فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿ذَائِقَةُ﴾ من الذوق، ومنه قول أمية بن أبي الصلت :
وهذه الآية تتضمن الوعد، والوعيد للمصدق، والمكذب بعد إخباره، عن الباخلين القائلين ﴿إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾. وقرأ الأعمش، ويحيى بن وثاب، وابن أبي إسحاق :﴿ذَائِقَةُ الموت﴾ بالتنوين ونصب الموت. وقرأ الجمهور بالإضافة. قوله :﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة﴾ أجر المؤمن : الثواب، وأجر الكافر : العقاب، أي : أن توفية الأجور، وتكميلها إنما تكون في ذلك اليوم، وما يقع من الأجور في الدنيا، أو في البرزخ، فإنما هو بعض الأجور، والزحزحة : التنحية، والإبعاد : تكرير الزح، وهو الجذب بعجلة، قاله في الكشاف، وقد سبق الكلام عليه، أي : فمن بعد عن النار يومئذ، ونحى، فقد فاز، أي : ظفر بما يريد، ونجا مما يخاف، وهذا هو الفوز الحقيقي الذي لا فوز يقاربه، فإن كل فوز، وإن كان بجميع المطالب دون الجنة ليس بشيء بالنسبة إليها، اللهم لا فوز إلا فوز الآخرة، ولا عيش إلا عيشها، ولا نعيم إلا نعيمها، فاغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وارض عنا رضاً لا سخط بعده، واجمع لنا بين الرضا منك علينا، والجنة. والمتاع : ما يتمتع به الإنسان، وينتفع به، ثم يزول، ولا يبقى كذا قال أكثر المفسرين. الغرور : الشيطان يغرّ الناس بالأماني الباطلة، والمواعيد الكاذبة، شبه سبحانه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على من يريده، وله ظاهر محبوب، وباطن مكروه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي شيبة، وهناد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن حبان، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«إن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرءوا إن شئتم :﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ وَما الحياة الدنيا إِلاَّ متاع الغرور﴾» وأخرج ابن مردويه، عن سهل بن سعد مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الزهري في قوله :﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُوا الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ قال : هو كعب بن الأشرف، وكان يحرّض المشركين على رسول الله ﷺ، وأصحابه في شعره. وأخرج ابن المنذر، من طريق الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في الآية قال : يعني : اليهود والنصارى، فكان المسلمون يسمعون من اليهود قولهم :﴿عُزَيْرٌ ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠]، ومن النصارى قولهم :﴿المسيح ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠] ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلك مِنْ عَزْمِ الأمور﴾ قال : من القوة مما عزم الله عليه، وأمركم به. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، عن ابن عباس في قوله :﴿وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُوا الكتاب لَتُبَيّننَّهُ لِلنَّاسِ﴾ قال : فنحاص، وأشيع، وأشباههما من الأحبار. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله :﴿وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُوا الكتاب لَتُبَيّننَّهُ لِلنَّاسِ﴾ قال : كان الله أمرهم أن يتبعوا النبي الأميّ. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في الآية قال : في التوراة والإنجيل أن الإسلام دين الله الذي افترضه على عباده، وأن محمداً رسول الله يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة، والإنجيل، فنبذوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في الآية قال : هم اليهود :﴿لَتُبَيّننَّهُ لِلنَّاسِ﴾ قال : محمداً ﷺ. وأخرج ابن جرير، عن السدي مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية قال : هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم، فمن علم علماً، فليعلمه للناس، وإياكم وكتمان العلم، فإن كتمان العلم هلكة. وأخرج ابن سعد عن الحسن قال : لولا الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم ما حدثتكم بكثير مما تسألون عنه. وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما ؛ أن مروان قال لبوابه : اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فقل : لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتي وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذباً ؛ لَنُعذَّبنّ أجمعون، فقال ابن عباس : ما لكم ولهذه الآية، إنما أنزلت في أهل الكتاب، ثم تلا :﴿وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُوا الكتاب﴾ الآية، قال ابن عباس : سألهم النبي ﷺ عن شيء، فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا، وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه.
وفي البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن أبي سعيد الخدري : أن رجالاً من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ فإذا قدم رسول الله ﷺ من الغزو اعتذروا إليه، وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت. وقد روي : أنها نزلت في فنحاص، وأشيع، وأشباههما. وروي أنها نزلت في اليهود. وأخرج مالك، وابن سعد، والطبراني، والبيهقي في الدلائل، عن محمد بن ثابت أن ثابت بن قيس قال : يا رسول الله لقد خشيت أن أكون قد هلكت قال :«لم ؟» قال : قد نهانا الله أن نحبّ أن نحمد بما لم نفعل، وأجدني أحبّ الحمد، ونهانا عن الخيلاء، وأجدني أحب الجمال، ونهانا أن نرفع أصواتنا فوق صوتك، وأنا رجل جهير الصوت، فقال :«يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميداً، وتقتل شهيداً، وتدخل الجنة ؟» فعاش حميداً، وقتل شهيداً يوم مسيلمة الكذاب. وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك في قوله :﴿بِمَفَازَةٍ﴾ قال بمنجاة. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد مثله.
| مَن لَمْ يَمُت غَبْطة يَمُتْ هَرَماً | المَوت كَأسٌ والمرءُ ذَائِقُها |
وفي البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن أبي سعيد الخدري : أن رجالاً من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ فإذا قدم رسول الله ﷺ من الغزو اعتذروا إليه، وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت. وقد روي : أنها نزلت في فنحاص، وأشيع، وأشباههما. وروي أنها نزلت في اليهود. وأخرج مالك، وابن سعد، والطبراني، والبيهقي في الدلائل، عن محمد بن ثابت أن ثابت بن قيس قال : يا رسول الله لقد خشيت أن أكون قد هلكت قال :«لم ؟» قال : قد نهانا الله أن نحبّ أن نحمد بما لم نفعل، وأجدني أحبّ الحمد، ونهانا عن الخيلاء، وأجدني أحب الجمال، ونهانا أن نرفع أصواتنا فوق صوتك، وأنا رجل جهير الصوت، فقال :«يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميداً، وتقتل شهيداً، وتدخل الجنة ؟» فعاش حميداً، وقتل شهيداً يوم مسيلمة الكذاب. وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك في قوله :﴿بِمَفَازَةٍ﴾ قال بمنجاة. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد مثله.