المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
﴿حاجوك﴾ فاعلوك من الحجة والضمير في ﴿حاجوك﴾ لليهود ولنصارى نجران والمعنى : إن جادلوك وتعنتوا بالأقاويل المزورة، والمغالطات فاسند(١) إلى ما كلفت من الإيمان والتبليغ وعلى الله نصرك. وقوله ﴿وجهي﴾ يحتمل أن يراد به المقصد كما تقول خرج فلان في وجه كذا فيكون معنى الآية : جعلت مقصدي لله، ويحتمل أن يكون معنى الآية، أسلمت شخصي وذاتي وكليتي وجعلت ذلك لله، وعبر بالوجه إذ الوجه أشرف أعضاء الشخص وأجمعها للحواس، وقد قال حذاق المتكلمين في قوله تعالى :﴿ويبقى وجه ربك﴾(٢) أنها عبارة عن الذات، و ﴿أسلمت﴾ في هذا الموضع بمعنى دفعت وأمضيت وليست بمعنى دخلت في السلم لأن تلك لا تتعدى، وقوله تعالى ﴿ومن اتبعن﴾ في موضع رفع عطف على الضمير في ﴿أسلمت﴾ ويجوز أن يكون مبتدأ أي ﴿ومن اتبعن﴾ أسلم وجهه، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون في موضع خفض عطفاً على اسم الله تعالى كأنه يقول : جعلت مقصدي لله بالإيمان به والطاعة له، ولمن اتبعن بالحفظ له والتحفي(٣) بتعليمه وصحبته لك في ﴿اتبعن﴾ حذف الياء وإثباتها وحذفها أحسن اتباعاً لخط المصحف، وهذه النون إنما هي لتسليم فتحة لام الفعل فهي مع الكسرة تغني عن الياء لا سيما إذا كانت رأس آية، فإنها تشبه قوافي الشعر كما قال الأعشى :[ المتقارب ]
وَهَلْ يَمْنَعَنّ ارتياد البِلا. . . دِ منْ حَذَرِ الْمَوت أنْ يَأْتِيَنْ(٤)
فمن ذلك قوله تعالى :﴿ربي أكرمن﴾(٥) فإذا لم تكن نون فإثبات الياء أحسن، لكنهم قد قالوا : هذا غلام قد جاء فاكتفوا بالكسرة دلالة على الياء(٦)، و﴿الذين أوتوا الكتاب﴾ في هذا الموضع يجمع اليهود والنصارى باتفاق، والأميون هم الذين لا يكتبون وهم العرب في هذه الآية، وهذه النسبة هي إلى الأم أو إلى الأمة أي كما هي الأم، أو على حال خروج الإنسان عن الأم أو على حال الأمة الساذجة قبل التعلم والتحذق، وقوله :﴿أأسلمتم﴾ تقرير في ضمنه الأمر كذا قال الطبري وغيره، وذلك بين(٧)، وقال الزجاج ﴿أأسلمتم﴾ تهديد، وهذا حسن، لأن المعنى أأسلمتم أم لا ؟ وقوله تعالى :﴿فقد اهتدوا﴾ وجاءت العبارة بالماضي مبالغة في الإخبار بوقوع الهدى لهم وتحصله.
وقوله تعالى :﴿فإنما عليك البلاغ﴾ ذكر بعض الناس أنها آية موادعة وأنها مما نسخته آية السيف.
قال أبو محمد : وهذا يحتاج أن يقترن به معرفة تاريخ نزولها، وأما على ظاهر نزول هذه الآية في وقت وفد نجران فإنما المعنى ﴿فإنما عليك البلاغ﴾ بما فيه قتال وغيره، و ﴿البلاغ﴾ مصدر بلغ بتخفيف عين الفعل، وفي قوله تعالى :﴿والله بصير بالعباد﴾ وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين(٨).
١ - سندت إلى الشيء أسند سنودا واستندت بمعنى..
٢ - من الآية (٢٧) من سورة الرحمان..
٣ - التحفي: الاهتمام والاحتفال، والحفاوة: المبالغة في السؤال عن الرجل والعناية بأمره..
٤ - البيت من قصيدة قالها يمدح بها قيس بن معدي كرب الكندي؛ وارتياد البلاد: كثرة التجول في أنحائها، وطلب الحاجات وتلمسها فيها، يقول: هل يمنعني ارتيادي البلاد من أن أحذر الموت أن يأتيني؟ وهو من قصيدة مطلعها:
لعمرك ما طول هذا الزمن على المرء إلا عناء معن.

٥ - من الآية (١٥) من سورة الفجر..
٦ - أي: إثبات الياء كما جاء في بعض النسخ. قال الزمخشري: [ومن اتبعن] عطف على التاء في [أسلمت]، وحسن للفاصل.
وقال ابن كثير: [ومن اتبعن] أي على ديني يقول مقالتي، كما قال تعالى: [قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني]..

٧ - ما بين القوسين زيادة عن بعض النسخ..
٨ - قال ابن كثير في تفسيره بعد أن انتهى من تفسير هذه الآية: "وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى