البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيينه للناس ولا تكتمونه﴾ هم اليهود أخذ عليهم الميثاق في أمر الرسول ﷺ فكتموه ونبذوه قاله : ابن عباس، وابن جبير، والسدي، وابن جريج.
وقال قوم : هم اليهود والنصارى.
وقال الجمهور : هي عامة في كل من علمه الله علماً، وعلماء هذا الأمة داخلون في هذا الميثاق.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر : بالياء فيهما على الغيبة، إذ قبله الذين أوتوا الكتاب وبعده فنبذوه.
وقرأ باقي السبعة : بالتاء للخطاب، وهي كقوله :﴿لا تعبدون إلا الله﴾ قرئ بالتاء والياء، والظاهر عود الضمير إلى الكتاب.
وقيل : هو للنبي ﷺ.
وقيل : للميثاق.
وقيل : للإيمان بالرسول لقوله :
﴿لتؤمنن به ولتنصرنه﴾ وارتفاع ولا تكتمونه لكونه وقع حالاً، أي : غير كاتمين له وليس داخلاً في المقسم عليه.
قالوا وللحال لا للعطف، كقوله :﴿فاستقيما ولا تتبعانّ﴾ وقوله : ولا يسأل في قراءة من خفف النون ورفع اللام.
وقيل : الواو للعطف، وهو من جملة المقسم عليه.
ولمّا كان منفياً بلا لم يؤكد، تقول : والله لا يقوم زيد، فلا تدخله النون.
وهذا الوجه عندي أعرب وأفصح، لأن الأول يحتاج إلى إضمار مبتدأ، قبل لا، حتى تكون الجملة اسمية في موضع الحال، إذ المضارع المنفي بلا لا تدخل عليه واو الحال.
وقرأ عبد الله : ليبينونه بغير نون التوكيد.
قال ابن عطية : وقد لا تلزم هذه النون لام التوكيد، قاله : سيبويه انتهى.
وهذا ليس معروفاً من قول البصريين، بل تعاقب اللام والنون عندهم ضرورة.
والكوفيون يجيزون ذلك في سعة الكلام، فيجيزون : والله لا لأقوم، ووالله أقومن.
وقال الشاعر :
وعيشك يا سلمى لأوقن إننيلما شئت مستحل ولو أنه القتل
وقال آخر :
يميناً لأبغض كل امرىءيزخرف قولاً ولا يفعل
وقرأ ابن عباس : ميثاق النبيين لتبيننه للناس، فيعود الضمير في فنبذوه على الناس إذ يستحيل عوده على النبيين، أي : فنبذه الناس المبين لهم الميثاق، وتقدم تفسير معنى :﴿فنبذوه وراء ظهورهم﴾ في قوله :﴿نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم﴾
﴿واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون﴾ وتقدم تفسير مثل هذه الجملة.
والكلام في إعراب ما بعد بئس فأغنى عن الإعادة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والبديع :
الاستعارة : عبر بأخذ الميثاق عن التزامهم أحكام ما أنزل عليهم من التوراة والإنجيل، وبالنبذ وراء ظهورهم عن ترك عملهم بمقتضى تلك الأحكام، وباشتراء ثمن قليل عن ما تعوضوه من الحطام على كتم آيات الله، وبسماع المنادي إن كان القرآن عن ما تلقوه من الأمر والنهي والوعد والوعيد بالاستجابة عن قبول مسألتهم، وبانتفاء التضييع عن عدم مجازاته على يسير أعمالهم، وبالتقلب عن ضربهم في الأرض لطلب المكاسب، وبالمهاد عن المكان المستقر فيه، وبالنزل عما يعجل الله لهم في الجنة من الكرامة، وبالخشوع الذي هو تهدم المكان وتغير معالمه عن خضوعهم وتذللهم بين يديه، وبالسرعة التي هي حقيقة في المشي عن تعجيل كرامته.
قيل : ويحتمل أن يكون الحساب استعير للجزاء، كما استعير ﴿ولم أدر ما حسابيه﴾ لأن الكفار لا يقام لهم حساب كما قال تعالى :﴿فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾ والطباق في : لتبيينه للناس ولا تكتمونه، وفي السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، فالسماء جهة العلو والأرض جهة السفل، والليل عبارة عن الظلمة والنهار عبارة عن النور، وفي : قياماً وقعوداً ومن : ذكر أو أنثى.
والتكرار : في لا تحسبن فلا تحسبنهم، وفي : ربنا في خمسة مواضع، وفي : فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا إن كان المعنى واحداً وفي : ما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وفي : ثواباً وحسن لثواب.
والاختصاص في : لأولي الألباب، وفي : وما للظالمين من أنصار، وفي : توفنا مع الأبرار، وفي : ولا تحزنا يوم القيامة، وفي : وما عند الله خير للأبرار.
والتجنيس المماثل في : أن آمنوا فآمنا، وفي : عمل عامل منكم.
والمغاير في : منادياً ينادي.
والإشارة في : ما خلقت هذا باطلاً، والحذف في مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى