اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
في كيفية النظمِ وجهانِ :
أحدهما : أنه - تعالى - لما حكى عنهم الطَعْنَ في نبوَّتِهِ ﷺ وأجاب عن ذلك، بيَّن في هذه الآية التعجُّب من حالهم.
والمعنى : كيف يليق بكم الطعن في نبوَّته ﷺ وكتبكم ناطقة بأنه يجب عليكم ذِكْرُ الدلائل الدالة على صِدقه ونبوته ؟
ثانيهما : أنه لما أوجب عليه احتمال الأذَى من أهْل الكتاب - وكان من جُمْلَة أذاهم كتمانُ ما في التوراة والإنجيل من الدلائلِ الدالةِ على نبوَّتِه، وتحريفها - بيَّن أن هذا من تلك الجملةِ التي يجب فيها الصبر.
قوله :﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ هذا جواب لما تضمنه الميثاق من القسم. وقرأ أبو عمرو، وابن كثيرٍ، وأبو بكر بالياء، جرياً على الاسم الظاهر - وهو كالغائب - وحَسَّن ذلك قوله - بعده - :" فَنَبَذُوهُ " والباقون بالتاء(١) ؛ خطاباً على الحكاية، تقديره : وقلنا لهم، وهذا كقوله :﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ٨٣] بالتاء والياء كما تقدم تحريره.
قوله :﴿وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : واو الحال، والجملة بعدها نصب على الحال، أي : لتبينُنَّه غيرَ كاتمين. الثاني : أنها للعَطْف، والفعل بعدها مُقْسَم عليه - أيضاً - وإنما لم يُؤكَّدْ بالنون ؛ لأنه منفيّ، كما تقول : واللَّهِ لا يقومُ زيدٌ - من غير نون - وقال أبو البقاء :" ولم يأتِ بها في " تَكْتُمُونَ " اكتفاءً بالتوكيد في الأول ؛ لأن " تَكْتُمُونَهُ " توكيد ".
وظاهر عبارته أنه لو لم يكنْ بعد مؤكَّد بالنون لزم توكيده، وليس كذلك ؛ لما تقدم. وقوله : لأنه توكيدٌ، يعني أن نفي الكتمان فُهمَ من قوله :﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ فجاء قوله :﴿وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ توكيداً في المعنى.
واستحسن أبو حيَّان هذا الوجه - أعني : جَعْل الواو عاطفةً لا حاليةً - قال :" وهذا الوجه - عندي - أعْرَب وأفصح ؛ لأن الأول يحتاج إلى إضمار مبتدأ قبل " لا " حتى تصير الجملة اسمية في موضع الحال ؛ إذ المضارع المنفي ب " لا " لا تدخل عليه واوُ الحال ".
وغيره يقول : إنه يمتنع إذا كان مضارعاً مُثْبَتاً، فيُفهم من هذا أن المضارعَ المنفيَّ بكُلِّ نافٍ لا يمتنع دخولُها عليه.
وقرأ عبد الله(٢) : لَيُبَينونَه - من غير توكيد - قال ابنُ عطيَّة :" وقد لا تلزم هذه النونُ لامَ التوكيد قال سيبويه ".
والمعروفُ - من مذهب البصريين - لزومهما معاً، والكوفيون يجيزون تعاقُبَهما في سعَة الكلامَ.
وأنشدوا :[ الطويل ]
وَعَيْشِكِ - يا سَلْمَى - لأوقِنُ أنَّنِيلِمَا شِئْتِ مُسْتحْلٍ، وَلَوْ أنَّهُ الْقَتْلُ(٣)
وقال الآخرُ :[ المتقارب ]
يَمِيناً لأبْغَضُ كُلَّ امْرِئٍيُزَخْرِفُ قَوْلاً وَلاَ يَفْعَلُ(٤)
فأتى باللام وحدها. وقد تقدم تحقيقُ هذا.
وقرأ ابنُ عباس(٥) : ميثاق النبيين لتبيننه للناس، فالضمير في قوله :﴿فَنَبَذُوهُ﴾ يعود على ﴿النَّاسِ﴾ المبيَّن لهم ؛ لاستحالة عَوْدِهِ على النبيين، وكان قد تقدم في قوله تعالى :
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران: ٨١] أنه - في أحد الأوجه - على حذف مضاف، أي : أولاد النبيين، فلا بُعْدَ في تقديره هنا - أعني : قراءة ابن عباس -. والهاء في ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ قال سعيدُ بنُ جُبَيْر والسُّدِّيُّ تعود إلى محمد ﷺ وعلى هذا يكونُ الضميرُ عائداً إلى معلوم غير مذكور(٦).
وقال الحسنُ وقتادةُ : تعود على " الْكِتَابِ " أي : يبينون للناس ما في التوراة والإنجيل من الدلالة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم(٧).
فإن قيل : البيانُ يضادُّ الكتمان، فلما أمر بالبيان كان الأمر به نهْياًَ عن الكتمان فما الفائدة في ذِكْرِ النَّهي عن الكتمان ؟
فالجوابُ : أن المرادَ من البيان ذِكْرُ الآياتِ الدالةِ على نبوةِ محمد ﷺ من التوراةِ والإنجيل والمراد من النهي عن الكتمان أن لا يلقوا فيها التأويلات الفاسدة، والشبهات المعطلة.
قال قتادةُ : هذا ميثاقٌ أخذه الله على أهلِ العِلْم، فمَنْ عَلِمَ شيئاً فلْيُعَلِّمْه، وإياكم وكتمانَ العِلْم، فإنه هَلَكَه. قال ﷺ :" مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ ألْجِمَ يَوْمَ الْقِيامةِ بِلِجَامٍ مِنْ نارٍ ".
قوله :﴿فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ طرحوه، وضيَّعوه، ولم يُراعوه، ولم يلتفتوا إليه. والنبذ وراء الظهر مثَل للطَّرْح، ونقيضه : جعله نُصْبَ عينيه.
وقوله :﴿وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ معناه : أنهم أخفوا الحقَّ ؛ ليتوسلوا بذلك إلى وجدان شيء من الدنيا، ثم قال :﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾.
١ انظر: السبعة ٢٢١، والحجة ٣/١١٦، وحجة القراءات ١٨٥، والعنوان ٨٢، وإعراب القراءات ١/١٢٥، وشرح الطيبة ٤/١٨٢، وشرح شعلة ٣٢٩، وإتحاف ١/٤٩٧..
٢ انظر: المحرر الوجيز ١/٥٥١، والبحر المحيط ٣/١٤٢، والدر المصون ٢/٢٧٩..
٣ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٤٢، والدر المصون ٢/٢٧٩..
٤ ينظر البيت في أوضح المسالك ٤/٩٥، وشرح الأشموني ٢/٤٩٦، وشرح التصريح ٢/٢٠٣، والمقاصد النحوية ٤/٣٣٨، والبحر المحيط ٣/١٤٢، والدر المصون ٢/٢٧٩..
٥ انظر: المحرر الوجيز ١/٥٥١، والبحر المحيط ٣/١٤٣، والدر المصون ٢/٢٧٩..
٦ ذكره الرازي في "تفسيره" (٩/١٠٦)..
٧ ينظر المصدر السابق..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى