البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد﴾ قيل : نزلت في اليهود كانوا يضربون في الأرض فيصيبون الأموال قاله : ابن عباس.
وقال أيضاً : هم أهل مكة.
وروي أنَّ ناساً من المؤمنين كانوا يرون ما كانوا فيه من الخصب والرخاء ولين العيش، فيقولون : إنّ أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد.
وقال مقاتل : في مشركي العرب والذين كفروا لفظ عام، والكاف للخطاب.
فقيل : لكل سامع.
وقيل : هو خطاب للنبي ﷺ، والمراد أمته.
قاله : ابن عطية.
وقال : نزلت لا يغرنك في هذه الآية منزلة لا تظن أن حال الكفار حسنة فتهتم لذلك، وذلك أن المغتر فارح بالشيء الذي يغتر به.
فالكفار مغترون بتقلبهم، والمؤمنون مهتمون به.
لكنه ربما يقع في نفس مؤمن أنَّ هذا الإملاء للكفار إنما هو خير لهم، فيجيء هذا جنوحاً إلى حالهم، ونوعاً من الاغترار، ولذلك حسنت لا يغرنك.
ونظيره قول عمر لحفصة :« لا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى رسول الله ﷺ » المعنى : لا تغتري بما ينم لتلك من الإدلال فتقعي فيه فيطلقك رسول الله ﷺ انتهى.
وقال الزمخشري : لا يغرنك الخطاب لرسول الله ﷺ، أو لكل أحد.
أي : لا تنظر إلى ما هم عليه من سعة الرزق، والمضطرب ودرك العاجل وإصابة حظوظ الدنيا، ولا نغترر بظاهر ما ترى من تبسطهم في الأرض وتصرفهم في البلاد.
( فإن قلت ) : كيف جاز أن يغتر رسول الله ﷺ بذلك حتى ينهى عنه وعن الاغترار به ؟ ( قلت ) : فيه وجهان : أحدهما أن مدرة القوم ومقدمهم يخاطب بشيء فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعاً، فكأنه قيل : لا يغرنكم.
والثاني أن رسول الله ﷺ كان غير مغرور بحالهم، فأكد عليه ما كان وثبت على التزامه كقوله :﴿ولا تكن مع الكافرين﴾ ﴿ولا تكونن من المشركين﴾ ﴿فلا تطع المكذبين﴾ وهذا في النهي نظير قوله في الأمر :﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا﴾ وقد جعل النهي في الظاهر للتقلب، وهو في المعنى للمخاطب.
وهذا من تنزيل السبب منزلة المسبب، لأن التقلب لو غره لاغتر به، فمنع السبب ليمتنع المسبب انتهى كلامه.
وملخص الوجهين اللذين ذكرهما : أن يكون الخطاب له والمراد أمّته، أوله على جهة التأكيد والتنبيه، وإن كان معصوماً من الوقوع فيه كما قيل :
وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب : لا يغرنك ولا يصدنك ولا يغرنكم وشبهه بالنون الخفيفة.
وتقلبهم : هو تصرفهم في التجارات قاله : ابن عباس، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج.
أو ما يجري عليهم من النعم قاله : عكرمة، ومقاتل.
أو تصرّفهم غير مأخوذين بذنوبهم قاله : بعض المفسرين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والبديع :
الاستعارة : عبر بأخذ الميثاق عن التزامهم أحكام ما أنزل عليهم من التوراة والإنجيل، وبالنبذ وراء ظهورهم عن ترك عملهم بمقتضى تلك الأحكام، وباشتراء ثمن قليل عن ما تعوضوه من الحطام على كتم آيات الله، وبسماع المنادي إن كان القرآن عن ما تلقوه من الأمر والنهي والوعد والوعيد بالاستجابة عن قبول مسألتهم، وبانتفاء التضييع عن عدم مجازاته على يسير أعمالهم، وبالتقلب عن ضربهم في الأرض لطلب المكاسب، وبالمهاد عن المكان المستقر فيه، وبالنزل عما يعجل الله لهم في الجنة من الكرامة، وبالخشوع الذي هو تهدم المكان وتغير معالمه عن خضوعهم وتذللهم بين يديه، وبالسرعة التي هي حقيقة في المشي عن تعجيل كرامته.
قيل : ويحتمل أن يكون الحساب استعير للجزاء، كما استعير ﴿ولم أدر ما حسابيه﴾ لأن الكفار لا يقام لهم حساب كما قال تعالى :﴿فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾ والطباق في : لتبيينه للناس ولا تكتمونه، وفي السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، فالسماء جهة العلو والأرض جهة السفل، والليل عبارة عن الظلمة والنهار عبارة عن النور، وفي : قياماً وقعوداً ومن : ذكر أو أنثى.
والتكرار : في لا تحسبن فلا تحسبنهم، وفي : ربنا في خمسة مواضع، وفي : فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا إن كان المعنى واحداً وفي : ما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وفي : ثواباً وحسن لثواب.
والاختصاص في : لأولي الألباب، وفي : وما للظالمين من أنصار، وفي : توفنا مع الأبرار، وفي : ولا تحزنا يوم القيامة، وفي : وما عند الله خير للأبرار.
والتجنيس المماثل في : أن آمنوا فآمنا، وفي : عمل عامل منكم.
والمغاير في : منادياً ينادي.
والإشارة في : ما خلقت هذا باطلاً، والحذف في مواضع.
وقال أيضاً : هم أهل مكة.
وروي أنَّ ناساً من المؤمنين كانوا يرون ما كانوا فيه من الخصب والرخاء ولين العيش، فيقولون : إنّ أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد.
وقال مقاتل : في مشركي العرب والذين كفروا لفظ عام، والكاف للخطاب.
فقيل : لكل سامع.
وقيل : هو خطاب للنبي ﷺ، والمراد أمته.
قاله : ابن عطية.
وقال : نزلت لا يغرنك في هذه الآية منزلة لا تظن أن حال الكفار حسنة فتهتم لذلك، وذلك أن المغتر فارح بالشيء الذي يغتر به.
فالكفار مغترون بتقلبهم، والمؤمنون مهتمون به.
لكنه ربما يقع في نفس مؤمن أنَّ هذا الإملاء للكفار إنما هو خير لهم، فيجيء هذا جنوحاً إلى حالهم، ونوعاً من الاغترار، ولذلك حسنت لا يغرنك.
ونظيره قول عمر لحفصة :« لا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى رسول الله ﷺ » المعنى : لا تغتري بما ينم لتلك من الإدلال فتقعي فيه فيطلقك رسول الله ﷺ انتهى.
وقال الزمخشري : لا يغرنك الخطاب لرسول الله ﷺ، أو لكل أحد.
أي : لا تنظر إلى ما هم عليه من سعة الرزق، والمضطرب ودرك العاجل وإصابة حظوظ الدنيا، ولا نغترر بظاهر ما ترى من تبسطهم في الأرض وتصرفهم في البلاد.
( فإن قلت ) : كيف جاز أن يغتر رسول الله ﷺ بذلك حتى ينهى عنه وعن الاغترار به ؟ ( قلت ) : فيه وجهان : أحدهما أن مدرة القوم ومقدمهم يخاطب بشيء فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعاً، فكأنه قيل : لا يغرنكم.
والثاني أن رسول الله ﷺ كان غير مغرور بحالهم، فأكد عليه ما كان وثبت على التزامه كقوله :﴿ولا تكن مع الكافرين﴾ ﴿ولا تكونن من المشركين﴾ ﴿فلا تطع المكذبين﴾ وهذا في النهي نظير قوله في الأمر :﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا﴾ وقد جعل النهي في الظاهر للتقلب، وهو في المعنى للمخاطب.
وهذا من تنزيل السبب منزلة المسبب، لأن التقلب لو غره لاغتر به، فمنع السبب ليمتنع المسبب انتهى كلامه.
وملخص الوجهين اللذين ذكرهما : أن يكون الخطاب له والمراد أمّته، أوله على جهة التأكيد والتنبيه، وإن كان معصوماً من الوقوع فيه كما قيل :
| قد يهزّ الحسام وهو حسام | ويجب الجواد وهو جواد |
وتقلبهم : هو تصرفهم في التجارات قاله : ابن عباس، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج.
أو ما يجري عليهم من النعم قاله : عكرمة، ومقاتل.
أو تصرّفهم غير مأخوذين بذنوبهم قاله : بعض المفسرين.
الاستعارة : عبر بأخذ الميثاق عن التزامهم أحكام ما أنزل عليهم من التوراة والإنجيل، وبالنبذ وراء ظهورهم عن ترك عملهم بمقتضى تلك الأحكام، وباشتراء ثمن قليل عن ما تعوضوه من الحطام على كتم آيات الله، وبسماع المنادي إن كان القرآن عن ما تلقوه من الأمر والنهي والوعد والوعيد بالاستجابة عن قبول مسألتهم، وبانتفاء التضييع عن عدم مجازاته على يسير أعمالهم، وبالتقلب عن ضربهم في الأرض لطلب المكاسب، وبالمهاد عن المكان المستقر فيه، وبالنزل عما يعجل الله لهم في الجنة من الكرامة، وبالخشوع الذي هو تهدم المكان وتغير معالمه عن خضوعهم وتذللهم بين يديه، وبالسرعة التي هي حقيقة في المشي عن تعجيل كرامته.
قيل : ويحتمل أن يكون الحساب استعير للجزاء، كما استعير ﴿ولم أدر ما حسابيه﴾ لأن الكفار لا يقام لهم حساب كما قال تعالى :﴿فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾ والطباق في : لتبيينه للناس ولا تكتمونه، وفي السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، فالسماء جهة العلو والأرض جهة السفل، والليل عبارة عن الظلمة والنهار عبارة عن النور، وفي : قياماً وقعوداً ومن : ذكر أو أنثى.
والتكرار : في لا تحسبن فلا تحسبنهم، وفي : ربنا في خمسة مواضع، وفي : فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا إن كان المعنى واحداً وفي : ما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وفي : ثواباً وحسن لثواب.
والاختصاص في : لأولي الألباب، وفي : وما للظالمين من أنصار، وفي : توفنا مع الأبرار، وفي : ولا تحزنا يوم القيامة، وفي : وما عند الله خير للأبرار.
والتجنيس المماثل في : أن آمنوا فآمنا، وفي : عمل عامل منكم.
والمغاير في : منادياً ينادي.
والإشارة في : ما خلقت هذا باطلاً، والحذف في مواضع.