيكون "يزيد" مفعولا مقدما، و"ضارع" فاعل مؤخر ولا حذف في الكلام، واعتبر العسكري هذه الرواية هي الصحيحة، والرواية الأولى من تغيير النحويين، فقال في كتابه "التصحيف": ومما قلبوه وخالفهم فيه الرواة قول الشاعر: لبيك يزيد ضارع... البيت.
وقد رواه الأصمعي وغيره بالبناء للفاعل، ومثله: كتاب فعلت وأفعلت للسجستاني، وزعم، بعضهم أنه لا حذف في البيت على الرواية الأولى؛ لجواز أن يكون "يزيد" منادى "وضارع" نائب الفاعل.
واختلف في القياس على ذلك: فمنعه الجمهور، وجوزه الجرمي، وابن جني، وابن مالك، حيث لم يلتبس الفاعل بالنائب عنه.
ينظر سيبويه ١/١٤٥، ١٨٣، العيني ٢/٤٥٤، وابن يعيش ١/٨٠ الهمع ١/١٦٠، الخصائص ٢/٣٥٣، ٤٢٤، التصحيف للعسكري- ٢٠٨، شرح الكافية للرضي ١/٦٧، ٦٨ معاهد التنصيص ١/٢٠٢، ٢٠٣، شواهد الكشاف- ٦٥، الكافية ١/٧٥..
٣ انظر: البحر المحيط ٢/٢٤٠، والدر المصون ٢/٤٠..
٤ ينظر المحتسب ١/٢٣٠..
٥ انظر: الدر المصون ٢/٤١..
٦ انظر: المحرر الوجيز ١/٤١٢، ٤١٣، والبحر المحيط ٢/٤٢٠، والدر المصون..
٧ انظر: الكشاف ١/٣٤٥..
٨ انظر: الشواذ ١٩، والمحرر الوجيز ١/٤١٢، والبحر المحيط ٢/ ٤٢٠، والدر المصون ٢/٤١..
٩ سقط في ب..
١٠ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٢) وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير..
١١ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٤/٢٧) عن الكلبي..
١٢ انظر تفسير القرطبي (٤/٢٧)..
١٣ انظر المصدر السابق..
١٤ سقط في أ..
١٥ ينظر: الدر المصون ٢/٤٢..
١٦ ينظر: الدر المصون ٢/٤٢..