فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قال أهل التفسير : لما أنزل الله :﴿من ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا﴾ [ البقرة : ٢٤٥، الحديد : ١١ ] قال قوم من اليهود : هذه المقالة تمويهاً على ضعفائهم، لا أنهم يعتقدون ذلك ؛ لأنهم أهل الكتاب، بل أرادوا أنه تعالى إن صح ما طلبه منا من القرض على لسان محمد، فهو فقير ليشككوا على إخوانهم في دين الإسلام. وقوله :﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ سنكتبه في صحف الملائكة، أو سنحفظه، أو سنجازيهم عليه. والمراد : الوعيد لهم، وأن ذلك لا يفوت على الله، بل هو معدّ لهم ليوم الجزاء. وجملة سنكتب على هذا مستأنفة جواباً لسؤال مقدر، كأنه قيل : ماذا صنع الله بهؤلاء الذين سمع منهم هذا القول الشنيع ؟ فقال : قال لهم :﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾. وقرأ الأعمش، وحمزة :«سيكتب » بالمثناة التحتية مبني للمفعول. وقرأ برفع اللام من «قتلهم » و " يقول " بالياء المثناة تحت. قوله :﴿وَقَتْلِهِمُ الأنبياء﴾ عطف على ﴿ما قالوا﴾، أي : ونكتب قتلهم الأنبياء، أي : قتل أسلافهم للأنبياء، وإنما نسب ذلك إليهم لكونهم رضوا به، جعل ذلك القول قريناً لقتل الأنبياء تنبيهاً على أنه من العظم، والشناعة بمكان يعدل قتل الأنبياء. قوله :﴿وَنَقُولُ﴾ معطوف على ﴿سَنَكْتُبُ﴾ أي : ننتقم منهم بعد الكتابة بهذا القول الذي نقوله لهم في النار، أو عند الموت، أو عند الحساب. والحريق : اسم للنار الملتهبة وإطلاق الذوق على إحساس العذاب فيه مبالغة بليغة. وقرأ ابن مسعود :«ويقال ذوقوا ».
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : دخل أبو بكر بيت المدراس، فوجد يهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له : فنحاص، وكان من علمائهم، وأحبارهم. فقال أبو بكر : ويحك يا فنحاص اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة، فقال فنحاص : والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه، كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان غنياً عنا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا، ويعطينا، ولو كان غنياً عنا ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر، فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، وقال : والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت عنقك يا عدو الله، فذهب فنحاص إلى رسول الله ﷺ، فقال : يا محمد انظر ما صنع صاحبك بي، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر :«ما حملك على ما صنعت ؟» فقال : يا رسول الله قال قولاً عظيماً، يزعم أن الله فقير، وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، فضربت وجهه، فجحد فنحاص فقال : ما قلت ذلك، فأنزل الله فيما قال فنحاص تصديقاً لأبي بكر :﴿لقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُوا﴾ الآية، ونزل في أبي بكر، وما بلغه في ذلك من الغضب ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُوا الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآية. وقد أخرج هذه القصة ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة، وأخرجها ابن جرير، عن السدي بأخصر من ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء في المختارة من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : أتت اليهود محمداً ﷺ حين أنزل الله :﴿من ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] فقالوا : يا محمد أفقير ربك يسأل عباده القرض ؟ فأنزل الله الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة : أن القائل لهذه المقالة حيي بن أخطب، وأنها نزلت فيه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن العلاء بن بدر أنه سئل عن قوله :﴿وَقَتْلِهِمُ الأنبياء بِغَيْرِ حَقّ﴾ وهم : لم يدركوا ذلك، قال : بموالاتهم من قتل الأنبياء.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام للْعَبِيدِ﴾ قال : ما أنا بمعذب من لم يجترم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله :﴿الذين قَالُوا إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ قال : هم اليهود. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله :﴿حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار﴾ [التوبة: ٣٠] قال : يتصدق الرجل منا، فإذا تقبل منه أنزلت عليه النار من السماء، فأكلته. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله :﴿الذين قَالُوا إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ قال : كذبوا على الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله :﴿بالبينات﴾ قال : الحلال، والحرام ﴿والزبر﴾ قال : كتب الأنبياء ﴿والكتاب المنير﴾ قال : هو القرآن.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى