جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيّنُنّهُ لِلنّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾.
يعني بذلك تعالى ذكره : واذكر أيضا من هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم يا محمد إذ أخذ الله ميثاقهم، ليبيننّ للناس أمرك الذي أخذ ميثاقهم على بيانه للناس في كتابهم الذي في أيديهم، وهو التوراة والإنجيل، وأنك لله رسول مرسل بالحقّ، ولا يكتمونه، ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ يقول : فتركوا أمر الله وضيعوه، ونقضوا ميثاقه الذي أخذ عليهم بذلك، فكتموا أمرك، وكذبوا بك، ﴿واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنا قَلِيلاً﴾ يقول : وابتاعوا بكتمانهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوّتك، عوضا منه، خسيسا قليلاً من عرض الدنيا. ثم ذمّ جلّ ثناؤه شراءهم ما اشتروا به من ذلك، فقال :﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾.
واختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية، فقال بعضهم : عني بها اليهود خاصة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يونس بن بكير، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، قال : ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أنه حدثه، عن ابن عباس :«وَإذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيُبَيّنُنّهُ للنّاسِ وَلا يَكْتُمُونَهُ } إلى قوله :﴿عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ يعني : فنحاص وأشيع وأشباههما من الأحبار.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس، مثله.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :«وَإذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيُبَيّنُنّهُ للنّاسِ وَلا يَكْتُمُونَه فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهورِهِمْ » كان أمرهم أن يتبعوا النبيّ الأميّ الذي يؤمن بالله وكلماته، وقال :﴿اتّبِعُوهُ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. فلما بعث الله محمدا ﷺ قال :﴿أوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ عاهدهم على ذلك، فقال حين بعث محمدا : صدّقوه، وتلقون الذي أحببتم عندي.
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :«وَإذْ أخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيُبَيّنُنّهُ للنّاسِ ». . الاَية، قال : إن الله أخذ ميثاق اليهود ليبيننه للناس محمدا ﷺ، ولا يكتمونه، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنا قليلاً.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن أبي الجحاف، عن مسلم البطين، قال : سأل الحجاج بن يوسف جلساءه عن هذه الاَية :﴿وَإذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ الّذِينَ أوتوا الكِتابَ﴾ فقام رجل إلى سعيد بن جبير فسأله، فقال : وإذ أخذ الله ميثاق أهل الكتاب يهود، «لَيُبَيّنُنّهُ للنّاسِ » محمدا ﷺ ولا يكتمونه، فنبذوه.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله :«وَإذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ليُبَيّنُنّهُ للنّاسِ وَلا يَكْتُمُونَهُ » قال : وكان فيه إن الإسلام دين الله الذي افترضه على عباده، وإن محمدا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل.
وقال آخرون : عني بذلك كلّ من أوتي علما بأمر الدين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :«وَإذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيُبَيّنُنّهُ للنّاسِ وَلا يَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ». . . الاَية، هذا ميثاق أخذ الله على أهل العلم، فمن علم شيئا فليعلمه وإياكم، وكتمان العلم، فإن كتمان العلم هلكة، ولا يتكلفنّ رجل ما لا علم له به، فيخرج من دين الله، فيكون من المتكلفين، كان يقال : مثل علم لا يقال به : كمثل كنز لا ينفق منه، ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب. وكان يقال : طوبى لعالم ناطق، وطوبى لمستمع واع. هذا رجل علم علما فعلمه وبذله ودعا إليه، ورجل سمع خيرا فحفظه ووعاه، وانتفع به.
حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي عبيدة، قال : جاء رجل إلى قوم في المسجد وفيه عبد الله بن مسعود فقال : إن أخاكم كعبا يقرئكم السلام، ويبشركم أن هذه الاَية ليس فيكم :«وَإذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيُبَيّنُنّهُ للنّاسِ وَلا يَكْتُمُونَهُ » فقال له عبد الله : وأنت فأقرئه السلام، وأخبره أنها نزلت وهو يهودي.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة بنحوه، عن عبد الله وكعب.
وقال آخرون : معنى ذلك : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال : ثني يحيى بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، قال : قلت لابن عباس : إن أصحاب عبد الله يقرءون :«وَإذْ أخَذَ رَبّكَ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِيثاقَهُمْ » قال : من النبيين على قومهم.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا قبيصة، قال : حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد، قال : قلت لابن عباس : إن أصحاب عبد الله يقرءون ﴿وَإذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ :«وَإذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النّبِيّين » قال : فقال : أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وأما قوله :«لَيُبَيّنُنّهُ للنّاسِ ». فإنه كما :
حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال : ثني أبي، قال : حدثنا محمد بن ذكوان، قال : حدثنا أبو نعامة السعدي، قال : كان الحسن يفسر قوله :«وَإذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيُبَيّنُنّهُ للنّاسِ وَلا يَكْتُمُونَهُ » ليتكلمن بالحق وليصدقنه بالعمل.
واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم :﴿لَتُبَيّنُنّهُ للنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ بالتاء، وهي قراءة عُظْم قراء أهل المدينة والكوفة على وجه المخاطب، بمعنى : قال لهم : لتبيننه للناس ولا تكتمونه وقرأ ذلك آخرون :«لَيُبَيّنُنّهُ للنّاسِ وَلا يَكْتُمُونَهُ » بالياء جميعا على وجه الخبر عن الغائب، لأنهم في قوت إخبار الله نبيه ﷺ بذلك عنهم كانوا غير موجودين، فصار الخبر عنهم كالخبر عن الغائب. والقول في ذلك عندنا : أنهما قراءتان صحيحة وجوههما، مستفيضتان في قراءة الإسلام، غير مختلفتي المعاني، فبأيتهما قرأ القارئ فقد أصاب الحق والصواب في ذلك. غير أن الأمر في ذلك وإن كان كذلك، فإن أحب القراءتين إليّ أن أقرأ بها :«لَيُبَيّنُنّهُ للنّاسِ وَلا يَكْتُمُونَهُ » بالياء جميعا استدلالاً بقوله :﴿فَنَبَذُوهُ﴾ أنه إذا كان قد خرج مخرج الخبر عن الغائب على سبيل قوله :﴿فَنَبَذُوهُ﴾ حتى يكون متسقا كله على معنى واحد ومثال واحد، ولو كان الأول بمعنى الخطاب لكان أن يقال : فنبذتموه وراء ظهوركم، أولى من أن يقال : فنبذوه وراء ظهورهم.
وأما قوله :﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ فإنه مثل لتضييعهم القيام بالميثاق، وتركهم العمل به.
وقد بينا المعنى الذي من أجله قبل ذلك كذلك فيما مضى من كتابنا هذا، فكرهنا إعادته.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : أخبرنا يحيى بن أيوب البجلي، عن الشعبي في قوله :﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ قال : إنهم قد كانوا يقرءونه إنما نبذوا العمل به.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج :﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ قال : نبذوا الميثاق.
حدثني محمد بن سنان، قال : حدثنا عثمان بن عمر، قال : حدثنا مالك بن مغول، قال : نبئت عن الشعبي في هذه الاَية :﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ قال : قذفوه بين أيديهم، وتركوا العمل به.
وأما قوله :﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنا قَلِيلاً﴾ فإن معناه ما قلنا من أخذهم ما أخذوا على كتمانهم الحق وتحريفهم الكتاب. كما :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنا قَلِيلاً﴾ أخذوا طمعا، وكتموا اسم محمد ﷺ.
وقوله :﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ يقول : فبئس الشراء يشترون في تضييعهم الميثاق وتبديلهم الكتاب. كما :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ قال : تبديل اليهود التوراة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: واذكر أيضا من [أمر] هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم، يا محمد، (١) إذ أخذ الله ميثاقهم، ليبيننّ للناس أمرك الذي أخذ ميثاقهم على بيانه للناس في كتابهم الذي في أيديهم، وهو التوراة والإنجيل، وأنك لله رسول مرسل بالحق، ولا يكتمونه="فنبذوه وراء ظهورهم"، يقول:
* * *
واختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية.
فقال بعضهم: عني بها اليهود خاصّة.
* ذكر من قال ذلك:
٨٣١٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة: أنه حدثه، عن ابن عباس:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه" إلى قوله:"عذاب أليم"، يعني: فنحاص وأشيع وأشباههما من الأحبار.
٨٣١٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس مثله. (٤)
(٢) انظر تفسير"اشترى" فيما سلف ١: ٣١٢ - ٣١٥ / ٢: ٣٤٠ - ٣٤٢، ٤٥٥ / ٣: ٣٣٠ / ٤: ٢٤٦: ٦: ٥٢٧ / ٧: ٤٢٠.
وانظر تفسير"الثمن" فيما سلف ١: ٥٦٥ / ٣: ٣٢٨ / ٦: ٥٢٧ بولاق.
(٣) انظر بيان معنى"بئس" فيما سلف ٢: ٣٣٨ - ٣٤٠ / ٣: ٥٦.
(٤) الأثران: ٨٣١٨، ٨٣١٩ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٠٨، وهو تابع الأثر السالف رقم: ٨٣٠٠، ٨٣٠١.
٨٣٢١ - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس" الآية، قال: إن الله أخذ ميثاق اليهود ليبيننه للناس، محمدًا صلى الله عليه وسلم، ولا يكتمونه، ="فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلا".
٨٣٢٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي الجحّاف، عن مسلم البطين قال: سأل الحجاج بن يوسف جُلساءه عن هذه الآية:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب"، فقام رجل إلى سعيد بن جبير فسأله فقال:"وإذ أخذ الله ميثاق أهل الكتاب" يهود،"ليبيننه للناس"، محمدًا صلى الله عليه وسلم،"ولا يكتمونه فنبذوه".
٨٣٢٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه"، قال: وكان فيه إن الإسلام دين الله الذي افترضه على عباده، وأن محمدًا يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
* * *
وقال آخرون: عني بذلك كل من أوتي علمًا بأمر الدين.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٢٥ - حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة قال: جاء رجل إلى قوم في المسجد وفيه عبد الله بن مسعود فقال: إنّ أخاكم كعبًا يقرئكم السلام، ويبشركم أن هذه الآية ليست فيكم:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه". فقال له عبد الله: وأنت فأقره السلام وأخبرهُ أنها نزلت وهو يهوديّ.
٨٣٢٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة بنحوه، عن عبد الله وكعب.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٢٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان قال، حدثني يحيى بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن أصحاب عبد الله يقرأون: (" وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِيثَاقَهَمْ ")، قال: من النبيين على قومهم.
* * *
وأما قوله:"لتبيننه للناس"، فإنه كما:-
٨٣٢٩ - حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثني أبي قال، حدثنا محمد بن ذكوان قال، حدثنا أبو نعامة السعدي قال: كان الحسن يفسر قوله:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه"، لتتكلمن بالحق، ولتصدِّقنه بالعمل. (١)
* * *
قال أبو جعفر: واختلف القرأة في قراءة ذلك:
فقرأه بعضهم: (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) بالتاء. وهي قراءة عُظْم قرأة أهل المدينة والكوفة، (٢) على وجه المخاطب، بمعنى: قال الله لهم: لتُبيننّه للناس ولا تكتمونه.
* * *
وقرأ ذلك آخرون: (" لَيُبَيِّنَنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا يَكْتُمُونَهُ ") بالياء جميعًا، على وجه الخبر عن الغائب، لأنهم في وقت إخبار الله نبيه ﷺ بذلك عنهم، كانوا غير موجودين، فصار الخبر عنهم كالخبر عن الغائب.
* * *
(٢) في المطبوعة: "وهي قراءة أعظم قراء أهل المدينة..." وهو خطأ، صوابه من المخطوطة كما سلف عشرات من المرات. وعظم القوم: أكثرهم ومعظمهم.
* * *
وأما قوله:"فنبذوه وراء ظهورهم"، فإنه مثل لتضييعهم القيام بالميثاق وتركهم العمل به.
وقد بينا المعنى الذي من أجله قيل ذلك كذلك، فيما مضى من كتابنا هذا فكرهنا إعادته. (٢)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
٨٣٣٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا يحيى بن أيوب البَجَلي، عن الشعبي في قوله:"فنبذوه وراء ظهورهم"، قال: إنهم قد كانوا يقرأونه، إنما نبذوا العمل به.
٨٣٣١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن
(٢) انظر ما سلف ٢: ٤٠٤، وما سلف ص: ٤٥٩، تعليق: ١.
٨٣٣٢ - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا مالك بن مغول: قال، نبئت عن الشعبي في هذه الآية:"فنبذوه وراء ظهورهم"، قال: قذفوه بين أيديهم، وتركوا العمل به.
* * *
وأما قوله:"واشتروا به ثمنًا قليلا"، فإن معناه ما قلنا، من أخذهم ما أخذوا على كتمانهم الحق وتحريفهم الكتاب، (١) كما:-
٨٣٣٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"واشتروا به ثمنًا قليلا"، أخذوا طمعًا، وكتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم.
* * *
وقوله:"فبئس ما يشترون"، يقول: فبئس الشراء يشترون في تضييعهم الميثاق وتبديلهم الكتاب، كما:-
٨٣٣٤ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فبئس ما يشترون"، قال: تبديل اليهود التوراة.
* * *