الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ﴾ الخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل أحد، أي لا تنظر إلى ما هم عليه من سعة الرزق والمضطرب ودرك العاجل وإصابة حظوظ الدنيا، ولا تغتر بظاهر ما ترى من تبسطهم في الأرض، وتصرفهم في البلاد يتكسبون ويتجرون ويتدهقنون. وعن ابن عباس : هم أهل مكة. وقيل : هم اليهود. وروي أن أناساً من المؤمنين كانوا يرون ما كانوا فيه من الخصب والرخاء ولين العيش فيقولون : إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد.
فإن قلت : كيف جاز أن يغتر رسول الله ﷺ بذلك حتى ينهي عن الاغترار به ؟ قلت : فيه وجهان أحدهما أن مدرة القوم ومتقدّمهم يخاطب بشيء فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعاً، فكأنه قيل : لا يغرنكم والثاني : أنّ رسول الله ﷺ كان غير مغرور بحالهم فأكد عليه ما كان عليه وثبت على التزامه، كقوله :﴿وَلاَ تَكُنْ مع الكافرين﴾ [هود: ٤٢]، ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [الأنعام: ١٤]، ﴿فَلاَ تُطِعِ المكذبين﴾ [القلم: ٨] وهذا في النهي نظير قوله في الأمر ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦]، ﴿يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ءامِنُواْ﴾ [النساء: ٣٦] وقد جعل النهي في الظاهر للتقلب وهو في المعنى للمخاطب، وهذا من تنزيل السبب منزلة المسبب، لأنّ التقلب لو غرّه لاغتر به، فمنع السبب ليمتنع المسبب. وقرىء :«لا يغرنك » بالنون الخفيفة.
فإن قلت : كيف جاز أن يغتر رسول الله ﷺ بذلك حتى ينهي عن الاغترار به ؟ قلت : فيه وجهان أحدهما أن مدرة القوم ومتقدّمهم يخاطب بشيء فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعاً، فكأنه قيل : لا يغرنكم والثاني : أنّ رسول الله ﷺ كان غير مغرور بحالهم فأكد عليه ما كان عليه وثبت على التزامه، كقوله :﴿وَلاَ تَكُنْ مع الكافرين﴾ [هود: ٤٢]، ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [الأنعام: ١٤]، ﴿فَلاَ تُطِعِ المكذبين﴾ [القلم: ٨] وهذا في النهي نظير قوله في الأمر ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦]، ﴿يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ءامِنُواْ﴾ [النساء: ٣٦] وقد جعل النهي في الظاهر للتقلب وهو في المعنى للمخاطب، وهذا من تنزيل السبب منزلة المسبب، لأنّ التقلب لو غرّه لاغتر به، فمنع السبب ليمتنع المسبب. وقرىء :«لا يغرنك » بالنون الخفيفة.