البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ نزلت في فنحاص بن عازوراء، حاوره أبو بكر في الإسلام وأن يقرض الله قرضاً حسناً فقال : هذه المقالة فضربه أبو بكر ومنعه من قبله العهد، فشكاه إلى الرسول وأنكر ما قال، فنزلت تكذيباً لفنحاص، وتصديقاً للصديق قاله : ابن عباس، وعكرمة، والسدّي، ومقاتل، وابن إسحاق رضي الله عنهم، وساقوا القصة مطولة.
وقال قتادة : نزلت في حيي بن أخطب، وقال هو أيضاً والحسن ومعمر وغيرهم : في اليهود.
وذكر أبو سليمان الدمشقي في الياس بن عمر.
ولما نزل ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً﴾ قال أو قالوا : إنما يستقرض الفقير الغني، والظاهر أن قائل ذلك جمع، فيمكن أن ذلك صدر من فنحاص أو حيي أولاً، ثم تقاولها اليهود، أو صدر ذلك من واحد فقط، ونسب للجماعة على عادة كلام العرب في نسبتها إلى القبيلة فعل الواحد منها.
ومعنى لقد سمع الله : أنه لم يخف عليه تعالى مقالتهم، ومقالتهم هذه إما على سبيل الاستهزاء بما نزل من طلب الإقراض، وإما على سبيل الجدل والإلزام، لأن من طلب الإقراض كان فقيراً.
وإما على الاعتقاد، ولا يستبعد ذلك من عقولهم، إذ قد حكى الله عنهم ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم﴾ وأياماً كان من هذه الأسباب، فذلك دليل على تمردهم في الكفر والمبالغة فيه، حيث نسبوا الموجد الأشياء من العدم الصرف إلى الوجود الغني بذاته عما أوجده الوصف الدال على الافتقار لبعض ما أوجده، ونسبوا العكس إلى أنفسهم، وجاءت الجملة مؤكدة باللام مؤذنة بعلمه بمقالتهم ومؤكدة له، وحيث نسبوا إلى الله ما نسبوا، أكدوا الجملة بأن على سبيل المبالغة.
وحيث نسبوا إلى أنفسهم ما نسبوا لم يؤكدوا، بل أخرجوا الجملة مخرج ما لا يحتاج إلى تأكيد، كأنَّ الغنى وصف لهم لا يمكن فيه نزاع، فيحتاج إلى أنْ يؤكد.
﴿سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق﴾ الظاهر إجراء الكتابة على أنها حقيقة، قال ذلك كثير من العلماء.
وأنها تكتب الأعمال في صحف، وأن تلك الصحف هي التي توزن، ويحدث الله سبحانه وتعالى فيها الخفة والثقل بحسب ما كتب فيها من الخير والشر.
وقيل : سنكتب ما قالوا في القرآن حتى يعلم القوم شدة تعنتهم وحسدهم في الطعن عليه ﷺ.
وذهب قوم : إلى أن الكتابة مجاز ومعناها الإحصاء للشيء وضبطه وعدم إهماله وكينونته في علم الله شيئاً محفوظاً لا ينسى، كما يثبت المكتوب.
وذهب إلى أن معنى سنكتب : سنوجب عليهم في الآخرة جزاء ما قالوه في الدنيا كقوله :﴿كتب عليكم الصيام﴾ وجاء سنكتب بلفظ المستقبل دون لفظ الماضي، لأنه تضمن المجازاة على ما قالوه.
وفيه من التهديد والوعيد ما لا يخفى.
ونسب إليهم قتلهم الأنبياء، وإن كان من فعل آبائهم، لما كانوا راضين به.
وقد سموا أيضاً رسول الله ﷺ وهموا بقتله، ودل هذا القول وهذا الفعل على جميع الأقوال والأفعال القبيحة التي صدرت منهم.
إذ القول في هذه الآية أشنع الأقوال في الله تعالى، والقتل أشنع الأفعال التي فعلوها مع أنبياء الله تعالى، وتشريك القتل مع هذا القول يدل على أنهما يسببان في استحقاق العقاب.
ولما كان الصادر منهم قولاً وفعلاً ناسب أن يكون الجزاء قولاً وفعلاً، فتضمن القول والفعل قوله تعالى :﴿ونقول ذوقوا عذاب الحريق﴾.
وفي الجمع بين القول والفعل أعظم انتقام، ويقال للمنتقم منه : أحس وذق.
وقال أبو سفيان لحمزة رضي الله عنه لما طعنه وحشي : ذق عقق، واستعير لمباشرة العذاب الذوق، لأن الذوق من أبلغ أنواع المباشرة، وحاستها متميزة جداً.
والحريق : المحرق فعيل بمعنى مفعل، كأليم بمعنى مؤلم.
وقيل : الحريق طبقة من طباق جهنم.
وقيل : الحريق الملتهب من النار، والنار تشمل الملتهبة وغير الملتهبة، والملتهبة أشدها.
والظاهر أنَّ هذا القول يكون عند دخولهم جهنم.
وقيل : قد يكون عند الحساب، أو عند الموت.
وأنَّ وما بعدها محكى بقالوا.
وأجاز أبو البقاء أن يكون محكياً بالمصدر، فيكون من باب الأعمال.
قال : وإعمالُ الأول أصلٌ ضعيف، ويزداد ضعفاً لأن الثاني فعل والأول مصدر، وإعمال الفعل أقوى.
والظاهر أنَّ ما فيما قالوا موصولة بمعنى الذي، وأجيز أن تكون مصدرية.
وقرأ الجمهور : سنكتب وقتلهم بالنصب.
ونقول : بنون المتكلم المعظم.
أو تكون للملائكة.
وقرأ الحسن والأعرج سيكتب بالياء على الغيبة.
وقرأ حمزة : سيكتب بالياء مبنياً للمفعول، وقتلهم بالرفع عطفاً على ما، إذ هي مرفوعة بسيكتب، ويقول بالياء على الغيبة.
وقرأ طلحة بن مصرّف : سنكتب ما يقولون.
وحكى الداني عنه : ستكتب ما قالوا بتاء مضمومة على معنى مقالتهم.
وقرأ ابن مسعود : ويقال ذوقوا.
ونقلوا عن أبي معاذ النحويّ أنّ في حرف ابن مسعود سنكتبُ ما يقولون ونقول لهم ذوقوا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات التجنيس المغاير في قوله : الذين قالوا : والمماثل في : قالوا، وسنكتب ما قالوا، وفي : كذبوك فقد كذب.
والطباق في : فقير وأغنياء، وفي : الموت والحياة، وفي : زحزح عن النار وأدخل الجنة.
والالتفات في : سنكتب ونقول، وفي : أجوركم، إذ تقدمه كل نفس.
والتكرار في : لفظ الجلالة، وفي البينات.
والاستعارة في : سنكتب على قول من لم يجعل الكتابة حقيقة، وفي : قدّمت أيديكم، وفي : تأكله النار، وفي : ذوقوا وذائقة.
والمذهب الكلامي في فلم قتلتموهم.
والاختصاص في : أيديكم.
والإشارة في : ذلك، والشرط المتجوز فيه.
والزيادة للتوكيد في : وبالزبر وبالكتاب في قراءة من قرأ كذلك.
والحذف في مواضع.
وقال قتادة : نزلت في حيي بن أخطب، وقال هو أيضاً والحسن ومعمر وغيرهم : في اليهود.
وذكر أبو سليمان الدمشقي في الياس بن عمر.
ولما نزل ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً﴾ قال أو قالوا : إنما يستقرض الفقير الغني، والظاهر أن قائل ذلك جمع، فيمكن أن ذلك صدر من فنحاص أو حيي أولاً، ثم تقاولها اليهود، أو صدر ذلك من واحد فقط، ونسب للجماعة على عادة كلام العرب في نسبتها إلى القبيلة فعل الواحد منها.
ومعنى لقد سمع الله : أنه لم يخف عليه تعالى مقالتهم، ومقالتهم هذه إما على سبيل الاستهزاء بما نزل من طلب الإقراض، وإما على سبيل الجدل والإلزام، لأن من طلب الإقراض كان فقيراً.
وإما على الاعتقاد، ولا يستبعد ذلك من عقولهم، إذ قد حكى الله عنهم ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم﴾ وأياماً كان من هذه الأسباب، فذلك دليل على تمردهم في الكفر والمبالغة فيه، حيث نسبوا الموجد الأشياء من العدم الصرف إلى الوجود الغني بذاته عما أوجده الوصف الدال على الافتقار لبعض ما أوجده، ونسبوا العكس إلى أنفسهم، وجاءت الجملة مؤكدة باللام مؤذنة بعلمه بمقالتهم ومؤكدة له، وحيث نسبوا إلى الله ما نسبوا، أكدوا الجملة بأن على سبيل المبالغة.
وحيث نسبوا إلى أنفسهم ما نسبوا لم يؤكدوا، بل أخرجوا الجملة مخرج ما لا يحتاج إلى تأكيد، كأنَّ الغنى وصف لهم لا يمكن فيه نزاع، فيحتاج إلى أنْ يؤكد.
﴿سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق﴾ الظاهر إجراء الكتابة على أنها حقيقة، قال ذلك كثير من العلماء.
وأنها تكتب الأعمال في صحف، وأن تلك الصحف هي التي توزن، ويحدث الله سبحانه وتعالى فيها الخفة والثقل بحسب ما كتب فيها من الخير والشر.
وقيل : سنكتب ما قالوا في القرآن حتى يعلم القوم شدة تعنتهم وحسدهم في الطعن عليه ﷺ.
وذهب قوم : إلى أن الكتابة مجاز ومعناها الإحصاء للشيء وضبطه وعدم إهماله وكينونته في علم الله شيئاً محفوظاً لا ينسى، كما يثبت المكتوب.
وذهب إلى أن معنى سنكتب : سنوجب عليهم في الآخرة جزاء ما قالوه في الدنيا كقوله :﴿كتب عليكم الصيام﴾ وجاء سنكتب بلفظ المستقبل دون لفظ الماضي، لأنه تضمن المجازاة على ما قالوه.
وفيه من التهديد والوعيد ما لا يخفى.
ونسب إليهم قتلهم الأنبياء، وإن كان من فعل آبائهم، لما كانوا راضين به.
وقد سموا أيضاً رسول الله ﷺ وهموا بقتله، ودل هذا القول وهذا الفعل على جميع الأقوال والأفعال القبيحة التي صدرت منهم.
إذ القول في هذه الآية أشنع الأقوال في الله تعالى، والقتل أشنع الأفعال التي فعلوها مع أنبياء الله تعالى، وتشريك القتل مع هذا القول يدل على أنهما يسببان في استحقاق العقاب.
ولما كان الصادر منهم قولاً وفعلاً ناسب أن يكون الجزاء قولاً وفعلاً، فتضمن القول والفعل قوله تعالى :﴿ونقول ذوقوا عذاب الحريق﴾.
وفي الجمع بين القول والفعل أعظم انتقام، ويقال للمنتقم منه : أحس وذق.
وقال أبو سفيان لحمزة رضي الله عنه لما طعنه وحشي : ذق عقق، واستعير لمباشرة العذاب الذوق، لأن الذوق من أبلغ أنواع المباشرة، وحاستها متميزة جداً.
والحريق : المحرق فعيل بمعنى مفعل، كأليم بمعنى مؤلم.
وقيل : الحريق طبقة من طباق جهنم.
وقيل : الحريق الملتهب من النار، والنار تشمل الملتهبة وغير الملتهبة، والملتهبة أشدها.
والظاهر أنَّ هذا القول يكون عند دخولهم جهنم.
وقيل : قد يكون عند الحساب، أو عند الموت.
وأنَّ وما بعدها محكى بقالوا.
وأجاز أبو البقاء أن يكون محكياً بالمصدر، فيكون من باب الأعمال.
قال : وإعمالُ الأول أصلٌ ضعيف، ويزداد ضعفاً لأن الثاني فعل والأول مصدر، وإعمال الفعل أقوى.
والظاهر أنَّ ما فيما قالوا موصولة بمعنى الذي، وأجيز أن تكون مصدرية.
وقرأ الجمهور : سنكتب وقتلهم بالنصب.
ونقول : بنون المتكلم المعظم.
أو تكون للملائكة.
وقرأ الحسن والأعرج سيكتب بالياء على الغيبة.
وقرأ حمزة : سيكتب بالياء مبنياً للمفعول، وقتلهم بالرفع عطفاً على ما، إذ هي مرفوعة بسيكتب، ويقول بالياء على الغيبة.
وقرأ طلحة بن مصرّف : سنكتب ما يقولون.
وحكى الداني عنه : ستكتب ما قالوا بتاء مضمومة على معنى مقالتهم.
وقرأ ابن مسعود : ويقال ذوقوا.
ونقلوا عن أبي معاذ النحويّ أنّ في حرف ابن مسعود سنكتبُ ما يقولون ونقول لهم ذوقوا.
والطباق في : فقير وأغنياء، وفي : الموت والحياة، وفي : زحزح عن النار وأدخل الجنة.
والالتفات في : سنكتب ونقول، وفي : أجوركم، إذ تقدمه كل نفس.
والتكرار في : لفظ الجلالة، وفي البينات.
والاستعارة في : سنكتب على قول من لم يجعل الكتابة حقيقة، وفي : قدّمت أيديكم، وفي : تأكله النار، وفي : ذوقوا وذائقة.
والمذهب الكلامي في فلم قتلتموهم.
والاختصاص في : أيديكم.
والإشارة في : ذلك، والشرط المتجوز فيه.
والزيادة للتوكيد في : وبالزبر وبالكتاب في قراءة من قرأ كذلك.
والحذف في مواضع.