البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾ هذه استجارة واستعادة.
أي : فلا تفعل بنا ذلك، ولا تجعلنا ممن يعمل بعملها.
ومعنى أخزيته : ففضحته.
من خزى الرجل يخزى خزياً، إذا افتضح.
وخزاية إذا استحيا الفعل واحد واختلف في المصدر فمن الافتضاح خزي، ومن الاستحياء خزاية.
ومن ذلك ﴿ولا تخزون في ضيفي﴾ أي لا تفضحون.
وقيل : المعنى أهنته.
وقال المفضل : أهلكته.
ويقال : خزيته وأخزيته ثلاثياً ورباعياً، والرباعي أكثر وأفصح.
وقال الزجاج : المخزي في اللغة هو المذل المحقور بأمر قد لزمه، يقال : أخزيته ألزمته حجة أذللته معها.
وقال أنس وسعيد، وقتادة، ومقاتل، وابن جريج، وغيرهم : هي إشارة إلى من يخلد في النار، أما من يخرج منها بالشفاعة والإيمان فليس بمخزي.
وقال جابر بن عبد الله وغيره : كل من دخل النار فهو مخزى وإن خرج منها، وإنّ في دون ذلك لخزياً، واختاره ابن جريج وأبو سليمان الدمشقي.
﴿وما للظالمين من أنصار﴾ هو من قول الداعين.
وقال ابن عباس : الظالمون هنا هم الكافرون، وهو قول جمهور المفسرين.
وقد صرح به في قوله :﴿والكافرون هم الظالمون﴾ وقوله :﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ ويناسب هذا التفسير أن يكون ما قبله فيمن يخلد في النار، لأن نفي الناصر إما بمنع أو شفاعة مختص بالكفار، وأما المؤمن فالله ناصره والرسول ﷺ شافعه، وبعض المؤمنين يشفع لبعض كما ورد في الحديث.
وقال الزمخشري : وما للظالمين اللام إشارة إلى من يدخل النار، وإعلام بأن من يدخل النار، فلا ناصر له بشفاعة ولا غيرها انتهى.
وهو على طريقة الاعتزال أنَّ من يدخل النار لا يخرج منها أبداً، سواء كان كافراً أم فاسقاً، ومن مفعوله لفعل الشرط.
وحكى بعض المعربين ما نصه، وأجاز قوم أن يكون من منصوباً بفعل دل عليه جواب الشرط وهو : فقد أخزيته.
وأجاز آخرون أن يكون من مبتدأ، والشرط وجوابه الخير انتهى.
أما القول الأول فصادر عن جاهل بعلم النحو، وأما الثاني فإعراب من مبتدأ في غاية الضعف.
وأما إدخاله جواب الشرط في الخبر مع فعل الشرط فجهالة.
ومن أعظم وزراً ممن تكلم في كتاب الله بغير علم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والبديع :
الاستعارة : عبر بأخذ الميثاق عن التزامهم أحكام ما أنزل عليهم من التوراة والإنجيل، وبالنبذ وراء ظهورهم عن ترك عملهم بمقتضى تلك الأحكام، وباشتراء ثمن قليل عن ما تعوضوه من الحطام على كتم آيات الله، وبسماع المنادي إن كان القرآن عن ما تلقوه من الأمر والنهي والوعد والوعيد بالاستجابة عن قبول مسألتهم، وبانتفاء التضييع عن عدم مجازاته على يسير أعمالهم، وبالتقلب عن ضربهم في الأرض لطلب المكاسب، وبالمهاد عن المكان المستقر فيه، وبالنزل عما يعجل الله لهم في الجنة من الكرامة، وبالخشوع الذي هو تهدم المكان وتغير معالمه عن خضوعهم وتذللهم بين يديه، وبالسرعة التي هي حقيقة في المشي عن تعجيل كرامته.
قيل : ويحتمل أن يكون الحساب استعير للجزاء، كما استعير ﴿ولم أدر ما حسابيه﴾ لأن الكفار لا يقام لهم حساب كما قال تعالى :﴿فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾ والطباق في : لتبيينه للناس ولا تكتمونه، وفي السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، فالسماء جهة العلو والأرض جهة السفل، والليل عبارة عن الظلمة والنهار عبارة عن النور، وفي : قياماً وقعوداً ومن : ذكر أو أنثى.
والتكرار : في لا تحسبن فلا تحسبنهم، وفي : ربنا في خمسة مواضع، وفي : فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا إن كان المعنى واحداً وفي : ما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وفي : ثواباً وحسن لثواب.
والاختصاص في : لأولي الألباب، وفي : وما للظالمين من أنصار، وفي : توفنا مع الأبرار، وفي : ولا تحزنا يوم القيامة، وفي : وما عند الله خير للأبرار.
والتجنيس المماثل في : أن آمنوا فآمنا، وفي : عمل عامل منكم.
والمغاير في : منادياً ينادي.
والإشارة في : ما خلقت هذا باطلاً، والحذف في مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى