كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ ؛ أي فإنْ خاصمُوكَ يا مُحَمَّدُ في الدِّين ؛ فَقُلْ : انْقَدْتُ للهِ وحدَهُ بلسانِي وجميعِ جوارحِي، وإنَّما خصَّ الوجهَ لأنه أكرمُ جوارحِ الإنسان وفيه بَهاؤُهُ وتعظيمُه، فإذا خضعَ وجههُ لشي فقد خضعَ له سائرُ جوارحهِ التي دونَ الوجهِ. قال الفرَّاء :(مَعْنَاهُ : أخْلَصْتُ عَمَلِي للهِ، وَالْوَجْهُ الْعَمَلُ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ في موضعِ رفعٍ عطفاً على إنِّي أسْلَمْتُ ؛ أي أسلمتُ وَمَنِ اتَّبَعَنِي أسلمَ أيضاً كما أسلمتُ، والأصلُ إثباتُ الياء في (تَبعَنِي) لكن حُذفت للتخفيفِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ ؛ الذينَ أُوتُوا الكِتَابَ همُ اليَهُودُ والنصارَى ؛ والأُمِّيُّونَ مشرِكو العرب ؛ أي قُلْ لَهُمْ أخْلَصْتُم كما أخلصنَا، ﴿فَإِنْ أَسْلَمُواْ﴾ اخلصُوا ؛ ﴿فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾ ؛ مِن الضلالِ ؛ ﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ﴾ ؛ عنِ الإِسلامِ وقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْزٌ ابْنُ اللهِ ؛ ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ ؛ بالرِّسَالةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ؛ أي عالِمٌ بمن يؤمنُ ومَن لا يؤمن، لا يفوتُه شيءٌ من أعمالِهم التي يُجازيهم بها.
قال الكلبيُّ :" لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ذكَرَ ذلِكَ لَهُمْ النَّبيُّ ﷺ ؛ فَقَالَ أهْلُ الْكِتَاب : أسْلَمْنَا، قَالَ النَّبيُّ ﷺ لِِلْيَهُودِ :" تشْهَدُونَ أنَّ عِيْسَى كَلِمَةُ اللهِ وَعَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ؟ " قَالُواْ : مَعَاذ اللهِ ؛ وَلَكِنَّهُ ابْنُ اللهِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :{ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ " ). { وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } أي عليمٌ بصير بمن يؤمنُ وبمَنْ لا يؤمنُ ؛ وبأهْلِ الثَّواب وبأهلِ العقَاب.
فإن قيلَ : قَوْلُهُ :(وَمَنِ اتَّبَعَنِي) عَطْفٌ على المضمرِ في قولهِ :(أسْلَمْتُ) والعربُ لا تعطفُ الظاهرَ على المضمرِ ؟ قيلَ : إنَّما لا تعطفُ إذا لم يكن بين الكلامَين فاصلٌ، أمَّا إذا كان بينَهما فاصلٌ جازَ.
قَوْلُهُ (أسْلَمْتُ) لفظهُ استفهامٌ ومعناهُ أمْرٌ ؛ أي أسْلِمُوا كقولهِ تعالى :﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾[المائدة: ٩١] أي انْتَهُوا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى