اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
لما ذكر حال من يُعْرِض ويتولّى وصفهم في هذه الآيةِ بثلاثِ صفاتٍ :
الأولى قوله :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ لما ضمن هذا الموصول معنى الشرط دخلت الفاء في خبره وهو قوله :﴿فَبَشِّرْهُم﴾، وهذا هو الصحيح، أعني
أنه إذا نُسِخَ المبتدأ ب " إنَّ " فجواز دخول الفاء باقٍ ؛ لأن المعنى لم يتغير، بل ازداد تأكيداً، وخالف الأخفش، فمنع دخولها من نسخه ب " إنَّ " والسماع حُجَّةٌ عليه كهذه الآية، وكقوله :﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ الآية
[البروج: ١٠]، وكذلك إذا نُسِخَ ب " لَكِنَّ " كقوله :[ الطويل ]
وكذلك إذا نُسِخ ب " أنَّ " - المفتوحة - كقوله :﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، [الأنفال: ٤١] أما إذا نُسِخ ب " لَيْتَ "،
و " لَعَلَّ " و " كَأنَّ " امتنعت الفاءُ عند الجميع ؛ لتغيُّرِ المعنى.
المراد بهؤلاء الكفارِ اليهودُ والنصارى.
فإن قيل : ظاهر هذه الآيةِ يقتضي كونَهم كافرين بجميع آيات الله - تعالى -، واليهود والنصارى، كانوا مقرِّين بالصانع وعلمِه وقدرته والمعادِ.
الجواب : أن تُصْرَفَ الآياتُ إلى المعهود السابق - وهو القرآن ومحمد - أو نحمله على العموم، ونقول : إن من كذب بنبوة محمد - عليه السلام - يلزمه أن يُكذب بجميع آيات الله تعالى.
الصفة الثانية : قوله :﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ قرأ الحسن هذه والتي بعدها بالتشديد ومعناه : التكثير، وجاء - هنا - ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ منكَّراً، وفي البقرة ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١] معرَّفاً قيل : لأن الجملة - هنا - أخرجت مخرَجَ الشرط - وهو عام لا يتخصَّص - فلذلك ناسبَ أن تذكر في سياق النفي ؛ لتعمَّ.
وأما في البقرة فجاءت الآية في ناسٍ معهودين، مختصين بأعيانهم، وكان الحق الذي يُقْتَل به الإنسان معروفاً عندهم، فلم يقصد هذا العموم الذي هنان فجِيء في كل مكان بما يناسبه.
روى أبو عبيدة بنُ الجراح، قال : قلت : يا رسولَ الله، أيُّ الناسِ أشَدُّ عذاباً يَوْمَ القيامةِ ؟ قال : رجل قتل نبيًّا، أو رجلاً أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقرأ هذه الآية، ثم قال : يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثةً وأربعين نبيًّا، من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل، واثنا عشر رجلاً من عُبَّادِ بني إسرائيلَ، فأمَرُوا قَتَلَتَهُمْ بالمعروفِ، ونَهَوْهُمْ عن المنكر، فقُتِلوا جميعاً من آخرِ النَّهَارِ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، فَهُم الَّذينَ ذَكَرَهُمُ اللهُ تعالى(٢).
وأيضاً القوم قتلوا يحيى بن زكريا، وزعموا أنهم قتلوا عيسى ابن مريم.
فإن قيل : قوله :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ في حكم المستقبل ؛ لأنه كان وعيداً لمن كان في زمن الرسول ﷺ ولم يقع منهم قتل الأنبياء، ولا الآمرين بالقسط، فكيف يَصِحُّ ذلك ؟
فالجوابُ من وجهين :
أحدهما : أن هذه لما كانت طريقة أسلافِهم صحَّت الإضافة إليهم ؛ إذْ كانوا مُصَوِّبِينَ لهم، راضين بطريقتهم، فإن صُنْعَ الأب قد يُضاف إلى الابن، إذا كان راضياً به.
الثاني : أن القوم كانوا يريدون قَتلَ رسول الله ﷺ وقتلَ المؤمنين، إلا أن الله - تعالى - عَصَمَه منهم، فلما كانوا راغبين في ذلك صحَّ إطلاق هذا الاسم عليهم - على سبيل المجاز - كما يقال : النار مُحْرِقةٌ، السَّمُّ قاتل.
فإن قيل : قَتْل الأنبياء لا يصح أن يكون إلا بغير حق، فما فائدة قوله :﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ؟
فالجوابُ تقدم في البقرة، وأيضاً يجوز أن يكون قصدوا بقتلهم أنها طريقة العدل عندهم.
فإن قيل : قوله :﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ ظاهره يُشْعِر بأنهم قتلوا كُلَّ النبيِّين، ومعلوم أنهم ما قتلوا الكل، ولا الأكثر، ولا النصف.
فالجواب أن الألف واللام هنا للعَهْد، لا للاستغراق.
الصفة الثالثة : قوله :﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ﴾ قرأ حمزة(٣) " وَيُقَاتِلُونَ " - من المقاتلة - والباقون " وَيَقْتُلُونَ " - كالأول.
فأما قراءةُ حمزةَ فإنه غاير فيها بين الفعلين، وهي موافقة لقراءة عبد الله(٤) " وَقَاتَلُوا " - من المقاتلة - إلا أنه أتى بصيغة الماضي، وحمزة يحتمل أن يكون المضارع - في قراءته - لحكاية الحال، ومعناه : المُضِيّ.
وأما الباقون فقيل - في قراءتهم - : إنما كرر الفعل ؛ لاختلاف متعلَّقه، أو كُرِّرَ ؛ تأكيداً، وقيل : المراد بأحد القتلَيْن إزهاق الروح، وبالآخر الإهانة، وإماتة الذكر، فلذلك ذكر كل واحد على حدته، ولولا ذلك لكان التركيبُ : ويقتلون النَّبِيِّينَ والذين يأمرون، وبهذا التركيب قرأ أبَيّ. (٥)
قوله :﴿مِنَ النَّاسِ﴾ إما بيان، وإما للتبعيض، وكلاهما معلوم أنهم من الناس، فهو جَارٍ مَجْرَى التأكيد.
قال القرطبيُّ :" دلت هذه الآيةُ على أن الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجباً في الأمم المتقدمةِ، وهو فائدة الرِّسالةِ وخلافة النبوة ".
قال الحسنُ : قال النبي ﷺ :" مَنْ أمَرَ بِالْمَعْرُوفِ، أو نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، فَهُوَ خَلِيفَةُ اللهِ في أرْضِهِ، وَخَلِيفَةُ رَسُولِهِ، وَخِلِيفَةُ كِتَابِهِ ".
وعن دُرَّةَ بِنْتِ أبِي لَهَب، قالت :" جاء رجل إلى النبيِّ ﷺ وهو على المنبر - فقال : مَنْ خيرُ الناس يا رسول الله ؟ قال : آمَرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وأنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأتْقَاهُمْ لله، وَأوْصَلُهُمْ لِرَحِمِهِ ".
قد ورد في التنزيل :﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٦٧]، ثم قال :
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١].
فجعل - تعالى - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقاً بين المؤمنين والمنافقين، فدل ذلك على أن أخَصَّ أوصاف المُؤمِن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه، ثم إن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يليق بكل أحد، وإنما يقوم به السلطانُ ؛ إذْ كانت إقامةُ الحدودِ إليه، والتعزير إلى رأيه، والحبس والإطلاق له، والنفي والتغريب، فينصب في كل بلدة رجلاً قويًّا، عالماً، أميناً، ويأمره بذلك، ويُمْضِي الحدودَ على وَجْهها من غير زيادةٍ، كما قال تعالى :﴿الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١].
قال الحسنُ : هذه الآيةُ تدل على أن القائمَ بالأمْر بالمعروف والنهي عن المنكر - عند الخوف - تلي منزلته - في العِظَم - منزلةَ الأنبياء، ورُوِيَ أنَّ رَجُلاً قام إلى رسول الله ﷺ بمِنًى - فقال :" أيُّ الجهاد أفضلُ ؟ فقال عليه السلام :" أفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَق عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائرٍ ". (٦)
قال ابن جريج(٧) : كان الوحي يأتي إلى أنبياء بني إسرائيل - ولم يكن يأتيهم كتابٌ - فيذكِّرُون قومَهم فيُقْتلون، فيقوم رجال ممن تَبِعهم وصدَّقهم، فيذكرون قومَهم، فيُقْتَلون - أيضاً - فهم الذين يأمرون بالقسط من الناس.
الأولى قوله :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ لما ضمن هذا الموصول معنى الشرط دخلت الفاء في خبره وهو قوله :﴿فَبَشِّرْهُم﴾، وهذا هو الصحيح، أعني
أنه إذا نُسِخَ المبتدأ ب " إنَّ " فجواز دخول الفاء باقٍ ؛ لأن المعنى لم يتغير، بل ازداد تأكيداً، وخالف الأخفش، فمنع دخولها من نسخه ب " إنَّ " والسماع حُجَّةٌ عليه كهذه الآية، وكقوله :﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ الآية
[البروج: ١٠]، وكذلك إذا نُسِخَ ب " لَكِنَّ " كقوله :[ الطويل ]
| فَوَاللهِ مَا فَارَقْتُكُمْ عَنْ مَلاَلَةٍ | وَلَكِنَّ مَا يُقْضَى فَسَوْفَ يَكُونُ(١) |
و " لَعَلَّ " و " كَأنَّ " امتنعت الفاءُ عند الجميع ؛ لتغيُّرِ المعنى.
فصل
المراد بهؤلاء الكفارِ اليهودُ والنصارى.
فإن قيل : ظاهر هذه الآيةِ يقتضي كونَهم كافرين بجميع آيات الله - تعالى -، واليهود والنصارى، كانوا مقرِّين بالصانع وعلمِه وقدرته والمعادِ.
الجواب : أن تُصْرَفَ الآياتُ إلى المعهود السابق - وهو القرآن ومحمد - أو نحمله على العموم، ونقول : إن من كذب بنبوة محمد - عليه السلام - يلزمه أن يُكذب بجميع آيات الله تعالى.
الصفة الثانية : قوله :﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ قرأ الحسن هذه والتي بعدها بالتشديد ومعناه : التكثير، وجاء - هنا - ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ منكَّراً، وفي البقرة ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١] معرَّفاً قيل : لأن الجملة - هنا - أخرجت مخرَجَ الشرط - وهو عام لا يتخصَّص - فلذلك ناسبَ أن تذكر في سياق النفي ؛ لتعمَّ.
وأما في البقرة فجاءت الآية في ناسٍ معهودين، مختصين بأعيانهم، وكان الحق الذي يُقْتَل به الإنسان معروفاً عندهم، فلم يقصد هذا العموم الذي هنان فجِيء في كل مكان بما يناسبه.
فصل
روى أبو عبيدة بنُ الجراح، قال : قلت : يا رسولَ الله، أيُّ الناسِ أشَدُّ عذاباً يَوْمَ القيامةِ ؟ قال : رجل قتل نبيًّا، أو رجلاً أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقرأ هذه الآية، ثم قال : يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثةً وأربعين نبيًّا، من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل، واثنا عشر رجلاً من عُبَّادِ بني إسرائيلَ، فأمَرُوا قَتَلَتَهُمْ بالمعروفِ، ونَهَوْهُمْ عن المنكر، فقُتِلوا جميعاً من آخرِ النَّهَارِ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، فَهُم الَّذينَ ذَكَرَهُمُ اللهُ تعالى(٢).
وأيضاً القوم قتلوا يحيى بن زكريا، وزعموا أنهم قتلوا عيسى ابن مريم.
فإن قيل : قوله :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ في حكم المستقبل ؛ لأنه كان وعيداً لمن كان في زمن الرسول ﷺ ولم يقع منهم قتل الأنبياء، ولا الآمرين بالقسط، فكيف يَصِحُّ ذلك ؟
فالجوابُ من وجهين :
أحدهما : أن هذه لما كانت طريقة أسلافِهم صحَّت الإضافة إليهم ؛ إذْ كانوا مُصَوِّبِينَ لهم، راضين بطريقتهم، فإن صُنْعَ الأب قد يُضاف إلى الابن، إذا كان راضياً به.
الثاني : أن القوم كانوا يريدون قَتلَ رسول الله ﷺ وقتلَ المؤمنين، إلا أن الله - تعالى - عَصَمَه منهم، فلما كانوا راغبين في ذلك صحَّ إطلاق هذا الاسم عليهم - على سبيل المجاز - كما يقال : النار مُحْرِقةٌ، السَّمُّ قاتل.
فإن قيل : قَتْل الأنبياء لا يصح أن يكون إلا بغير حق، فما فائدة قوله :﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ؟
فالجوابُ تقدم في البقرة، وأيضاً يجوز أن يكون قصدوا بقتلهم أنها طريقة العدل عندهم.
فإن قيل : قوله :﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ ظاهره يُشْعِر بأنهم قتلوا كُلَّ النبيِّين، ومعلوم أنهم ما قتلوا الكل، ولا الأكثر، ولا النصف.
فالجواب أن الألف واللام هنا للعَهْد، لا للاستغراق.
الصفة الثالثة : قوله :﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ﴾ قرأ حمزة(٣) " وَيُقَاتِلُونَ " - من المقاتلة - والباقون " وَيَقْتُلُونَ " - كالأول.
فأما قراءةُ حمزةَ فإنه غاير فيها بين الفعلين، وهي موافقة لقراءة عبد الله(٤) " وَقَاتَلُوا " - من المقاتلة - إلا أنه أتى بصيغة الماضي، وحمزة يحتمل أن يكون المضارع - في قراءته - لحكاية الحال، ومعناه : المُضِيّ.
وأما الباقون فقيل - في قراءتهم - : إنما كرر الفعل ؛ لاختلاف متعلَّقه، أو كُرِّرَ ؛ تأكيداً، وقيل : المراد بأحد القتلَيْن إزهاق الروح، وبالآخر الإهانة، وإماتة الذكر، فلذلك ذكر كل واحد على حدته، ولولا ذلك لكان التركيبُ : ويقتلون النَّبِيِّينَ والذين يأمرون، وبهذا التركيب قرأ أبَيّ. (٥)
قوله :﴿مِنَ النَّاسِ﴾ إما بيان، وإما للتبعيض، وكلاهما معلوم أنهم من الناس، فهو جَارٍ مَجْرَى التأكيد.
فصل
قال القرطبيُّ :" دلت هذه الآيةُ على أن الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجباً في الأمم المتقدمةِ، وهو فائدة الرِّسالةِ وخلافة النبوة ".
قال الحسنُ : قال النبي ﷺ :" مَنْ أمَرَ بِالْمَعْرُوفِ، أو نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، فَهُوَ خَلِيفَةُ اللهِ في أرْضِهِ، وَخَلِيفَةُ رَسُولِهِ، وَخِلِيفَةُ كِتَابِهِ ".
وعن دُرَّةَ بِنْتِ أبِي لَهَب، قالت :" جاء رجل إلى النبيِّ ﷺ وهو على المنبر - فقال : مَنْ خيرُ الناس يا رسول الله ؟ قال : آمَرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وأنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأتْقَاهُمْ لله، وَأوْصَلُهُمْ لِرَحِمِهِ ".
قد ورد في التنزيل :﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٦٧]، ثم قال :
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١].
فجعل - تعالى - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقاً بين المؤمنين والمنافقين، فدل ذلك على أن أخَصَّ أوصاف المُؤمِن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه، ثم إن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يليق بكل أحد، وإنما يقوم به السلطانُ ؛ إذْ كانت إقامةُ الحدودِ إليه، والتعزير إلى رأيه، والحبس والإطلاق له، والنفي والتغريب، فينصب في كل بلدة رجلاً قويًّا، عالماً، أميناً، ويأمره بذلك، ويُمْضِي الحدودَ على وَجْهها من غير زيادةٍ، كما قال تعالى :﴿الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١].
فصل
قال الحسنُ : هذه الآيةُ تدل على أن القائمَ بالأمْر بالمعروف والنهي عن المنكر - عند الخوف - تلي منزلته - في العِظَم - منزلةَ الأنبياء، ورُوِيَ أنَّ رَجُلاً قام إلى رسول الله ﷺ بمِنًى - فقال :" أيُّ الجهاد أفضلُ ؟ فقال عليه السلام :" أفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَق عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائرٍ ". (٦)
قال ابن جريج(٧) : كان الوحي يأتي إلى أنبياء بني إسرائيل - ولم يكن يأتيهم كتابٌ - فيذكِّرُون قومَهم فيُقْتلون، فيقوم رجال ممن تَبِعهم وصدَّقهم، فيذكرون قومَهم، فيُقْتَلون - أيضاً - فهم الذين يأمرون بالقسط من الناس.
١ البيت للأفوه الأودي ينظر الدرر ٢/٤٠، وأمالي القالي ١/٩٩، وأوضح المسالك ١/٣٤٨، وشرح الأشموني ١/١٠٨، وشرح التصريح ١/٢٢٥، وشرح قطر الندى ص ١٤٩، ومعجم البلدان ٢/٢٢٠ (الحجاز)، والمقاصد النحوية ٢/٣١٥، وهمع الهوامع ١/١١٠. والدر المصون ٢/٥١..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٨٦) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٣) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
٣ انظر: السبعة ٢٠٣، والكشف ١/٣٣٨، والحجة ٣/٢٣، وحجة القراءات ١٥٨، والعنوان ٧٨، وشرح الطيبة ٤/١٥١، وإعراب القراءات ١/١٠٩، وشرح شعلة ٣٠٩، ٣١٠، وإتحاف ١/ ٤٧٣..
٤ وبها قرأ الأعمش.
ينظر: المحرر الوجيز ١/٤١٥، والبحر المحيط ٢/٢٣٠، والدر المصون ٢/٥١، والتخريجات النحوية ٢٦٤، ٣٦٣..
٥ ينظر: البحر المحيط ٢/٤٣٠..
٦ أخرجه أبو داود (٢/٥٢٧- ٥٢٨) كتاب الملاحم باب الأمر والنهي برقم (٤٣٤٤) وابن ماجه (٢/١٣٢٩) كتاب الفتن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رقم (٤٠١١) والخطيب (٧/٢٣٨) عن أبي سعيد الخدري.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" كما في كنز العمال (٣/٧٨) رقم (٥٥٧٦) عن واثلة بن الأسقع..
٧ في أ: ابن جرير..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٨٦) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٣) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
٣ انظر: السبعة ٢٠٣، والكشف ١/٣٣٨، والحجة ٣/٢٣، وحجة القراءات ١٥٨، والعنوان ٧٨، وشرح الطيبة ٤/١٥١، وإعراب القراءات ١/١٠٩، وشرح شعلة ٣٠٩، ٣١٠، وإتحاف ١/ ٤٧٣..
٤ وبها قرأ الأعمش.
ينظر: المحرر الوجيز ١/٤١٥، والبحر المحيط ٢/٢٣٠، والدر المصون ٢/٥١، والتخريجات النحوية ٢٦٤، ٣٦٣..
٥ ينظر: البحر المحيط ٢/٤٣٠..
٦ أخرجه أبو داود (٢/٥٢٧- ٥٢٨) كتاب الملاحم باب الأمر والنهي برقم (٤٣٤٤) وابن ماجه (٢/١٣٢٩) كتاب الفتن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رقم (٤٠١١) والخطيب (٧/٢٣٨) عن أبي سعيد الخدري.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" كما في كنز العمال (٣/٧٨) رقم (٥٥٧٦) عن واثلة بن الأسقع..
٧ في أ: ابن جرير..