تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٢٠ وقوله تعالى :﴿فإن حاجوك﴾، ولم يقل : في ماذا يحاجون ؟ فيحتمل، والله أعلم، أن يكون هذا بعدما علم الله أنهم لا يؤمنون، ولا يقبلون الحجة، أمره بترك المحاجة بقوله :﴿فقل أسلمت وجهي لله﴾ وكذلك ﴿ومن اتبعن﴾ أسلموا أنفسهم لله كقوله :﴿فتول عنهم﴾ [الذاريات: ٤٥] [ وقوله ](١) :﴿فأعرض عنهم﴾ [ النساء : ٦٣ و. . ] إياسة عن إيمانهم، وأمره بترك المحاجة معهم.
وقوله تعالى :﴿فقل أسلمت وجهي لله﴾ أي أخلصت، ثم يحتمل قوله :﴿وجهي لله﴾ أي نفسي لله، لا أشرك فيها أحدا، ولا أجعل لغير الله فيها على ما جعل الكفار في أنفسهم شركاء وأربابا.
قال الشيخ، رحمه الله تعالى : وقيل : الإسلام أن يجعل نفسه بكليتها(٢) لله تعالى سالمة لا شركة فيها لأحد(٣) كما قال :
﴿ورجلا سلما لرجل﴾(٤) [الزمر: ٢٩]. والإيمان هو التصديق لشهود الربوبية لله من نفسه وغيره، لأنه ما من شيء إلا وفيه شهادة الربوبية.
وقوله تعالى :﴿ومن اتبعن﴾ أي من اتبع ديني فقد أسلموا أنفسهم لله تعالى أيضا لم يشركوا فيها شركاء وأربابا، ويحتمل قوله :﴿وجهي لله﴾ أي أسلمت أمر ديني [ وعملي لله، وكذلك ﴿ومن اتبعن﴾ واتبع ديني ](٥) فقد أسلموا [ أنفسهم وأعمالهم ](٦) وأمورهم لله كقوله تعالى :﴿وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد﴾ [غافر: ٤٤] وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه :( ومن تبعني )(٧) أي ومن معي.
وقوله تعالى :﴿وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين﴾ قيل : الذين ﴿أوتوا الكتاب﴾ اليهود والنصارى ﴿والأميين﴾ العرب الذين [ لا ](٨) يقرؤون الكتاب، ولا لهم كتاب ﴿أأسلمتم﴾ أنتم لله كما أسلمت أنا وجهي لله ومن اتبعني ؟ ﴿فإن أسلموا فقد اهتدوا﴾ وأخلصوا وجوههم لله وأعمالهم ﴿وإن تولوا فإنما عليك البلاغ﴾ أي إن أبوا أن يسلموا فليس عليك إلا البلاغ، [ كقوله :﴿ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء﴾ [ الأنعام : ٥٢[ وكقوله :﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ [الشورى: ٤٨] ](٩) وكقوله :﴿عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾ [الرعد: ٤٠].
وقوله تعالى :﴿والله بصير بالعباد﴾ هو حرف وعيد، وقيل :﴿بصير﴾ غير غافل، وقيل :﴿بصير﴾ بجزاء أعمالهم، وقيل :﴿بصير﴾ بما أسروا، وأعلنوا، وفي كل وجه وعيد.
قال الشيخ، رحمه الله تعالى : في قوله :﴿فإن حاجوك﴾ فلم يبين في ماذا ؟ وقد يجوز ترك الإخبار عن القصة بوجهين :
أحدهما : بعلم أهله.
والثاني : بما في الجواب. دليله : قوله :﴿يستفتونك﴾ [ النساء : ١٢٧ و. . ] و﴿يسألونك﴾ [ البقرة : ١٨٩ و. . ] في غير موضع على غير البيان أنه
عم ذا ؟ وهو، والله أعلم، داخل ذانك الوجهين. ثم يحتمل أن تكون المحاجة قد كثرت في ما قال { فإن حاجوك{ والحجة قد ظهرت فيه، فكانوا يعودون إليها مرة بعد مرة عود تعنت وعناد، فأكرم الله رسوله بالإعراض عن محاجتهم ذلك بما ظهر [ من ](١٠) تعنتهم، فقال :{ فقل أسلمت وجهي لله } على الإعراض عن محاجتهم، والله أعلم. وعلى ذلك يخرج معنى الأمر بالتولي عنهم في غير موضع. ويحتمل أن تكون المحاجة في عبادة الواحد القهار والأوثان التي كانوا [ يعبدونها من دون الله ](١١) فبين، جل ثناؤه، في ذلك بالذي يقول لهم هو ومن اتبعه على ذلك نحو قوله تعالى :﴿لكم دينكم ولي دين﴾ [الكافرون: ٦] وقوله :﴿لا حجة بيننا وبينكم﴾ الآية [الشورى: ١٥] ونحو ذلك، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: لكليتها..
٣ في الأصل وم: أحد..
٤ في الأصل وم: سالما وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، انظر حجة القراءات ص (٦٢١)..
٥ من م..
٦ في الأصل: أعمالهم، في م: أنفسهم..
٧ انظر حجة القراءات ص (١٥٨)..
٨ من م..
٩ من م..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ في الأصل: يعبدونها من دون، في م: يعبدون من دون الله..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى