تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني
عن الكتاب
سورة آل عمران
قوله عز وجل: (الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ).
ْالأصل في حروف التهجي السكون، وكان حكم الميم
حكم غيره لكن حُرِّك لالتقاء الساكنين، وفُتح استثقالاً للكسرة
فيه من أجل الياء قبله، ومن قال: إنما فُتِحَ لأنه أُلقِيَ عليه
حركة الهمزة فخطأ؟ لأن هذه الهمزة تسقط في الدَّرْج إلا في
قولهم: يا ألله، والهمزة التي تُلقى حركتها على ما قبلها هي
قوله عز وجل: (الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ).
ْالأصل في حروف التهجي السكون، وكان حكم الميم
حكم غيره لكن حُرِّك لالتقاء الساكنين، وفُتح استثقالاً للكسرة
فيه من أجل الياء قبله، ومن قال: إنما فُتِحَ لأنه أُلقِيَ عليه
حركة الهمزة فخطأ؟ لأن هذه الهمزة تسقط في الدَّرْج إلا في
قولهم: يا ألله، والهمزة التي تُلقى حركتها على ما قبلها هي
الثابتة في الوصل والوقف، نحو: مَنَ ابوك؟ إذا قلت: منْ
أَبوك؟.
وَرُوِيَ عن عاصم وغيره سكونُ الميم وقطعُ الألف.
وليس ذلك بصحيح عند النحويين، لكون الألف فيه للوصل.
وأما موضع إعراب (الم) فمبتدأ وخبره مضمر، أو خبر مبتدؤه
أَبوك؟.
وَرُوِيَ عن عاصم وغيره سكونُ الميم وقطعُ الألف.
وليس ذلك بصحيح عند النحويين، لكون الألف فيه للوصل.
وأما موضع إعراب (الم) فمبتدأ وخبره مضمر، أو خبر مبتدؤه
مضمر، ودلَّ على المحذوف منه قوله: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ)
فصار كقوله: (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ) وقال بعضهم: (الم)
مبتدأ وخبره (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ)، ونسب تعالى التنزيل إلى
الحروف، تنبيهاً أنه منها، وأن عجزَكُمْ عن الإِتيان بمثله دلالة
لكم أنه كلام الله دون كلام الخلق.
وقد تقدَّم أن أهل اللغة قالوا:
الكتاب سُمِّيَ لكتب الحروف بعضها إلى بعض، أي ضمُّها.
وقيل: سُمِّيَ المعنى الثابت كتابً تشبيهاً بالمكتوب، وعلى هذا قوله
تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ).
فصار كقوله: (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ) وقال بعضهم: (الم)
مبتدأ وخبره (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ)، ونسب تعالى التنزيل إلى
الحروف، تنبيهاً أنه منها، وأن عجزَكُمْ عن الإِتيان بمثله دلالة
لكم أنه كلام الله دون كلام الخلق.
وقد تقدَّم أن أهل اللغة قالوا:
الكتاب سُمِّيَ لكتب الحروف بعضها إلى بعض، أي ضمُّها.
وقيل: سُمِّيَ المعنى الثابت كتابً تشبيهاً بالمكتوب، وعلى هذا قوله
تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ).
ويقال: لكل مُوجَب كتاب.
ورُوي أنه نزل ذلك في وفد نجران الذين أتوا النبي - ﷺ -، فخاصموا في عيسى عليه الصلاة والسلام، فقال النبي - ﷺ -: "ألستم تعلمون أن الله حي لا يموت، وأن عيسى يموت، وأن
الله لا يخفى عليه شيء، وقد كان عيسى يخفى عليه أشياء، وأن
عيسى صُوِّر في الرحم كيف شاء الله؟ " - نبههم بذلك أنه لا يصحّ
أن يكون عيسى مع كونه بهذه الصفات إلهاً - فأنزل الله تعالى
الآية.
ورُوي أنه نزل ذلك في وفد نجران الذين أتوا النبي - ﷺ -، فخاصموا في عيسى عليه الصلاة والسلام، فقال النبي - ﷺ -: "ألستم تعلمون أن الله حي لا يموت، وأن عيسى يموت، وأن
الله لا يخفى عليه شيء، وقد كان عيسى يخفى عليه أشياء، وأن
عيسى صُوِّر في الرحم كيف شاء الله؟ " - نبههم بذلك أنه لا يصحّ
أن يكون عيسى مع كونه بهذه الصفات إلهاً - فأنزل الله تعالى
الآية.
فقوله: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) ليس بدعوى يحتاج فيها إلى
دلالة من خارج، بل هو في نفسه دلالة لازمة وحجة واضحة.
فإن معنى قوله: (اللَّهُ) أي هو الذي يحق له العبادة، أي الذي
تَأْلَهُ الأشياء إليه، وكان الكفار يقولون: الأشياء ثلاثة: عابد
غير معبود، ومعبود عابد، ومعبود غير عابد؟ وهو الله تعالى.
فبيّن تعالى بهذا أن المستحق للعبادة على الإِطلاق هو الذي
لا إله إلا هو، وأكَّد ذلك بقوله: (الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، والحي في صفات الله
معناه الذي لا يجوز عليه الموتُ، وبه حياة كل حي، وإذا استُعْمِل
في غيره فعلى معنى قبول الحياة منه تعالى.
والقيوم: هو القائم بحفظ كل شيء، والمعطي له ما به قوامه، وهو المعنى المذكور
دلالة من خارج، بل هو في نفسه دلالة لازمة وحجة واضحة.
فإن معنى قوله: (اللَّهُ) أي هو الذي يحق له العبادة، أي الذي
تَأْلَهُ الأشياء إليه، وكان الكفار يقولون: الأشياء ثلاثة: عابد
غير معبود، ومعبود عابد، ومعبود غير عابد؟ وهو الله تعالى.
فبيّن تعالى بهذا أن المستحق للعبادة على الإِطلاق هو الذي
لا إله إلا هو، وأكَّد ذلك بقوله: (الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، والحي في صفات الله
معناه الذي لا يجوز عليه الموتُ، وبه حياة كل حي، وإذا استُعْمِل
في غيره فعلى معنى قبول الحياة منه تعالى.
والقيوم: هو القائم بحفظ كل شيء، والمعطي له ما به قوامه، وهو المعنى المذكور
في قوله تعالى: (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى).
وقوله: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ).
والحقُ أبلغُ من الصدق،. لأن كل صدق حق، وليس كل حق
صدقًا، ويتناول الأحكام والواجبات من حقوق الله وحقوق
الناس. والصدق من أخبار الأمم السالفة والآنفة، والحق الذي هو
الجدُّ. والتوراة عند الكوفيين تَفْعَلَة وليس في كلام العرب تَفْعَلَة
بوجه، وإنما هو تَفْعُلَة نحو تَتْفُلَة وتفعِلة نحو تكرِمة.
وقوله: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ).
والحقُ أبلغُ من الصدق،. لأن كل صدق حق، وليس كل حق
صدقًا، ويتناول الأحكام والواجبات من حقوق الله وحقوق
الناس. والصدق من أخبار الأمم السالفة والآنفة، والحق الذي هو
الجدُّ. والتوراة عند الكوفيين تَفْعَلَة وليس في كلام العرب تَفْعَلَة
بوجه، وإنما هو تَفْعُلَة نحو تَتْفُلَة وتفعِلة نحو تكرِمة.
وقيل: أَصله تَفْعِلَة، فعدل عن الكسرة إلى الفتحة.
وعند البصريين هي فَوْعَلَة نحو: حَوْقَلَة، وصَوْمَعَة. فأبدل
من الواو تاء، كما أبدل في تَوْصِيَةٍ وتَيْقُورٍ من الوقار.
والإِنجيل: إِفْعِيل من النجل، والنجل مستعمل في الأصل
وفي الولد.
وعند البصريين هي فَوْعَلَة نحو: حَوْقَلَة، وصَوْمَعَة. فأبدل
من الواو تاء، كما أبدل في تَوْصِيَةٍ وتَيْقُورٍ من الوقار.
والإِنجيل: إِفْعِيل من النجل، والنجل مستعمل في الأصل
وفي الولد.
إن قيل: لِمَ قال: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) (وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ)؟
قيل: قد يقال: (نزّل) و (أنزل) بمعنى. لكن خصَّ الكتاب
بالتنزيل لأمرين:
أحدهما: أن هذا الكتاب لما كان حكمُهُ مؤبدًا، والتنزيل بناء المبالغة
خُص به تنبيهًا على هذا المعنى، وليس ذلك حكم الكتابين قبل.
والثاني: أن هذا الكتاب أُنزل شيئًا فشيئًا، والكتابين أُنزل كل
واحد منهما جملة.
وقوله: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) يعني الكتب المتقدمة، وخُصَّ التوراة والإِنجيل بالذكر، وإن كانا قد دخلا في عموم ما بين يديه تشريفًا لهما.
و (مُصَدِّقًا) حال للمُنَزِّل أو للمنزَّل.
قيل: قد يقال: (نزّل) و (أنزل) بمعنى. لكن خصَّ الكتاب
بالتنزيل لأمرين:
أحدهما: أن هذا الكتاب لما كان حكمُهُ مؤبدًا، والتنزيل بناء المبالغة
خُص به تنبيهًا على هذا المعنى، وليس ذلك حكم الكتابين قبل.
والثاني: أن هذا الكتاب أُنزل شيئًا فشيئًا، والكتابين أُنزل كل
واحد منهما جملة.
وقوله: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) يعني الكتب المتقدمة، وخُصَّ التوراة والإِنجيل بالذكر، وإن كانا قد دخلا في عموم ما بين يديه تشريفًا لهما.
و (مُصَدِّقًا) حال للمُنَزِّل أو للمنزَّل.
ْوقوله: (وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ) أي أنزل في كتبه ما يُفرِّق به بين
الحق والباطل في الاعتقادات، والخيرِ والشر في الأفعال، نحو
قوله: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ): وكل كتاب لئه فرقان.
وقيل: الفرقان مخصوص به القرآن خاصة، وتَخصيصه بالذكر بعدما
تقدَّم تنبية على إثبات المعنيين له، كقوله تعالى: (وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ).
إن قيل: كيف يكون القرآنُ مُصدِّقَا لما بين يديه، وهو ناسخ
الحق والباطل في الاعتقادات، والخيرِ والشر في الأفعال، نحو
قوله: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ): وكل كتاب لئه فرقان.
وقيل: الفرقان مخصوص به القرآن خاصة، وتَخصيصه بالذكر بعدما
تقدَّم تنبية على إثبات المعنيين له، كقوله تعالى: (وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ).
إن قيل: كيف يكون القرآنُ مُصدِّقَا لما بين يديه، وهو ناسخ