اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
وهذه الآية زيادة في تَسْلية الرسول ﷺ لأنه بَيَّن له أنّ الكفار بعد أن آذَوُا الرسولَ ﷺ والمسلمين يومَ أحُدٍ، فسيؤذونهم - أيضاً - في المستقبل في النفسِ والمالِ.
والمرادُ منه أن يُوَطِّنوا أنفسَهم على الصْبر ؛ فإن العالم بنزول البلاء عليه لا يعظم وَقْعه في قَلْبِهِ بخلاف غيرِ العالم فإنه يعظم عنده ويَشُقُّ عَلَيْهِ.
قوله :﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ هذا جوابُ قَسَم محذوف، تقديره : والله لَتُبْلَوُنَّ، وهذه الواو هي واو الضمير، والواو التي هي لام الكلمة حُذِفَتْ لأمر تصريفيِّ، وذلك أن أصله : لَتُبْلَوُونَنَّ، فالنون الأولى للرفع، حُذِفَتْ لأجل نونِ التوكيد، وتحرَّكَت الواوُ [ الأولى ](١) - التي هي لامُ الكلمةِ - وانفتح ما قبلَهَا، فقُلِبَتْ ألفاً، فالتقى ساكنان - الألف وواو الضمير - فحُذِفَتْ الألف ؛ لئلا يلتقيا، وضُمَّتْ الواو ؛ دلالةً على المحذوف.
وإنْ شئت قلتَ : استُثْقِلَتْ الضمةُ على الواو الأولى، فحُذِفَت، فالتقى ساكنان، فحُذِفَتْ الواوُ الأولى وحُرِّكت الثانيةُ بحركة مجانسةٍ، دلالةً على المحذوف. ولا يجوز قَلْبُ مثل هذه الواوِ همزةً ؛ [ لأن حركتها عارضةٌ ](٢) ولذلك لم [ تُقلَب ](٣) ألِفاً، وإن تحرَّكَتْ وانفتح ما قبلَها.
ويقال للواحدِ من المذكَّر : لتُبْلَوَنَّ يا رجلُ وللاثنين : لتبليانِّ يا رجلانِ، ولجماعة الرجال : لتبلوُنَّ.
وأصل " لَتسْمعنَّ " : لَتَسْمَعُونَنَّ، ففعل فيه ما تقدم، إلا أن هنا حُذِفَتْ واوُ الضمير ؛ لأن قَبْلَهَا حَرْفاً صحيحاً.

فصل في المراد بالابتلاء


معنى الابتلاء : الاختبار وطلب المعرفةِ، ومعناه في وَصْف الله تعالى به معاملةُ العبد معاملةَ المختبر، واختلفوا في هذا الابتلاء، فقيل : المراد ما نالهم من الشدة والفَقْرِ والقتل والجرح من الكفار، ومن حيثُ أُلزموا الصبر في الجهاد.
وقيل : الابتلاء في الأموال بالمصائب، وبالإنفاق في سبيل اللَّهِ وسائر تكاليف الشَّرْع، والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض وفَقْد الأحْباب. وبدأ بذكر الأموال لكثرة المصائب بها.
وقال الحسنُ : التكاليفُ الشديدَةُ المتعلقة بالدينِ والمالِ، كالصلاة والزكاة والجهاد.
وقال القاضي : والظاهرُ يحتمل الكُلَّ.
قوله :﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً﴾ المرادُ منه أنواع الأذى الحاصلة من اليهود والنصارَى والمشركين للمسلمين، وذلك أنهم كانوا يقولون :﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ و﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ و " ثالث ثلاثة " وكانوا يطعنون في الرسول بكل ما يقدرون عليه، وهجاه كعبُ بن الأشرفِ، وكانوا يُحَرِّضون النَاس على مخالفة الرسول، ويجمعون الناس لمحاربته، ويُثَبّطون المسلمين عن نُصْرَتِه، ثم قال :﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾.
قال المفسّرونَ :" بَعَثَ رسول الله ﷺ أبا بكر إلى فنحاص اليهوديِّ، يستمده، فقال فنحاصٌ : قد احتاج ربكم إلى أن نمده فَهَمَّ أبو بكر أن يَضْرِبَه بالسيف، وكان ﷺ قال له - حين أرسله(٤) - : لا تغلبن على شيء حتى ترجع إليَّ، فتذكَّر أبو بكر ذلك، وكفَّ عن الضرب "
فنزلت الآية.

فصل


في الآية تأويلان :
أحدهما : أن المرادَ منه أمر الرسول ﷺ بالمصابرة على الابتلاء في النفسِ والمالِ، وتحمُّلِ الأذَى، وتَرك المعارضة والمقابلة، وذلك لأنه أقرب إلى دخول المُخالف في الدين، كقوله تعالى :﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾
[طه: ٤٤] وقوله :﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ﴾ [الجاثية: ١٤] وقوله :﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ وقوله :﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وقوله :﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤].
قال الواحديُّ : كان هذا قَبلَ نزولِ آية السيف.
قال القفّالُ : والذي عندي أنّ هذا ليس بمنسوخ، والظاهر أنها نزلت عقب قصة أحُدٍ، والمعنى : أنهم أمِرُوا بالصَّبر على ما يؤذون به الرسولَ ﷺ على طريقِ الأقوالِ الجارية فيما بينهم، واستعمال مداراتهم في كثير من الأحوالِ، والأمر بالقتالِ لا ينافي الأمر بالمُصابرة.
التأويل الثاني : أن يكونَ المرادُ من الصَّبرِ والتقوى : الصبر على مجاهدة الكفار ومنابذتهم والإنكار عليهم. فالصبرُ عبارة عن احتمال الأذى والمكروه، والتقوى عبارة عن الاحتراز عما لا ينبغي. وقوله :﴿فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أي : من صواب التدبير والرشدِ الذي ينبغي لكل عاقلٍ أن يُقْدِمَ عليه.
وقيل :﴿مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أي : من حق الأمورِ وخَيرها.
وقال عطاءٌ : من حقيقة الإيمان.
١ سقط في أ..
٢ في أ: لأنها حركة عارضة..
٣ في أ: تثبت..
٤ في أ: بعثه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى