البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿لتبلونّ في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً﴾ قيل : نزلت في قصة عبد الله بن أبي حين قال لرسول الله ﷺ وقد قرأ عليهم الرسول القرآن : إنْ كان حقاً فلا تؤذنا به في مجالسنا.
وردّ عليه ابن رواحة فقال : اغشنا به في مجالسنا يا رسول الله.
وتسابَّ المسلمون والمشركون واليهود.
وقيل : فيما جرى بين أبي بكر وفنحاص.
وقيل : في كعب بن الأشرف كان يحرّض المشركين على الرسول وأصحابه في شعره، وأعلمهم تعالى بهذا الابتلاء والسماع ليكونوا أحمل لما يرد عليهم من ذلك، إذا سبق الإخبار به بخلاف من يأتيه الأمر فجأة فاته يكثر تألمه.
والآية مسوقة في ذمّ أهل الكتاب وغيرهم من المشركين، فناسبت ما قبلها من الآيات التي جاءت في ذم أهل الكتاب وغيرهم من المشركين.
والظاهر في قوله : لتبلون أنهم المؤمنون.
وقال عطاء : المهاجرون، أخذ المشركون رباعهم فباعوها، وأموالهم فنهبوها.
وقيل : الابتلاء في الأموال هو ما أصيبوا به من نهب أموالهم وعددهم يوم أحد.
والظاهر أنّ هذا خطاب للمؤمنين بما سيقع من الامتحان في الأموال، بما يقع فيها من المصائب والذهاب والإنفاق في سبيل الله وفي تكاليف الشرع، والابتلاء في النفس بالشهوات أو الفروض البدنية أو الأمراض، أو فقد الأقارب والعشائر، أو بالقتل والجراحات والأسر، وأنواع المخاوف أقوال.
وقدم الأموال على الأنفس على سبيل الترقي إلى الأشرف، أو على سبيل الكثرة.
لأنّ الرّزايا في الأموال أكثر من الرّزايا في الأنفس.
والأذى : اسم جامع في معنى الضرر، ويشمل أقوالهم في الرسول وأصحابه، وفي الله تعالى وأنبيائه.
والمطاعن في الدين وتخطئة من آمن، وهجاء كعب وتشبيه بنساء المؤمنين.
﴿وإن تصبروا﴾ على ذلك الابتلاء وذلك السماع.
﴿وتتقوا فإن ذلك﴾ أي فإن الصبر والتقوى.
﴿من عزم الأمور﴾ قيل : من أشدها وأحسنها.
والعزم : إمضاء الأمر المروّى المنقح.
وقال النقاش : العزم و الحزم بمعنى واحد، الحاء مبدلة من العين.
قال ابن عطية : وهذا خطأ.
الحزم جودة النظر في الأمر، ونتيجته الحذر من الخطأ فيه.
والعزم قصد الإمضاء، والله تعالى يقول :﴿وشاورهم في الأمر فإذا عزمت﴾ فالمشاورة وما كان في معناها هو الجزم.
والعرب تقول : قد أحزم لو أعزم.
وقال الزمخشري : من عزم الأمور من معزومات الأمور.
أي : مما يجب عليه العزم من الأمور.
أو مما عزم الله أن يكون، يعني : أن ذلك عزمة من عزمات الله لا بد لكم أن تصبروا وتتقوا.
وقيل : من عزم الأمور من جدها.
وقال مجاهد في قوله : فإذا عزم الأمر، أي فإذا وجد الأمر

تفسير هذه الآية من كتب أخرى