البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم﴾ نزلت في المنافقين كانوا يتخلفون عن رسول الله ﷺ في الغزو، فإذا جاء استعذروا له، فيظهر القبول ويستغفر لهم، ففضحهم الله بهذه الآية قاله : أبو سعيد الخدري وابن زيد وجماعة.
وقال كثير من المفسرين : نزلت في أحبار اليهود.
وأتى تكون بمعنى فعل، كقوله تعالى :﴿إنه كان وعده مأتياً﴾ أي مفعولاً.
فمعنى بما أتوا بما فعلوا، ويدل عليه قراءة أبى بما فعلوا.
وفي الذي فعلوه وفرحوا به أقوال : أحدها كتم ما سألهم عنه الرسول، وإخبارهم بغيره، وأروه أنهم قد أخبروه به واستحمدوا بذلك إليه قاله : ابن عباس.
الثاني ما أصابوا من الدنيا وأحبوا أن يقال : إنهم علماء قاله : ابن عباس أيضاً.
الثالث قولهم : نحن على دين ابراهيم، وكتمهم أمر الرسول قاله : ابن جبير.
الرابع كتبهم إلى اليهود يهود الأرض كلها أن محمداً ليس بنبي، فأثبتوا على دينكم، فاجتمعت كلمتهم على الكفر به.
وقالوا : نحن أهل الصوم والصلاة وأولياء الله قاله : الضحاك والسدي.
الخامس قول يهود خيبر للنبي ﷺ وأصحابه : نحن على دينكم، ونحن لكم ردء، وهم مستمسكون بضلالهم، وأرادوا أن يحمدهم بما لم يفعلوا قاله : قتادة.
السادس تجهيز اليهود جيشاً إلى النبي ﷺ وإنفاقهم على ذلك الجيش قاله : النخعي.
السابع إخبار جماعة من اليهود للمسلمين حين خرجوا من عند النبي ﷺ قد أخبرهم بأشياء عرفوها، فحمدهم المسلمون على ذلك، وأبطنوا خلاف ما أظهر، وأذكره الزجاج.
الثامن اتباع الناس لهم في تبديل تأويل التوراة، وأحبوا حمدهم إياهم على ذلك، ولم يفعلوا شيئاً نافعاً ولا صحيحاً قاله : مجاهد.
التاسع تخلف المنافقين عن الغزو وحلفهم للمسلمين أنهم يسرّون بنصرهم، وكانوا يحبون أن يقال أنهم في حكم المجاهدين قاله : أبو سعيد الخدري.
والأقوال السابقة غير هذا الأخير مبنية على أن الآية نزلت في اليهود.
قيل : ويجوز أن يكون شاملاً لكل من يأتي بحسنة فرح بها فرح إعجاب، ويحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بالديانة والزهد، وبما ليس فيه.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : لا يحسبن ولا يحسبنهم بالياء فيهما، ورفع باء يحسبنهم على إسناد يحسبن للذين، وخرجت هذه القراءة على وجهين : أحدهما ما قاله أبو عليّ : وهو أن لا يحسبن لم يقع على شيء، والذين رفع به.
وقد تجيء هذه الأفعال لغواً لا في حكم الجمل المفيدة نحو قوله :
وما خلت أبقي بيننا من مودّةعراض المداكي المسنفات القلائصا
وقال الخليل : العرب تقول : ما رأيته يقول ذلك إلا زيد، وما ظننته يقول ذلك إلا زيد.
قال ابن عطية : فتتجه القراءة بكون فلا يحسبنهم بدلاً من الأول، وقد تعدّى إلى المفعولين وهما : الضمير وبمفازة، واستغنى بذلك عن المفعولين، كما استغنى في قوله :
بأي كتاب أم بأية سنةترى حبهم عاراً عليّ وتحسب
أي : وتحسب حبهم عاراً عليّ.
والوجه الثاني ما قاله الزمخشري : وهو أن يكون المفعول الأول محذوفاً على لا يحسبنهم الذين يفرحون بمفازة، بمعنى : لا يحسبن أنفسهم الذين يفرحون فائزين.
وفلا يحسبنهم تأكيد، وتقدّم لنا الرد على الزمخشري في تقديره لا يحسبنهم الذين في قوله :﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما﴾ وإن هذا التقدير لا يصح فيطلع هناك.
وتعدى في هذه القراءة فعل الحسبان إلى ضميريه المتصلين : المرفوع والمنصوب، وهو مما يختص به ظننت وأخواتها، ومن غيرها : وجدت، وفقدت، وعدمت، وذلك مقرّر في علم النحو.
وقرأ حمزة، والكسائي، وعاصم : لا تحسبن، وفلا تحسبنهم بتاء الخطاب، وفتح الباء فيهما خطاباً للرسول، وخرجت هذه القراءة على وجهين : أحدهما ذكره ابن عطية، وهو أن المفعول الأول هو : الذين يفرحون.
والثاني محذوف لدلالة ما بعده عليه كما قيل آنفاً في المفعولين.
وحسن تكرار الفعل فلا يحسبنهم لطول الكلام، وهي عادة العرب، وذلك تقريب لذهن المخاطب.
والوجه الثاني ذكره الزمخشري، قال : وأحد المفعولين الذين يفرحون، والثاني بمفازة.
وقوله : فلا يحسبنهم توكيد تقديره لا يحسبنهم، فلا يحسبنهم فائزين.
وقرئ لا تحسبن فلا تحسبنهم بتاء الخطاب وضم الباء فيهما خطاباً للمؤمنين.
ويجيء الخلاف في المفعول الثاني كالخلاف فيه في قراءة الكوفيين.
وقرأ نافع وابن عامر : لا يحسبن بياء الغيبة، وفلا تحسبنهم بتاء الخطاب، وفتح الباء فيهما، وخرجت هذه القراءة على حذف مفعولي يحسبن لدلالة ما بعدهما عليهما.
ولا يجوز في هذه القراءة البدل الذي جوّز في قراءة ابن كثير وأبي عمرو لاختلاف الفعلين لاختلاف الفاعل.
وإذا كان فلا يحسبنهم توكيداً أو بدلاً، فدخول الفاء إنما يتوجه على أن تكون زائدة، إذ لا يصح أن تكون للعطف، ولا أن تكون فاء جواب الجزاء.
وأنشدوا على زيادة الفاء قول الشاعر :
حتى تركت العائدات يعدنه *** يقلن فلا تبعد وقلت له : ابعد
وقال آخر :
لما اتقى بيد عظيم جرمها *** فتركت ضاحي : كفه يتذبذب
أي : لا تبعد، وأي تركت.
وقرأ النخعي ومروان بن الحكم بما آتوا بمعنى : أعطوا.
وقرأ ابن جبير والسلمي : بما أوتوا مبنياً للمفعول.
وتقدّمت الأقوال في أتوا، وبعضها يستقيم على هاتين القراءتين.
وفي حرف عبد الله بما لم يفعلوا بمفازة، وأسقط فلا يحسبنهم.
ومفازة مفعلة من فاز، وهي للمكان أي : موضع فوز، أي : نجاة.
وقال الفرّاء : أي ببعد من العذاب، لأن الفوز معناه التباعد من المكروه.
وفي هذه الآية دلالة على أن تزين الإنسان بما ليس فيه وحبه المدح عليه منهى عنه ومذموم شرعاً.
وقال تعالى :﴿لم تقولون مالا تفعلون﴾ وفي الحديث الصحيح :« المتشبع بما ليس فيه كلابس ثوبي زور » وقد أخبر تعالى عنهم بالعذاب الأليم في قوله : ولهم عذاب أليم.
وناسب وصفه بأليم لأجل فرحهم ومحبتهم المحمدة على ما لم يفعلوا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والبديع :
الاستعارة : عبر بأخذ الميثاق عن التزامهم أحكام ما أنزل عليهم من التوراة والإنجيل، وبالنبذ وراء ظهورهم عن ترك عملهم بمقتضى تلك الأحكام، وباشتراء ثمن قليل عن ما تعوضوه من الحطام على كتم آيات الله، وبسماع المنادي إن كان القرآن عن ما تلقوه من الأمر والنهي والوعد والوعيد بالاستجابة عن قبول مسألتهم، وبانتفاء التضييع عن عدم مجازاته على يسير أعمالهم، وبالتقلب عن ضربهم في الأرض لطلب المكاسب، وبالمهاد عن المكان المستقر فيه، وبالنزل عما يعجل الله لهم في الجنة من الكرامة، وبالخشوع الذي هو تهدم المكان وتغير معالمه عن خضوعهم وتذللهم بين يديه، وبالسرعة التي هي حقيقة في المشي عن تعجيل كرامته.
قيل : ويحتمل أن يكون الحساب استعير للجزاء، كما استعير ﴿ولم أدر ما حسابيه﴾ لأن الكفار لا يقام لهم حساب كما قال تعالى :﴿فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾ والطباق في : لتبيينه للناس ولا تكتمونه، وفي السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، فالسماء جهة العلو والأرض جهة السفل، والليل عبارة عن الظلمة والنهار عبارة عن النور، وفي : قياماً وقعوداً ومن : ذكر أو أنثى.
والتكرار : في لا تحسبن فلا تحسبنهم، وفي : ربنا في خمسة مواضع، وفي : فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا إن كان المعنى واحداً وفي : ما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وفي : ثواباً وحسن لثواب.
والاختصاص في : لأولي الألباب، وفي : وما للظالمين من أنصار، وفي : توفنا مع الأبرار، وفي : ولا تحزنا يوم القيامة، وفي : وما عند الله خير للأبرار.
والتجنيس المماثل في : أن آمنوا فآمنا، وفي : عمل عامل منكم.
والمغاير في : منادياً ينادي.
والإشارة في : ما خلقت هذا باطلاً، والحذف في مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى