المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
هذا خبر واعظ فيه تسلية للنبي عليه السلام ولأمته عن أمر الدنيا وأهلها، ووعد في الآخرة، فبالفكرة في الموت يهون أمر الكفار وتكذيبهم، والمعنى : كل نفس مخلوقة حية، والذوق هنا : استعارة ﴿وإنما﴾ حاصرة على التوفية التي هي على الكمال، لأن من قضي له بالجنة فهو ما لم يدخلها غير موفى، وخص تعالى ذكر «الأجور » لشرفها وإشارة مغفرته لمحمد ﷺ وأمته، ولا محالة أن المعنى : أن يوم القيامة تقع توفية الأجور وتوفية العقاب، و ﴿زحزح﴾ معناه : أبعد، والمكان الزحزح : البعيد، وفاز معناه : نجا من خطره وخوفه، و ﴿الغرور﴾، الخدع والترجية بالباطل، والحياة الدنيا وكل ما فيها من الأموال فهي متاع قليل تخدع المرء وتمنيه الأباطيل وعلى هذا فسر الآية جمهور من المفسرين، قال عبد الرحمن بن سابط :﴿متاع الغرور﴾ كزاد الراعي يزود الكف من التمر أو الشيء من الدقيق يشرب عليه اللبن، قال الطبري : ذهب إلى أن متاع الدنيا قليل لا يكفي من تمتع به ولا يبلغه سفره.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : و ﴿الغرور﴾ في هذا المعنى مستعمل في كلام العرب، ومنه قولهم في المثل : عش ولا تغتر(١)، أي لا تجتزىء بما لا يكفيك، وقال عكرمة :﴿متاع الغرور﴾، القوارير أي لا بد لها من الانكسار والفساد، فكذلك أمر الحياة الدنيا كله.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه :
وهذا تشبيه من عكرمة، وقرأ عبد الله بن عمير(٢) «الغَرور » بفتح الغين، وقرأ أبو حيوة والأعمش :﴿ذائقة﴾ بالتنوين ﴿الموت﴾ بالنصب، وقال النبي ﷺ، «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها »(٣)، ثم تلا هذه الآية.
١ - هذا مثل يضرب للاحتياط؛ والأخذ بالثقة في الأمور، وكأنما يقال للراعي: عش إبلك من هذا العشب الحاضر ولا تغتر بالغائب فيفوتك، (جمهرة العسكري٢/٤٦، والميداني ١/٣١١، والمستقصى: ٢٤٢، واللسان: عشا)..
٢ - الذي في القرطبي، والبحر، والنهاية لابن الجزري هو عبد الله بن عمر، ولعله هو عبد الله بن عمر بن أحمد بن شوذب الواسطي مقرئ متصدر. "النهاية لابن الجزري ١/٤٣٧..
٣ - أخرجه ابن أبي شيبة، وهناد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن حبان، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه-عن أبي هريرة، كما أخرجه ابن مردويه- عن سهل بن سعد مرفوعا. "فتح القدير للشوكاني٢/ ٣٧٤". "والدر المنثور ٢/١٠٧". وذكر له ابن كثير عدة طرق غير هذه ١/٤٣٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى