غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿ولا يحزنك﴾ من الأفعال حيث كان إلا قوله :﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾[الأنبياء: ١٠٣] نافع ومثله ﴿ليحزنني﴾[يوسف: ١٣] و﴿ليحزن الذين آمنوا﴾[المجادلة: ١٠] وقرأ يزيد على ضده. الباقون : بفتح الياء وضم الراء. ولا خلاف في مثل ﴿يحزنون﴾[البقرة: ٣٨] و﴿لا تحزن﴾[الحجر: ٨٨] مما هو لازم. ﴿ولا يحسبن﴾ وثلاثة بعدها بالياء التحتانية مع ضم الباء في ﴿تحسبنهم﴾ أبو عمرو وابن كثير، وقرأ حمزة كلها بتاء الخطاب، وقرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب كلها بالتحتانية إلا قوله :﴿فلا تحسبنهم﴾ فإنها بالتاء وفتح الباء. الباقون : الأولياء على الغيبة والأخريان بالخطاب. ﴿يميز﴾ بالتشديد حيث كان : حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب عياش مخير. الباقون : خفيف بفتح الياء وكسر الميم. ﴿يعملون خبير﴾ بياء الغيبة : ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو ﴿لقد سمع﴾ وبابه مدغماً : أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام. ﴿سيكتب﴾ بضم الياء وفتح التاء ﴿وقتلهم﴾ برفع اللام و ﴿يقول﴾ على الغيبة : حمزة الباقون : بالنون فيهما على التكلم. ونصب اللام في ﴿وقتلهم﴾ ﴿وبالزبر﴾ ابن عامر ﴿وبالكتاب﴾ الحلواني عن هشام. الباقون : بغير إعادة الخافض فيهما. ﴿زحزح عن﴾ مدغماً : شجاع وأبو شعيب من طريق العطار وابن مهران ﴿ليبيننه﴾ ﴿ولا يكتمونه﴾ بالياء فيهما لأنهم غيب : ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب غير رويس وأبو بكر وحماد. الباقون : بتاء الخطاب فيهما على حكاية مخاطبتهم.
الوقوف :﴿في الكفر﴾ ج للابتداء بأن ولاحتمال إضمار اللام أو الفاء ﴿شيئاً﴾ ط ﴿في الآخرة﴾ ج لعطف المختلفين مع اتحاد مقصود الكلام ﴿عظيم﴾ ه ﴿شيئاً﴾ ج لما ذكر ﴿في الآخرة﴾ ط ﴿أليم﴾ ه ﴿لأنفسهم﴾ ط ﴿إثما﴾ ج لما ذكر أياَ ﴿مهين﴾ ه ﴿من الطيب﴾ ط ﴿ورسله﴾ ط ﴿عظيم﴾ ه ﴿خيراً لهم﴾ ط ﴿شراً لهم﴾ ط ﴿القيامة﴾ ط ﴿والأرض﴾ ط ﴿خبير﴾ ه ﴿أغنياء﴾ م لئلا يصير ما بعده من مقولهم، ومن قرأ بضم الياء فوقفه مطلق. ﴿بغير حق﴾ ج لمن قرأ ﴿ويقول﴾ بالياء لأن التقدير : ويقول الله أو يقول الزبانية فلا ينعطف على قوله :﴿سيكتب﴾ مع اتساق المعنى. ﴿الحريق﴾ ه ﴿للعبيد﴾ ج ه لاحتمال الصفة وأن يكون المراد هم الذين، والوقف أولى لأنه لا يظلم العبيد مطلقاً لا العبيد الموصوفة. نعم لو كان بدلاً من الذين قالوا إن الله فقير صح ﴿تأكله النار﴾ ط ﴿صادقين﴾ ه ﴿المنير﴾ ه ﴿الموت﴾ ط ﴿يوم القيامة﴾ ط لابتداء شرط في أمر معظم. ﴿فقد فاز﴾ ط ﴿الغرور﴾ ه ﴿كثيراً﴾ ط ﴿الأمور﴾ ه ﴿ولا تكتمونه﴾ ز لأن الجملتين وان اتفقتا لم يكن النبذ متصلاً بأخذ الميثاق فلم يضف إلى ظرف " إذ " ﴿قليلاً﴾ ط ﴿يشترون﴾ ه ﴿من العذاب﴾ ج لما ذكر. ﴿أليم﴾ ه ﴿والأرض﴾ ط ﴿قدير﴾ ه.
﴿لتبلون في أموالكم﴾ اللام جواب القسم المقدر، والنون دخلت مؤكدة، وضمت الواو للساكنين ولما كان يجب لما قبلها من الضم. والمراد ما نالهم من الفقر والضر والقتل والجرح، والتكاليف الشاقة البدينة والمالية من الصلاة والزكاة والصوم والجهاد، والذي كانوا يسمعونه من الكفرة كالطعن في الدين الحنيف وأهليه، وإغراء المخالفين وتحريضهم عليهم وإغواء المنافقين وتنفيرهم عنهم ﴿وإن تصبروا﴾ على ما ابتلاكم الله به ﴿وتتقوا﴾ المخالفة أو تصبروا على أداء الواجبات وتتقوا ارتكاب المحظورات ﴿فإن ذلك﴾ الصبر والتقوى ﴿من عزم الأمور﴾ من معزوماتها الذي لا يترخص العاقل في تركه لكونه حميد العاقبة بين الصواب، أو هو من عزائم الله ومما ألزمكم الأخذ به. قال الواحدي : كان هذا قبل نزول آية القتال. وقال القفال : الظاهر أنها نزلت بعد قصة أحد فلا تكون منسوخة بآية السيف. والمراد الصبر على ما يؤذون به الرسول على طريق الأقوال الجارية فيما بينهم واستعمال مداراتهم من كثير من الأحوال. والأمر بالقتال لا ينافي الأمر بالمصابرة على هذا الوجه. عن كعب بن مالك أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً وكان يهجو النبي ﷺ ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان النبي ﷺ قدم المدينة وأهلها أخلاط - المسلمون والمشركون واليهود - فأراد النبي ﷺ أن يستصلحهم كلهم. فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى، فأمر الله نبيه بالصبر على ذلك فنزلت الآية. روي أن رسول الله ﷺ ركب على حمار وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن خزرج قبل وقعة بدر حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي وذلك قبل أن يسلم عبد الله. فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة. فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال : لا تغبروا علينا. فسلم رسول الله ﷺ ثم وقف. فنزل ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن. فقال عبد الله بن أبي : أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجالسنا. ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه. فقال عبد الله بن رواحة : بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك. فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون.
فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم حتى سكنوا. ثم ركب النبي ﷺ دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له : يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب - يريد عبد الله بن أبي ؟ قال : كذا وكذا. فقال سعد بن عبادة : يا رسول الله اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي نزل عليك، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك فعفا عنه رسول الله ﷺ، وأنزل الله هذه الآية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿هو خيراً لهم بل هو شر لهم﴾ كل واحد من صفتي البخل والسخاء بمنزلة الإكسير حتى يجعل الخير شراً وبالعكس. ﴿سيطوّقون﴾ شبه بالطوق لأنه يحيط بالقلب ومنه ينشأ معظم الصفات الذميمة كالحرص والحسد والحقد والعداوة والكبر والغضب والبخل " حب الدنيا رأس كل خطيئة ". ﴿ولله ميراث السماوات والأرض﴾ الإنسان ورث الدنيا والآخرة أولئك هم الوارثون. والوارث إذا مات من غير وارث فميراثه لبيت المال. فالإشارة فيه أن من غلب عليه هذه الصفات ومات قلبه فقد بطل استعداد وراثته فميراثه لله ﴿إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ فيه أن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، فيعكس القضايا فيصف الرب بصفات العبد والعبد بصفات الرب وذلك لغلبة الصفات الذميمة واستيلاء سلطان الهوى والشيطان، فيقول تارة : أنا ربك الأعلى، وتارة إن الله فقير ونحن أغنياء.
﴿بقربان تأكله النار﴾ قالت يهود صفات النفس البهيمية والسبعية والشيطانية لا ننقاد لرسول أي لخاطر رحماني أو إلهام رباني حتى يأتينا بقربان هو الدنيا وما فيها يجعلها نسيكة لله عز وجل، تأكله نار الله الموقدة التي تقدح من زناد محبتهم، فإن كثيراً من الطالبين الصادقين يجعلون الدنيا وما فيها قرباناً لله فلا تأكله نار الله. قل يا وارد الحق ﴿قد جاءكم رسل من قبلي﴾ أي واردات الحق بالبينات بالحجج الباهرة ﴿وبالذي قلتم﴾ أي بجعل الدنيا قرباناً ﴿فلم قتلتموهم﴾ غلبتموهم ومحوتموهم حتى لم يبق أثر الواردات. ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ كلهم مستعدون للفناء في الله، ولا بد لها من موت. فمن كان موته بالأسباب تكون حياته بالأسباب، ومن كان فناؤه في الله يكون بقاؤه بالله. ﴿لتبلون﴾ بالجهاد الأكبر ﴿ولتسمعن﴾ من أهل العلم الظاهر ومن أهل الرياء ﴿أذى كثيراً﴾ بالغيبة والملامة والإنكار والاعتراض ﴿وإن تصبروا﴾ على جهاد النفس ﴿وتتقوا﴾ بالله عما سواه ﴿فإن ذلك من عزم الأمور﴾ أي من أمور أولي العزم ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾[الأحقاف: ٣٥] والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى