اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ في هذا الجارّ ثلاثة أوجهٍ :
أحدها : أنه متعلق ب " وعدتنا ".
قال الزمخشريُّ :" على - هذه - صلة للوعد، كما في قولك : وعد اللَّه الْجَنَّةَ على الطَّاعَةِ، والمعنى : ما وعدتنا على تصديق رُسُلك ".
ثانيها : أنه متعلقٌ بمحذوفٍ، على أنه حالٌ من المفعولِ، وقدَّره الزمخشريُّ بقوله : ما وعدتنا مُنَزَّلاً على رسلك، أو محمولاً على رسلك ؛ لأنَّ الرُّسُلَ مُحَمَّلون ذلك قال تعالى :﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ [النور: ٥٤].
وردَّ عليه أبو حيّان : بأنَّ الذي قدَّره محذوفاً كون مقيّد، وقد عُلِم من القواعد أنَّ الظرفَ والجارَّ إذا وقعَا حالَيْن، أو وَصْفَيْن، أو خَبَرَيْن، أو صِلَتَيْن تعلَّقاً بكون مطلق، والجار - هنا - وقع حالاً، فكيف يقدر متعلقه كوناً مقيَّداً، وهو منزَّل، أو محمول ؟
ثالثها :- ذكره أبو البقاء - أن يتعلق " على " ب " آتِنَا " وقدر مضافاً محذوفاً، فقال : على ألْسِنة رسُلك وهو حسن.
وقرأ الأعمشُ : على رُسْلِكَ - بسكون السّينِ.
فإن قيل : إن الخُلْف في وَعْد اللَّهِ - تعالى - محالٌ، فكيف طلبوا ما علموا أنه واقع لا محالة ؟
فالجوابُ من وجوهٍ :
الأول : أنه ليس المقصود من الدعاء طلب الفعلِ، بل المقصود منه إظهارُ الخضوعِ والذَّلَّة والعبودية، وقد أمِرْنا بالدعاء بأشياء نقطع بوجودها لا محالة، كقوله :
﴿قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] وقوله :﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾
[غافر: ٧].
الثاني : أنَّ وعدَ اللَّهِ لا يتناول آحاد الأمة بأعيانهم، بل بحسب أوصافهم، فإنه - تعالى - وعد المتقين بالثوابِ، ووعد الفُسَّاقَ بالعقاب، فقوله :﴿وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا﴾ معناه : وفَّقْنا للأعمال التي نصير بها أهلاً لوعدك، واعصمْنا من الأعمال التي نصير بها أهلاً للعقابِ والخِزْي.
الثالث : أن اللَّهَ - تَعَالَى - وعد المؤمنينَ بأن ينصُرَهُمْ في الدُّنُيَا على أعدائِهِم، فهُم طلبوا تعجيل ذلك.
دلَّت الآية على أنَّهُم إنَّمَا طلبوا منافعَ الآخرةِ بحُكْم الوعدِ لا بحُكْم الاستحقاق ؛ لقولهم :﴿وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ ثم قالوا :﴿إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ وهذا يدلُّ على أنَّ المقتضي لحصول منافع الآخرةِ هُوَ الوَعْدُ لا الاستحقاقُ.
فإن قيلَ : متى حصل الثوابُ لزم اندفاعُ العقابِ لا محالةَ، فلما طلبوا الثَّوابَ بقولهم :﴿وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا﴾ كيف طلبوا ترك العقاب بقولهم :﴿وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بل لو طلب ترك العقاب - أولاً - ثم طلب الثَّوابَ بعده لاستقام الكلامُ ؟
فالجوابُ من وجهينِ :
الأول : أن الثَّوابَ شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم والسرور، فقوله :﴿وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا﴾ المراد منه المنافعُ وقوله :﴿وَلاَ تُخْزِنَا﴾ المرادُ منه التعظيمُ.
الثاني : ما تقدم من أنّ المقصودَ طلب التوفيق إلى الطاعة، والعصمة عن المعصية، كأنه قيل : وفقنا للطاعات، وإذا وفقتنا فاعصمنا عما يبطلها، ويوقعنا في الخزي. وعلى هذا يحسن النظم. و " الميعاد " مصدر بمعنى الوَعْد.
قوله :﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فيه وجهان :
الأول : أنه منصوب ب ﴿وَلاَ تُخْزِنَا﴾.
والثَّاني : أنه أجاز أبو حيَّان أن يكونَ من باب الإعمالِ ؛ إذ يصلح أن يكون منصوباً ب ﴿وَلاَ تُخْزِنَا﴾ وب ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا﴾ إذا كان الموعود به الجنة.
أحدها : أنه متعلق ب " وعدتنا ".
قال الزمخشريُّ :" على - هذه - صلة للوعد، كما في قولك : وعد اللَّه الْجَنَّةَ على الطَّاعَةِ، والمعنى : ما وعدتنا على تصديق رُسُلك ".
ثانيها : أنه متعلقٌ بمحذوفٍ، على أنه حالٌ من المفعولِ، وقدَّره الزمخشريُّ بقوله : ما وعدتنا مُنَزَّلاً على رسلك، أو محمولاً على رسلك ؛ لأنَّ الرُّسُلَ مُحَمَّلون ذلك قال تعالى :﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ [النور: ٥٤].
وردَّ عليه أبو حيّان : بأنَّ الذي قدَّره محذوفاً كون مقيّد، وقد عُلِم من القواعد أنَّ الظرفَ والجارَّ إذا وقعَا حالَيْن، أو وَصْفَيْن، أو خَبَرَيْن، أو صِلَتَيْن تعلَّقاً بكون مطلق، والجار - هنا - وقع حالاً، فكيف يقدر متعلقه كوناً مقيَّداً، وهو منزَّل، أو محمول ؟
ثالثها :- ذكره أبو البقاء - أن يتعلق " على " ب " آتِنَا " وقدر مضافاً محذوفاً، فقال : على ألْسِنة رسُلك وهو حسن.
وقرأ الأعمشُ : على رُسْلِكَ - بسكون السّينِ.
فإن قيل : إن الخُلْف في وَعْد اللَّهِ - تعالى - محالٌ، فكيف طلبوا ما علموا أنه واقع لا محالة ؟
فالجوابُ من وجوهٍ :
الأول : أنه ليس المقصود من الدعاء طلب الفعلِ، بل المقصود منه إظهارُ الخضوعِ والذَّلَّة والعبودية، وقد أمِرْنا بالدعاء بأشياء نقطع بوجودها لا محالة، كقوله :
﴿قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] وقوله :﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾
[غافر: ٧].
الثاني : أنَّ وعدَ اللَّهِ لا يتناول آحاد الأمة بأعيانهم، بل بحسب أوصافهم، فإنه - تعالى - وعد المتقين بالثوابِ، ووعد الفُسَّاقَ بالعقاب، فقوله :﴿وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا﴾ معناه : وفَّقْنا للأعمال التي نصير بها أهلاً لوعدك، واعصمْنا من الأعمال التي نصير بها أهلاً للعقابِ والخِزْي.
الثالث : أن اللَّهَ - تَعَالَى - وعد المؤمنينَ بأن ينصُرَهُمْ في الدُّنُيَا على أعدائِهِم، فهُم طلبوا تعجيل ذلك.
فصل
دلَّت الآية على أنَّهُم إنَّمَا طلبوا منافعَ الآخرةِ بحُكْم الوعدِ لا بحُكْم الاستحقاق ؛ لقولهم :﴿وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ ثم قالوا :﴿إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ وهذا يدلُّ على أنَّ المقتضي لحصول منافع الآخرةِ هُوَ الوَعْدُ لا الاستحقاقُ.
فإن قيلَ : متى حصل الثوابُ لزم اندفاعُ العقابِ لا محالةَ، فلما طلبوا الثَّوابَ بقولهم :﴿وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا﴾ كيف طلبوا ترك العقاب بقولهم :﴿وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بل لو طلب ترك العقاب - أولاً - ثم طلب الثَّوابَ بعده لاستقام الكلامُ ؟
فالجوابُ من وجهينِ :
الأول : أن الثَّوابَ شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم والسرور، فقوله :﴿وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا﴾ المراد منه المنافعُ وقوله :﴿وَلاَ تُخْزِنَا﴾ المرادُ منه التعظيمُ.
الثاني : ما تقدم من أنّ المقصودَ طلب التوفيق إلى الطاعة، والعصمة عن المعصية، كأنه قيل : وفقنا للطاعات، وإذا وفقتنا فاعصمنا عما يبطلها، ويوقعنا في الخزي. وعلى هذا يحسن النظم. و " الميعاد " مصدر بمعنى الوَعْد.
قوله :﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فيه وجهان :
الأول : أنه منصوب ب ﴿وَلاَ تُخْزِنَا﴾.
والثَّاني : أنه أجاز أبو حيَّان أن يكونَ من باب الإعمالِ ؛ إذ يصلح أن يكون منصوباً ب ﴿وَلاَ تُخْزِنَا﴾ وب ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا﴾ إذا كان الموعود به الجنة.