المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿الذين قالوا إن الله عهد إلينا﴾ صفة راجعة إلى قوله :﴿الذين قالوا إن الله فقير﴾ وقال الزجاج :﴿الذين﴾ صفة للعبيد، وهذ مفسد للمعنى والرصف، وهذه المقالة قالتها أحبار يهود مدافعة لأمر النبي ﷺ أي إنك لا تأتي بنار فنحن قد عهد إلينا أن لا نؤمن لك، و ﴿عهد﴾ معناه : أمر والعهد : أخص من الأمر، وذلك أنه في كل ما يتطاول أمره ويبقى في غابر الزمان، وتعدى «آمن » في هذه الآية باللام والباء في ضمن ذلك، «وقربان » مصدر سمي به الشيء الذي يقرب كالرهن، وكان أمر القربان حكماً قديماً في الأنبياء، ألا ترى أن ابني آدم قربا قرباناً، وذلك أنهم كانوا إذا أرادوا معرفة قبول الله تعالى لصدقة إنسان أو عمله أو صدق قوله، قرب قرباناً شاة أو بقرة ذبيحة أو بعض ذلك وجلعه في مكان للهواء وانتظر به ساعة، فتنزل نار من السماء فتحرق ذلك الشيء، فهذه علامة القبول، وإذا لم تنزل النار فليس ذلك العمل بمقبول، ثم كان هذا الحكم في أنبياء بني إسرائيل، وكانت النار أيضاً تنزل لأموال الغنائم فتحرقها، حتى أحلت الغنائم لمحمد ﷺ حسب الحديث(١) وروي عن عيسى بن عمر، أنه كان يقرأ «بقرُبان » بضم الراء وذلك للإتباع لضمة القاف وليست بلغة، لأنه ليس في الكلام فعلان بضم الفاء والعين، وقد حكى سبيويه : السلطان بضم اللام، وقال : إن ذلك على الإتباع.
قوله تعالى :
﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قُتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاؤا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزَّبُورِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾
هذا رد عليهم في مقالتهم وتبيين لإبطالهم، أي :﴿قد جاءكم رسل﴾ بالآيات الباهرة البينة، وفي جملتها ما قلتم من أمر القربان فلم قتلتموهم يا بني إسرائيل المعنى بل هذا منكم تعلل وتعنت، ولو أتيتكم بالقربان لتعللتم بغير ذلك، والاقتراح لا غاية له، ولا يجاب كل مقترح، ولم يجب الله مقترحاً إلا وقد أراد تعذيبه وأن لا يمهله، كقوم صالح وغيرهم، وكذلك قيل لمحمد في اقتراح قريش فأبى، وقال : بل أدعوهم وأعالجهم(٢).
١ - أخرجه الشيخان، والنسائي عن جابر. (الجامع الصغير ٢/١٥٢)..
٢ - أخرجه مسلم، والنسائي بلفظ (بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله)، الحديث. "حياة الصحابة" ١/٤٠٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى