جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لّهُمْ بَلْ هُوَ شَرّ لّهُمْ سَيُطَوّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَللّهِ مِيرَاثُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه جماعة من أهل الحجاز والعراق :﴿وَلا يَحسَبنّ الّذِينَ يَبخَلونَ﴾ بالياء من يحسبنّ وقرأته جماعة أخر :«وَلا تَحسَبنّ » بالتاء.
ثم اختلف أهل العربية في تأويل ذلك، فقال بعض نحويي الكوفة : معنى ذلك : لا يحسبنّ الباخلون البخل هو خيرا لهم. فاكتفى بذكر يبخلون من البخل، كما تقول : قدم فلان فسررت به، وأنت تريد فسررت بقدومه، وهو عماد. وقال بعض نحويي أهل البصرة : إنما أراد بقوله :«وَلا تَحسَبنّ الّذِينَ يَبخَلونَ بِمَا آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيرا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرّ لَهُمْ » لا تحسبن البخل هو خيرا لهم، فألقى الاسم الذي أوقع عليه الحسبان به وهو البخل، لأنه قد ذكر الحسبان، وذكر ما آتاهم الله من فضله، فأضمرهما إذ ذكرهما، قال : وقد جاء من الحذف ما هو أشد من هذا، قال :﴿لا يَستَوِي مِنكُمْ مَنْ انْفَقَ مِنْ قَبْل الفَتْحِ وَقاتَلَ﴾ ولم يقل : ومن أنفق من بعد الفتح، لأنه لما قال :﴿أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الّذِينَ أنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ﴾ كان فيه دليل على أنه قد عناهم.
وقال بعض من أنكر قول من ذكرنا قوله من أهل البصرة، أن «من » في قوله :﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ﴾ في معنى جمع. ومعنى الكلام : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح في منازلهم وحالاتهم، فكيف من أنفق من بعد الفتح، فالأول مكتف. وقال في قوله :﴿لا يَحْسَبنّ الّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خيْرا لَهُمْ﴾ محذوف، غير أنه لم يحذف إلا وفي الكلام ما قام مقام المحذوف، لأن «هو » عائد البخل، و«خيرا لهم » عائد الأسماء، فقد دلّ هذان العائدان على أن قبلهما اسمين، واكتفى بقوله : يبخلون، من البخل. قال : وهذا إذا قرىء بالتاء، فالبخل قبل الذين، وإذا قرىء بالياء، فالبخل بعد الذين، وقد اكتفى بالذين يبخلون من البخل، كما قال الشاعر :
| إذَا نُهِيَ السّفِيهُ جَرَى إلَيْهِ | وخالَفَ وَالسّفيهُ إلى خِلافِ |
وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي، قراءة من قرأ :﴿وَلا تَحْسَبنّ الّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بالتاء بتأويل : ولا تحسبنّ أنت يا محمد بخل الذين يبخلون بما أتاهم الله من فضله، هو خيرا لهم، ثم ترك ذكر البخل، إذ كان في قوله هو خيرا لهم، دلالة على أنه مراد في الكلام، إذ كان قد تقدّمه قوله :﴿الّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمْ اللّهُ مِنْ فَضلِهِ﴾.
وإنما قلنا قراءة ذلك بالتاء أولى بالصواب من قراءته بالياء، لأن المحسبة من شأنها طلب اسم وخبر، فإذا قرىء قوله :﴿وَلا يَحْسَبنّ الّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بالياء لم يكن للمحسبة اسم يكون قوله :﴿هُوَ خَيْرا لَهُمْ﴾ خبرا عنه، وإذا قرىء ذلك بالتاء كان قوله :﴿الّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ اسما له، قد أدّى عن معنى البخل الذي هو اسم المحسبة المتروك، وكان قوله :﴿هُوَ خَيْرا لَهُمْ﴾ خبرا لها، فكان جاريا مجرى المعروف من كلام العرب الفصيح. فلذلك اخترنا القراءة بالتاء في ذلك على ما بيناه، وإن كانت القراءة بالياء غير خطأ، ولكنه ليس بالأفصح ولا الأشهر من كلام العرب.
وأما تأويل الآية الذي هو تأويلها على ما اخترنا من القراءة في ذلك : ولا تحسبنّ يا محمد، بخل الذين يبخلون بما أعطاهم الله في الدنيا من الأموال، فلا يخرجون منه حقّ الله الذي فرضه عليهم فيه من الزكوات هو خيرا لهم عند الله يوم القيامة، بل هو شرّ لهم عنده في الآخرة. كما :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :«وَلا تَحْسَبنّ الّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرا لَهُمْ بَلْ هُو شَرّ لَهُمْ » : هم الذين آتاهم الله من فضله، فبخلوا أن ينفقوها في سبيل الله، ولم يؤدّوا زكاتها.
وقال آخرون : بل عنى بذلك اليهود الذين بخلوا أن يبينوا للناس ما أنزل الله في التوراة من أمر محمد ﷺ ونعته. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني عمي، ثني أبي، قال : قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله :«وَلا تَحْسَبنّ الّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ ». . . إلى ﴿سُيَطَوّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يعني بذلك : أهل الكتاب أنهم بخلوا بالكتاب أن يبينوه للناس.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله :«وَلا تَحْسَبنّ الّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ » قال : هم يهود، إلى قوله :﴿وَالكتاب المُنِير﴾.
وأولى التأويلين بتأويل هذه الاَية التأويل الأوّل وهو أنه معنيّ بالبخل في هذا الموضع : منع الزكاة لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه تأوّل قوله :﴿سَيُطَوّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قال : البخيل الذي منع حقّ الله منه أنه يصير ثعبانا في عنقه، ولقول الله عقيب هذه الاَية :﴿لَقَدْ سَمِعَ اللّهْ قَوْلَ الّذِينَ قالُوا إنّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أغْنِياءُ﴾ فوصف جلّ ثناؤه قول المشركين من اليهود الذين زعموا عند أمر الله إياهم بالزكاة أن الله فقير.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿سَيُطَوّقُونَ ما بَخَلِوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾.
يعني بقوله جلّ ثناؤه :﴿سَيُطَوّقُونَ﴾ : سيجعل الله ما بخل به المانعون الزكاة طوقا في أعناقهم، كهيئة الأطواق المعروفة. كالذي :
حدثني الحسن بن قزعة، قال : حدثنا مسلمة بن علقمة، قال : حدثنا داود، عن أبي قزعة، عن أبي مالك العبدي، قال : ما من عبد يأتيه ذو رحم له يسأله من فضل عنده فيبخل عليه إلا أخرج له الذي بخل به عليه شجاعا أقرع. وقال : وقرأ :«وَلا تَحْسَبنّ الّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرّ لَهُمْ سَيُطَوّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ». . . إلى آخر الاَية.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن أبي قزعة، عن رجل، عن النبيّ ﷺ، قال :«ما مِنْ ذِي رَحِمٍ يَأْتِيَ ذَا رَحِمِهِ فَيَسألُهُ فَضْلٍ جَعَلَهُ الله عِنْدَهُ فَيَبْخَلَ بِهِ عَلَيْهِ إلاّ أُخْرِجَ مِنْ لَهُ مِنْ جَهَنّمَ شُجاعٌ يَتَلَمّظُ حتى يُطَوّقَهُ ».
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا أبو معاوية محمد بن خازم، قال : حدثنا داود، عن أبي قزعة حجر بن بيان، قال : قال رسول الله ﷺ :«ما مِنْ ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذَا رَحِمِهِ فَيَسألَهُ مِنْ فَضْلٍ أعْطاهُ اللّهُ إيّاهُ فَيَبْخَلَ بِهِ عَلَيْهِ، إلاّ أُخْرِجَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعٌ مِنَ النّارِ يَتَلَمّظُ حتى يُطَوّقَهُ » ثم قرأ :«وَلا تَحْسَبنّ الّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ » حتى انتهى إلى قوله :﴿سَيُطَوّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾.
حدثني زياد بن عبيد الله المرّي، قال : حدثنا مروان بن معاوية، وحدثني محمد بن عبد الله الكلابي، قال : حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا عبد الواحد بن واصل أبو عبيدة الحداد، واللفظ ليعقوب جميعا، عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه، عن جده، قال : سمعت نبيّ الله ﷺ يقول :«لا يَأْتِي رَجُلٌ مَوْلاهُ فَيَسألَهُ مِنْ فَضْل مالٍ عِنْدَهُ فَيَمْنَعُهُ إيّاهُ إلاّ دَعا لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعا يَتَلَمّظُ فَضْلَهُ الّذِين مَنَعَ ».
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود :﴿سَيُطَوّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قال : ثعبان ينقر رأس أحدهم، يقول : أنا مالك الذي بخلت به.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال : سمعت أبا وائل يحدّث أنه سمع عبد الله، قال في هذه الاَية :﴿سَيُطَوّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قال : شجاع يلتوي برأس أحدهم.
حدثني ابن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، قال : حدثنا خلاد بن أسلم، قال أخبرنا النضر بن شميل، قال : أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن عبد الله، بمثله، إلا أنهما قالا : قال شجاع أسود.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال : يجيء ماله يوم القيامة ثعبانا، فينقر رأسه فيقول : أنا مالك الذي بخلت به، فينطوي على عنقه.
حُدثت عن سفيان بن عيينة، قال : حدثنا جامع بن شداد وعبد الملك بن أعين، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال : قال رسول الله ﷺ :«ما مِنْ أحَدٍ لا يُؤَدّي زَكاةَ مالِهِ إلاّ مُثّلَ لَهُ شُجاعٌ أقْرَعُ يُطَوّقُهُ » ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ :«وَلا تَحْسَبنّ الّذِينَ يَبْخَلونَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرا لَهُمْ ». . . الاَية.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : ثني أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : أما ﴿سَيُطَوّقون ما بَخِلُوا بِهِ﴾ فإنه يجعل ماله يوم القيامة شجاعا أقرع يطوّقه، فيأخذ بعنقه، فيتبعه حتى يقذفه في النار.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا خلف بن خليفة، عن أبي هاشم، عن أبي وائل، قال : هو الرجل الذي يرزقه الله مالاً، فيمنع قرابته الحقّ الذي جعل الله لهم في ماله، فيجعل حية فيطوّقها، فيقول : مالي ولك ؟ فيقول : أنا مالك.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو غسان، قال : حدثنا إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن سالم بن أبي الجعد عن مسروق، قال : سألت ابن مسعود عن قوله :﴿سَيُطَوّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قال : يطوّقون شجاعا أقرع، ينهش رأسه.
وقال آخرون : معنى ذلك :﴿سَيُطَوّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فيجعل في أعناقهم طوقا من نار. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم :﴿سَيُطَوّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قال : طوقا من النار.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم أنه قال في هذه الاَية :{ سَيُطَوّقُ