زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَإنْ حَاجُّوكَ﴾ أي : جادلوك، وخاصموك. قال مقاتل : يعني اليهود، وقال ابن جرير : يعني نصارى نجران في أمر عيسى، وقال غيرهما : اليهود والنصارى. ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي للَّهِ﴾ قال الفراء : معناه : أخلصت عملي، وقال الزجاج : قصدت بعبادتي إلى الله.
قوله تعالى :﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أثبت الياء في الوصل دون الوقف أهل المدينة والبصرة، وابن شنبوذ عن قنبل، ووقف ابن شنبوذ ويعقوب بياء. قال الزجاج : والأحب إليّ اتباع المصحف. وما حذف من الياءات في مثل قوله تعالى :﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ و﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ﴾ و﴿رَبّي أَكْرَمَنِ﴾ و﴿رَبّي أَهَانَنِ﴾. فهو على ضربين. أحدهما : ما كان مع النون، فإن كان رأس آية، فأهل اللغة يجيزون حذف الياء، ويسمون أواخر الآي الفواصل، كما أجازوا ذلك في الشعر.
قال الأعشى :
ومن شانئ كاسف بالهإذا ما انتسبت له أنكرن
وهل يمنعني ارتيادي البلاد من حذر الموت أن يأتين
فأما إذا لم يكن آخر آية أو قافية، فالأكثر إثبات الياء، وحذفها جيد أيضا، خاصة مع النونات، لأن أصل " اتبعني " " اتبعي "، ولكن " النون " زيدت لتسلم فتحة العين، فالكسرة مع النون تنوب عن الياء، فأما إذا لم تكن النون، نحو غلامي، وصاحبي فالأجود إثباتها، وحذفها عند عدم النون جائز على قلته، تقول : هذا غلام، قد جاء غلامي، وغلامي بفتح الياء وإسكانها، فجاز الحذف، لأن الكسرة تدل عليها.
قوله تعالى :﴿وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ يريد اليهود والنصارى ﴿والأْمّيّينَ﴾ بمعنى مشركي العرب، وقد سبق في البقرة شرح هذا الاسم.
قوله تعالى ﴿أأَسْلَمْتُمْ﴾ قال الفراء : هو استفهام ومعناه الأمر، كقوله تعالى :﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١].
فصل : اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فذهبت طائفة إلى أنها محكمة، و أن المراد بها تسكين نفس النبي ﷺ، عند امتناع من لم يجبه، لأنه كان يحرص على إيمانهم، ويتألم من تركهم الإجابة. وذهبت طائفة إلى أن المراد بها الاقتصار على التبليغ، وهذا منسوخ بآية السيف.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى