جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
أخبرنا أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد: (١)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿الم (١) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾
قال أبو جعفر: قد أتينا على البيان عن معنى قوله:"ألم" فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (٢) وكذلك البيان عن قوله:"الله". (٣)
* * *
وأما معنى قوله:"لا اله إلا هو"، فإنه خبرٌ من الله جل وعز، أخبرَ عبادَه أن الألوهية خاصةٌ به دون ما سواه من الآلهة والأنداد، وأن العبادة لا تصلحُ ولا تجوز إلا له لانفراده بالربوبية، وتوحُّده بالألوهية، وأن كل ما دونه فملكه، وأنّ كل ما سواه فخلقه، لا شريك له في سلطانه ومُلكه = (٤) احتجاجًا منه تعالى ذكره عليهم بأن ذلك إذْ كان كذلك، فغيرُ جائزة لهم عبادةُ غيره، ولا إشراك أحد معه في سلطانه، إذ كان كلّ معبود سواه فملكه، وكل معظَّم غيرُه فخلقهُ، وعلى المملوك إفرادُ الطاعة لمالكه، وصرفُ خدمته إلى مولاه ورازقه =
(٢) انظر ما سلف ١: ٢٠٥-٢٢٤.
(٣) انظر ما سلف ١: ١٢٢-١٢٦.
(٤) سياق العبارة:
| "أخبر عباده أن الألوهية خاصة به | احتجاجًا منه تعالى ذكره عليهم". |
* * *
قال أبو جعفر: وقد ذُكر أن هذه السورة ابتدأ الله بتنزيله فاتحتها بالذي ابتدأ به: من نفي"الألوهية" أن تكون لغيره، ووصفه نفسه بالذي وصَفها به في ابتدائها، احتجاجًا منه بذلك على طائفة من النصارى قدموا على رسول الله ﷺ من نَجْرَان فحاجُّوه في عيسى صلوات الله عليه، وألحدوا في الله. فأنزل الله عز وجل في أمرهم وأمر عيسى من هذه السورة نيفًا وثمانين آية من أولها، (٧) احتجاجًا عليهم وعلى من كان على مثل مقالتهم، لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم، فأبوا إلا المقام على
| (٢) السياق"ومعرفًا من كان من خلقه | مقيما على عبادة وثن...". |
(٤) في المطبوعة: "ومتخذته دون مالكه... "، وهو لا يستقيم، وقد أشكل عليه قوله قبل"التي كانت بنو آدم مقيمة على عبادته"، فظن هذا معطوفا عليه، وهو خطأ مفسد للسياق، بل هو معطوف على قوله: "مقيما على عبادة وثن".
(٥) سياق الجملة: "ومعرفًا من كان من خلقه... مقيما على عبادة وثن... أنه مقيم على ضلالة... ".
(٦) في المطبوعة: "ومنعزل" وهو خطأ، لم يحسن قراءة المخطوطة، وهي فيها غير منقوطة، والدال شبيهة بالراء!! وانعدل عن الطريق: مال عنه وانحرف. يقال: عدل عن الشيء: حاد، وعدل عن الطريق: جار ومال واعوج سبيله.
(٧) في المطبوعة والمخطوطة: "نيفًا وثلاثين آية"، وهو خطأ صرف، فالتنزيل بين عدده، والأثر التالي فيه ذكر العدد صريحًا"... إلى بضع وثمانين آية".
غير أن الأمر وإن كان كذلك، وإياهم قصد بالحِجاج، فإن من كان معناه من سائر الخلق معناهم في الكفر بالله، واتخاذ ما سوى الله ربًّا وإلهًا ومعبودًا، معمومون بالحجة التي حجّ الله تبارك وتعالى بها من نزلت هذه الآيات فيه، ومحجوجون في الفُرْقان الذي فَرَق به لرسوله ﷺ بينه وبينهم. (١)
* * *
ذكر الرواية عمن ذكرنا قوله في نزول افتتاح هذه السورة أنه نزل في الذين وصفنا صفتهم من النصارى:-
٦٥٤٣ - حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر قال: قدم على رسول الله ﷺ وفد نجران: (٢) ستون راكبًا، فيهم أربعة عشرَ رجلا من أشرافهم، في الأربعة عشر ثلاثةٌ نفر إليهم يؤول أمرُهم:"العاقب" أميرُ القوم وذو رأيهم وصاحبُ مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمهُ"عبد المسيح" = و"السيد" ثِمالهم وصاحب رَحْلهم ومجتمعهم، واسمه"الأيهم" = (٣) وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، أسقفُّهم وحَبْرهم وإمامهم وصاحبُ مِدْرَاسهم. (٤) وكان أبو حارثة قد شرُف فيهم ودَرَس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم، فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه وموّلوه وأخدَموه، وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات، لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم. (٥)
(٢) في ابن هشام: "وفد نصارى نجران". ثمال القوم: عمادهم وغياثهم ومطعمهم وساقيهم والقائم بأمرهم في كل ذلك.
(٣) في ابن هشام: "وفد نصارى نجران". ثمال القوم: عمادهم وغياثهم ومطعمهم وساقيهم والقائم بأمرهم في كل ذلك.
(٤) المدراس (بكسر الميم وسكون الدال) : هو البيت الذي يدرسون فيه كتبهم، ويعني بقوله: "صاحب مدراسهم"، عالمهم الذي درس الكتب، يفتيهم ويتكلم بالحجة في دينهم.
(٥) في المطبوعة: "في دينه"، وأثبت ما في المخطوطة وابن هشام. وقد أسقط الطبري من روايته هنا عن ابن إسحاق، ما أثبته ابن هشام في السيرة ٢: ٢٢٢-٢٢٣، كما سيأتي في التخريج.
= قال: وكانت تسمية الأربعة عشر منهم الذين يؤول إليهم أمرهم:"العاقب"، وهو"عبد المسيح"، والسيد، وهو"الأيهم"، و"أبو حارثة بن علقمة" أخو بكر بن وائل، وأوس، والحارث، وزيد، وقيس، ويزيد، وُنبيه، وخويلد، وعمرو، (٣) وخالد، وعبد الله. ويُحَنَّس: في ستين راكبًا. فكلم رسولَ الله ﷺ منهم:"أبو حارثة بن علقمة"، و"العاقب"، عبد المسيح، و"الأيهم" السيد، وهم من النصرانية على دين الملك، (٤) مع اختلاف من أمرهم. يقولون:"هو الله"، ويقولون:"هو ولد الله"، ويقولون:"هو ثالث ثلاثة"، وكذلك قول النصرانية.
فهم يحتجون في قولهم:"هو الله"، بأنه كان يُحيي الموتى، ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طائرًا، وذلك كله بإذن الله، ليجعله آية للناس. (٥)
(٢) ما بين القوسين زيادة لا بد منها، من نص ابن هشام. والحبرات (بكسر الحاء وفتح الباء) جمع حبرة (بكسر الحاء وفتح الباء) : وهو ضرب موشى من برود اليمن منمر، وهو من جياد الثياب.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: "وخويلد بن عمرو"، وهو خطأ، صوابه من ابن هشام.
(٤) في المطبوعة والمخطوطة: "وهو من النصرانية"، والصواب من ابن هشام.
(٥) في ابن هشام: "ولنجعله آية للناس"، كنص الآية.
ويحتجون في قولهم:"إنه ثالث ثلاثة"، بقول الله عز وجل:"فعلنا، وأمَرنا، وخلقنا، وقضينا". فيقولون:"لو كان واحدًا ما قال: إلا"فعلت، وأمرتُ وقضيتُ، وخلقت"، ولكنه هو وعيسى ومريم".
ففي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن، وذكر الله لنبيه ﷺ فيه قولهم.
فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسلما! قالا قد أسلمنا. قال: إنكما لم تسلما، فأسلما! قالا بَلى قد أسلمنا قَبلك! قال: كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله عز وجل ولدًا، وعبادتكما الصليبَ، وأكلكما الخنزير. قالا فمنْ أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله ﷺ عنهما فلم يجبهما، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم كله، صدرَ"سورة آل عمران" إلى بضع وثمانين آية منها. فقال:"ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم"، (٢) فافتتح السورة بتبرئته نفسَه تبارك وتعالى مما قالوا، (٣) وتوحيده إياها بالخلق والأمر، لا شريك له فيه = رَدًّا عليهم ما ابتدعوا من الكفر، (٤) وجعلوا معه من الأنداد = واحتجاجًا عليهم بقولهم في صاحبهم، ليعرّفهم بذلك ضلالتهم، فقال:"اللهُ لا إله إلا هو"، أي: ليس معه شريك في أمره. (٥)
(٢) في المطبوعة والمخطوطة لم يذكر"ألم"، وأثبتها من ابن هشام.
(٣) في المطبوعة: "بتبرئة نفسه"، وأثبت ما في المخطوطة، وفي ابن هشام: "بتنزيه نفسه".
(٤) في المطبوعة والمخطوطة: "وردًا عليه" بواو العطف، وهو خطأ، والصواب من ابن هشام.
(٥) الأثر: ٦٥٤٣ - في ابن هشام: "ليس معه غيره شريك في أمره". والأثر رواه ابن هشام في سيرته مطولا، وسيأتي بعد تمامه في الآثار التالية. سيرة ابن هشام ٢: ٢٢٢-٢٢٥.
* * *
(٢) في المطبوعة والمخطوطة:
| "أن عيسى حملته امرأة | " والصواب"أمه"، كما في الدر المنثور والبغوي. |
تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
هِيَ مَدَنِيَّةٌ؛ لِأَنَّ صَدْرَهَا (١) إِلَى ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْهَا نَزَلَتْ فِي وَفْدِ نَجْرَانَ، وَكَانَ قُدُومُهُمْ فِي سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ تَفْسِيرِ آيَةِ الْمُبَاهَلَةِ مِنْهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا وَرَدَ فِي فَضْلِهَا مَعَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ [سُورَةِ] (٢) الْبَقَرَةِ.
﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزلَ التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنزلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤)﴾
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي أَنَّ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وَ ﴿الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ عِنْدَ تَفْسِيرِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الم﴾ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿نزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ يَعْنِي: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ يَا مُحَمَّدُ ﴿بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا رَيْبَ، بَلْ هُوَ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] (٣) أَنْزَلَهُ بِعَلَمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ، وَكَفَى بِاللَّهِ (٤) شَهِيدًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أَيْ: مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ الْأَنْبِيَاءِ، فَهِيَ تُصَدِّقُهُ بِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ وَبَشَّرَتْ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ، وَهُوَ يُصَدِّقُهَا؛ لِأَنَّهُ طَابَقَ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ وَبَشَّرَتْ، مِنَ الْوَعْدِ مِنَ اللَّهِ بِإِرْسَالِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْزَالِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنزلَ التَّوْرَاةَ﴾ أَيْ: عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] (٥) ﴿وَالإنْجِيلَ﴾ أَيْ: عَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ هَذَا الْقُرْآنِ. ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ أَيْ: فِي زَمَانِهِمَا ﴿وَأَنزلَ الْفُرْقَانَ﴾ وَهُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْغَيِّ وَالرَّشَادِ، بِمَا يَذْكُرُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْحُجَجِ وَالْبَيِّنَاتِ، وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ، وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَاتِ، وَيُبَيِّنُهُ وَيُوَضِّحُهُ وَيُفَسِّرُهُ وَيُقَرِّرُهُ، وَيُرْشِدُ إِلَيْهِ وَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: الْفُرْقَانُ هَاهُنَا الْقُرْآنُ. وَاخْتَارَ ابْنُ جرير أنه مصدر هاهنا؛ لتقدم ذكر
(٢) زيادة من أ.
(٣) زيادة من جـ، ر.
(٤) في جـ، ر: "به".
(٥) زيادة من جـ، أ.
تيسير الكريم الرحمن — السعدي
افتتحها تبارك وتعالى بالإخبار بألوهيته، وأنه الإله الذي لا إله إلا هو الذي لا ينبغي التأله والتعبد إلا لوجهه، فكل معبود سواه فهو باطل، والله هو الإله الحق المتصف بصفات الألوهية التي مرجعها إلى الحياة والقيومية، فالحي من له الحياة العظيمة الكاملة المستلزمة لجميع الصفات التي لا تتم ولا تكمل الحياة إلا بها كالسمع والبصر والقدرة والقوة والعظمة والبقاء والدوام والعز الذي لا يرام ﴿القيوم﴾ الذي قام بنفسه فاستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام بغيره فافتقرت إليه جميع مخلوقاته في الإيجاد والإعداد والإمداد، فهو الذي قام بتدبير الخلائق وتصريفهم، تدبير للأجسام وللقلوب والأرواح.
ومن قيامه تعالى بعباده ورحمته بهم أن نزل على رسوله محمد ﷺ الكتاب، الذي هو أجل الكتب وأعظمها المشتمل على الحق في إخباره وأوامره ونواهيه، فما أخبر به صدق، وما حكم به فهو العدل، وأنزله بالحق ليقوم الخلق بعبادة ربهم ويتعلموا كتابه ﴿مصدقا لما بين يديه﴾ من الكتب السابقة، فهو المزكي لها، فما شهد له فهو المقبول، وما رده فهو المردود، وهو المطابق لها في جميع المطالب التي اتفق عليها المرسلون، وهي شاهدة له بالصدق، فأهل الكتاب لا يمكنهم التصديق بكتبهم إن لم يؤمنوا به، فإن كفرهم به ينقض إيمانهم بكتبهم، ثم قال تعالى ﴿وأنزل التوراة﴾ أي: على موسى ﴿والإنجيل﴾ على عيسى.
﴿من قبل﴾ إنزال القرآن ﴿هدى للناس﴾ الظاهر أن هذا راجع لكل ما تقدم، أي: أنزل الله القرآن والتوراة والإنجيل هدى للناس من الضلال، فمن قبل هدى الله فهو المهتدي، ومن لم يقبل ذلك بقي على ضلاله ﴿وأنزل الفرقان﴾ أي: الحجج والبينات والبراهين القاطعات الدالة على جميع المقاصد والمطالب، وكذلك فصل وفسر ما يحتاج إليه الخلق حتى بقيت الأحكام جلية ظاهرة، فلم يبق لأحد عذر ولا حجة لمن لم يؤمن به وبآياته، فلهذا قال ﴿إن الذين كفروا بآيات الله﴾ أي: بعد ما بينها ووضحها وأزاح العلل ﴿لهم عذاب شديد﴾ لا يقدر قدره ولا يدرك وصفه ﴿والله عزيز﴾ أي: قوي لا يعجزه شيء ﴿ذو انتقام﴾ ممن عصاه.
﴿إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء﴾ وهذا فيه تقرير إحاطة علمه بالمعلومات كلها، جليها وخفيها، ظاهرها وباطنها، ومن جملة ذلك الأجنة في البطون التي لا يدركها بصر المخلوقين، ولا ينالها علمهم، وهو تعالى يدبرها بألطف تدبير، ويقدرها بكل تقدير، فلهذا قال -[١٢٢]- ﴿هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء﴾.
﴿هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء﴾ من كامل الخلق وناقصه، وحسن وقبيح، وذكر وأنثى ﴿لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ تضمنت هذه الآيات تقرير إلهية الله وتعينها، وإبطال إلهية ما سواه، وفي ضمن ذلك رد على النصارى الذين يزعمون إلهية عيسى ابن مريم عليه السلام، وتضمنت إثبات حياته الكاملة وقيوميته التامة، المتضمنتين جميع الصفات المقدسة كما تقدم، وإثبات الشرائع الكبار، وأنها رحمة وهداية للناس، وتقسيم الناس إلى مهتد وغيره، وعقوبة من لم يهتد بها، وتقرير سعة علم الباري ونفوذ مشيئته وحكمته.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٨ كتب)
إعراب الآية ١ من سورة آل عمران
من كتاب: إعراب القرآن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس بمصر في قول الله عزّ وجلّ:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)الم اللَّهُ وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد «١» وعاصم بن أبي النجود وأبو جعفر الرؤاسي الم اللَّهُ «٢» بقطع الألف. قال الأخفش سعيد: ويجوز الم اللَّهُ بكسر الميم لالتقاء الساكنين. قال أبو جعفر: القراءة الأولى قراءة العامة، وقد تكلّم فيها النحويون القدماء فمذهب سيبويه «٣» أن الميم فتحت لالتقاء الساكنين واختاروا لها الفتح لئلا يجمعوا بين كسرة وياء وكسرة قبلها. قال سيبويه: ولو أردت الوصل لقلت:
الم الله ففتحت الميم لالتقاء الساكنين كما فعلت بأين وكيف. قال الكسائي: حروف التهجّي إذا لقيتها ألف الوصل فحذفت ألف الوصل حرّكتها بحركة الألف فقلت: الم الله والم اذكروا والم اقتربت. وقال الفراء «٤» : الأصل: الم الله كما قرأ الرؤاسي ألقيت حركة الهمزة على الميم، وقال أبو الحسن بن كيسان: الألف التي مع اللام بمنزلة «قد» وحكمها حكم ألف القطع لأنهما حرفان جاءا لمعنى وإنما وصلت لكثرة الاستعمال فلهذا ابتدئت بالفتح. قال أبو إسحاق «٥» : الذي حكاه الأخفش من كسر الميم خطأ لا يجوز ولا تقوله العرب لثقله. الْحَيُّ الْقَيُّومُ وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه
(٢) انظر مختصر ابن خالويه ١٩
(٣) انظر الكتاب ٤: ٢٦٥
(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٩.
(٥) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٣٢٧.
عدّ الآي — ترقيم الآية عند مذاهب العدّ
كيف رقّمت مذاهب العدّ الستة هذه الآية
عَدُّ هذه الآية في مذاهبِ العدِّ الستَّة
سورة آل عمران، الآيةُ ١ في العدِّ الكوفيّ
رقمُ الآية في كلِّ عدّ
مواضعُ الخلافِ في هذه الآية
يَعُدُّه رأسَ آية
لا يَعُدُّه رأسَ آية
﴿الم﴾ آخِرُ هذه الآية: يَعُدُّه الكوفيّ رأسَ آية، ولا يَعُدُّه المدَنيَّان والمكِّيّ والبصريّ والدِمَشقيّ؛ فيَجعَلُها مع ما بعدَها آيةً واحدة.
ما مذاهبُ العدِّ الستَّة؟
مذاهبُ العدِّ الستَّةُ أوجُهٌ مرويَّةٌ في عدِّ آي القرآن الكريم عن أهلِ المدينةِ ومكَّةَ والكوفةِ والبصرةِ والشام، والخلافُ بينها إنَّما هو في مواضعِ الفواصلِ ورؤوسِ الآي، لا في شيءٍ من حروفِ القرآن ولا كلماتِه.
القراءاتُ التي تأخُذُ بكلِّ عدّ
- الكوفيّ: عاصم (شعبة وحفص) وحمزة (خلف وخلّاد) والكسائي (أبو الحارث والدوري الكسائي) وخلف العاشر (إسحاق وإدريس)
- المدَنيّ الأخير: نافع (قالون وورش)
- المدَنيّ الأوَّل: أبو جعفر (عيسى بن وردان وابن جمّاز)
- المكِّيّ: ابن كثير (البزي وقنبل)
- البصريّ: أبو عمرو (الدوري والسوسي) ويعقوب (رويس وروح)
- الدِمَشقيّ: ابن عامر (هشام وابن ذكوان)
والرقمُ المعتمَدُ في الموسوعة هو رقمُ العدِّ الكوفيّ؛ وهو عدُّ مصحفِ المدينةِ النبويَّةِ برواية حَفصٍ عن عاصم.
آيات مشابهة للآية ١ من سورة آل عمران
مواضع أخرى في القرآن تشبه ألفاظ هذه الآية
أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور
٧ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور
قراءات
٧ أقوالعن أُبَيِّ بن كعب أنّه قرأ: ﴿الحي القيّوم﴾١٢
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي خالد الكناني- أنّه كان يقرؤها: (الحَيُّ القَيّامُ)١
عن سليمان الأعمش، قال: في قراءة عبد الله بن مسعود: (الحَيُّ القَيّامُ)١
عن علقمة بن قيس -من طريق أبي مَعْمَر- أنّه كان يقرأ: (الحَيُّ القَيّامُ)١
عن علقمة بن قيس -من طريق أبي مَعْمَر- أنّه قرأ: (الحَيُّ القَيِّمُ)١
عن أبي مَعْمَر، قال: سمعتُ علقمة يقرأ: (الحَيُّ القَيِّمُ)، وكان أصحاب عبد الله يقرؤون: (الحَيُّ القَيّامُ)١
عن سليمان بن مهران الأعمش -من طريق أبي نُعيم- أنّه قرأ: (الحَيُّ القَيّامُ)١٢
وقفات تدبرية في الآية ١ من سورة آل عمران
وقفتانِ في هذه الآية
-
مجالس في تدبر القرآن سورة آل عمران ، آية 1-2
— خالد السبت
-
قيل في الحروف المقطعة أوائل السور : - إنها مما استأثر الله بعلمه. - إنها أسماء للسور المذكورة فيها. - إنها رموز تدل على بعض أسماء الله وصفاته. - إنها بيان لإعجاز القرآن ؛ فالقرآن مركب منها ، والخلق عاجزون عن الإتيان بمثله.
— عبدالهادي علي الشمراني
فتاوى متعلقة بالآية ١ من سورة آل عمران
فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية
ترجمات معاني الآية ١ من سورة آل عمران
ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً
(1) Alif, Lām, Meem.[113]
[113]- See footnote to 2:1.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال
- الإنجليزية
- الفرنسية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الألمانية
- الإيطالية
- التركية
- الإندونيسية
- الفلبينية
- الفارسية
- الأردية
- البنغالية
- الكردية
- البشتوية
- البوسنية
- الألبانية
- الأوكرانية
- الصينية
- الأويغورية
- اليابانية
- الكورية
- الفيتنامية
- الكازاخية
- الأوزبكية
- الأذرية
- الطاجيكية
- الهندية
- المليبارية
- الغوجراتية
- الماراتية
- التلجوية
- التاميلية
- السنهالية
- الأسامية
- الخميرية
- النيبالية
- التايلاندية
- الصومالية
- الهوساوية
- الأمهرية
- اليورباوية
- الأورومية
- الفنلندية
- ماراناو
- فلمكني (هولندية)
- النرويجية
- البولندية
- الرومانية
- الروسية
- تتاري
- السواحلية
- لغة الملايو
- تشيكي
- المالديفية
- السويدية
- العبرية
- الجورجية
- الصربية
- اللوغندية
- الإنكو بامبارا