الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
وفَتَح الياءَ مِنْ " وجهي " هنا وفي الأنعام نافع وابن عامر وحفص، وسَكَّنها الباقون.
قوله :﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ في محلِّ " مَنْ " أوجهٌ :
أحدُها : الرفعُ عطفاً على التاءِ في " أَسْلَمْتُ "، وجاز ذلك لوجودِ الفصلِ بالمفعولِ، قاله الزمخشري وبه بَدَأَ، وكذلك ابنُ عطية. قال الشيخُ :" ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ على ظاهِرِهِ ؛ لأنه إذا عُطِفَ على الضميرِ في نحو :" أَكلتُ رغيفاً وزيدٌ " لَزِمَ مِنْ ذلك أَنْ يَكونا شريكَيْنِ في أكلِ الرغيف، وهنا لا يَسُوغُ [ فيه ] ذلك لأنَّ المعنى ليس على : أَسْلَمُوا هم وهو ﷺ وجهَه لله، بل المعنى على أنَّه ﷺ أَسْلَمَ وجهَهُ لله، وهم أَسْلموا وجوهَهم لله، فالذي يَقوَى في الإِعرابِ أنه معطوفٌ على الضمير محذوفٌ منه المفعولُ، لا مشارِكٌ في مفعولِ " أَسْلَمْتُ " والتقديرُ :" وَمَنِ اتَّبَعَنِي وجهَه أو أنه مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ، لدلالةِ المعنى عليه، والتقديرُ : ومَنِ اتَّبعني كذلك أي : أَسْلَموا وجوهَهم لله، كما تقول :" قَضَى زيدٌ نَحْبَهُ وعَمروٌ " أي : وعمروٌ كذلك، أي : قَضَى نَحْبَه ".
قلت : إنَّما صَحَّ في نحوِ :" أكلتُ رغيفاً وزيدٌ " المشاركةُ لإِمكانِ ذلك، وأمَّا نحوُ الآيةِ الكريمةِ فلا يَتَوَهَّمُ أحدٌ فيه المشاركةَ.
الثاني : أنه مرفوعٌ بالابتداءِ والخبرُ محذوفٌ كما تقدَّم تقريرُهُ.
الثالث : أنه منصوبٌ على المعيَّة، والواوُ بمعنى مع، أي : أَسْلَمْتُ وجهيَ لله مع مَنِ اتَّبعني، قاله الزمخشري أيضاً. قال الشيخُ :" ومِن الجهة التي امتَنَعَ عَطْفُ " ومَنْ " على الضمير إذا حَمَلَ الكلامَ على ظاهِرِهِ دونَ تأويلٍ يمتنعُ كونُ " مَنْ " منصوباً على أنه مفعولٌ معه، لأنَّك إذا قلت :" أكلتُ رغيفاً وعمراً " أي : مع عمرٍو دَلَّ ذلك على أنه مشارِكٌ لك في أَكْلِ الرغيف، وقد أجاز الزمخشري هذا الوجه، وهو لا يجوزُ لِما ذكرنا على كلِّ حال ؛ لأنه لا يجوزُ حَذْفُ المفعولِ مع كونِ الواوِ واوَ " مع " البتة ". قلت : فَهْمُ المعنى وعَدَمُ الإِلباسُ يُسَوِّغُ ما ذكرَهُ الزمخشري، وأيُّ مانِعٍ من أنَّ المعنى : فقل : أسلمتُ وجهيَ لله مصاحباً لِمَنْ أسلمَ وجهَهُ لله أيضاً، وهذا معنًى صحيح مع القولِ بالمعية.
الرابع : أنَّ محلَّ " مَنْ " الخفضُ نَسَقاً على اسمِ الله تبارك وتعالى، وهذا الإِعرابُ وإنْ كان ظاهرُهُ مُشْكلاً، فقد يُؤَوَّل على معنى : جَعَلْتُ مَقْصَدِي لله بالإِيمانِ به والطاعةِ له ولِمَنْ اتَّبعني بالحفظِ له، والتحفِّي بعلمه وبرأيه وبصحبته.
وقد أثبت الياءَ في " اتَّبعني " نافع وأبو عمرو وصلاً وَحَذفاها وقفاً، والباقون حَذَفُوها فيهما موافقةً للرسم، وحَسَّن ذلك أيضاً كونُها فاصلةً ورأسَ آية نحو :" أَكْرَمَن وأهانَن " وعليه قولُ الأعشى :
وهل يَمْنَعُني ارتيادِي البلادَ مِنْ حَذَرِ الموتِ أَنْ يَأْتِيَنْ
وقال الأعشى أيضاً :
ومِنْ شانِىءٍ كاسِفٍ وجُههإذا ما انْتَسَبْتُ له أَنْكَرَنْ
قال بعضُهم :" يكثُرَ حذفُ هذه الياءِ مع نونِ الوقاية خاصة، فإنْ لم تكن نونٌ فالكثيرُ إثباتها ".
قوله :﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ صورتُه استفهامٌ ومعناهُ الأمرُ، أي : أَسْلَموا، كقوله تعالى :﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ أي : انتهوا، قال الزمخشري :" يعني أنه قد أتاكم من البيِّنات ما يوجِبُ الإِسلامَ ويقتضي حصولَه لا محالَة، فهل أسلمتم بعدُ، أم أنتم على كفركِم ؟ وهذا كقولِك لِمَنْ لَخَّصْتَ له المسألةَ ولم تُبْقِ من طرق البيان والكشفِ طريقاً إلاَّ سَلَكْتَه : هل فهمتها أم لا، لا أُمَّ لك ؟ ومنه قولُه عز وجل :﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] بعدَ ما ذَكَرَ الصَّوارِفَ عن الخمرِ والميسرِ، وفي هذا الاستفهامِ استقصاءٌ وتعبيرٌ بالمعانَدَةِ وقِلَّةِ الإِنصافِ، لأنَّ المنصفَ إذا تجَلَّتْ لَه الحُجَّةُ لم يتوقَّف إذعانُه للحق " وهو كلامٌ حسنٌ جداً، وقوله :﴿فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾ دَخَلَت " قد على الماضِي مبالغةً في تحقُّق وقوعِ الفعلِ وكأنَّه قد قَرُبَ من الوقوعِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى