جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿كُلّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنّمَا تُوَفّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.
يعني بذلك تعالى ذكره : أن مصير هؤلاء المفترين على الله من اليهود المكذبين برسوله، الذين وصف صفتهم، وأخبر عن جراءتهم على ربهم، ومصير غيرهم من جميع خلقه تعالى ذكره، ومرجع جميعهم إليه، لأنه قد حتم الموت على جميعهم، فقال لنبيه ﷺ : لا يحزنك تكذيب من كذّبك يا محمد من هؤلاء اليهود وغيرهم، وافتراء من افترى عليّ، فقد كذّب قبلك رسل جاءوا من الآيات والحجج من أرسلوا إليه بمثل الذي جئت من أرسلت إليه، فلك فيهم أسوة تتعزّى بهم، ومصير من كذّبك، وافترى عليّ وغيرهم، ومرجعهم إليّ، فأوفي كل نفس منهم جزاء عمله يوم القيامة، كما قال جلّ ثناؤه :﴿وإنّمَا تُوَفّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يعني أجور أعمالكم إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ. ﴿فمنْ زُحزِحَ عن النارِ﴾، يقول : فمن نحي عن النار وأبعد منها، ﴿فقَدْ فازَ﴾ يقول : فقد نجا وظفر بحاجته، يقال منه : فاز فلان بطلبته يفوز فوزا ومفازا ومفازة : إذا ظفر بها.
وإنما معنى ذلك : فمن نُحّي عن النار فأبعد منها، وأدخل الجنة، فقد نجا وظفر بعظيم الكرامة. ﴿وَما الحَياةُ الدّنْيا إلاّ مَتاعُ الغُرُورِ﴾ يقول : وما لذات الدنيا وشهواتها، وما فيها من زينتها وزخارفها، إلا متاع الغرور، يقول : إلا متعة يمتعك موها الغرور والخداع المضمحل، الذي لا حقيقة له عند الامتحان، ولا صحة له عند الاختبار، فأنتم تلتذّون بما متعكم الغرور من دنياكم، ثم هو عائد عليكم بالفجائع والمصائب والمكاره، يقول تعالى ذكره : لا تركنوا إلى الدنيا فتسكنوا إليها، فإنما أنتم منها في غرور تمتعون، ثم أنتم عنها بعد قليل راحلون. وقد رُوي في تأويل ذلك ما :
حدثني به المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا جرير، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن عبد الرحمن بن سابط في قوله :﴿وَما الحَياةُ الدّنيْا إلاّ مَتاعٌ الغُرُورِ﴾ قال : كزاد الراعي، تزوده الكف من التمر، أو الشيء من الدقيق، أو الشيء يشرب عليه اللبن.
فكأن ابن سابط ذهب في تأويله هذا إلى أن معنى الآية : وما الحياة الدنيا إلا متاع قليل، لا يبلغ من تمتعه ولا يكفيه لسفره.
وهذا التأويل وإن كان وجها من وجوه التأويل، فإن الصحيح من القول فيه هو ما قلنا، لأن الغرور إنما هو الخداع في كلام العرب، وإذ كان ذلك كذلك فلا وجه لصرفه إلى معنى القلة، لأن الشيء قد يكون قليلاً وصاحبه منه في غير خداع ولا غرور¹ وأما الذي هو في غرور فلا القليل يصح له ولا الكثير مما هو منه في غرور. والغرور مصدر من قول القائل : غرني فلان، فهو يغرني غرورا بضم الغين¹ وأما إذا فتحت الغين من الغرور فهو صفة للشيطان الغرور الذي يغر ابن آدم حتى يدخله من معصية الله فيما يستوجب به عقوبته. وقد :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عبدة وعبد الرحيم، قالا : حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو وسلمة، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله ﷺ :«مَوْضعُ سَوْطٍ فِي الجَنّة خَيْرٌ مِنَ الدّنْيا وَما فِيها، وَاقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿وَما الحَياةُ الدّنيْا إلاّ مَتاعُ الغرُورِ﴾ ».
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: أن مصير هؤلاء المفترين على الله من اليهود، المكذبين برسوله، الذين وصف صفتهم، وأخبر عن جراءتهم على ربهم= ومصير غيرهم من جميع خلقه تعالى ذكره، ومرجع جميعهم، إليه. لأنه قد حَتم الموت على جميعهم، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا يحزنك تكذيبُ من كذبك، يا محمد، من هؤلاء اليهود وغيرهم، وافتراء من افترى عليَّ، فقد كُذِّب قبلك رسلٌ جاءوا من الآيات والحجج من أرسلوا إليه، بمثل الذي جئتَ من أرسلت إليه، فلك فيهم أسوة تتعزى بهم، ومصيرُ من كذَّبك وافترى عليّ وغيرهم ومرجعهم إليّ، فأوفّي كل نفس منهم جزاء عمله يوم القيامة، كما قال جل ثناؤه:"وإنما توفَّون أجوركم يوم القيامة"، يعني: أجور أعمالكم، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشر="فمن زحزح عن النار"، يقول: فمن نُحِّي عن النار وأبعد منها (١) ="فقد فاز"، يقول: فقد نجا وظفر بحاجته.
* * *
يقال منه:"فاز فلان بطلبته، يفوز فوزًا ومفازًا ومفازة"، إذا ظفر بها.
* * *
وإنما معنى ذلك: فمن نُحِّي عن النار فأبعد منها وأدخل الجنة، فقد نجا وظفر بعظيم الكرامة="وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور"، يقول: وما لذّات الدنيا وشهواتها وما فيها من زينتها وزخارفها="إلا متاع الغرور"، يقول: إلا متعة
* * *
وقد روي في تأويل ذلك ما:-
٨٣١٤ - حدثني به المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن عبد الرحمن بن سابط في قوله:"وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور"، قال: كزاد الراعي، تزوِّده الكفّ من التمر، أو الشيء من الدقيق، أو الشيء يشرب عليه اللبن.
* * *
فكأن ابن سابط ذهب في تأويله هذا، إلى أن معنى الآية: وما الحياة الدنيا إلا متاعٌ قليلٌ، لا يُبلِّغ مَنْ تمتعه ولا يكفيه لسفره. وهذا التأويل، وإن كان وجهًا من وجوه التأويل، فإن الصحيح من القول فيه هو ما قلنا. لأن"الغرور" إنما هو الخداع في كلام العرب. وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجه لصرفه إلى معنى القلة، لأن الشيء قد يكون قليلا وصاحبه منه في غير خداع ولا غرور. وأما الذي هو في غرور، فلا القليل يصح له ولا الكثير مما هو منه في غرور.
* * *
و"الغرور" مصدر من قول القائل:"غرني فلان فهو يغرُّني غرورًا" بضم"الغين". وأما إذا فتحت"الغين" من"الغرور"، فهو صفة للشيطان الغَرور، الذي يغر ابن آدم حتى يدخله من معصية الله فيما يستوجب به عقوبته.
* * *
وقد:
٨٣١٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبدة وعبد الرحيم قالا حدثنا