الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿تُولِجُ﴾ : كقولِهِ :" تُؤْتِي " وقد تقدَّم ما فيه، ويقال : وَلَجَ يَلِجُ وُلوجاً ولِجَةً كَعِدَةً ووَلْجاً كَوَعْدٍ، واتَّلَجَ يَتَّلِجُ اتِّلاجاً، والأصل : اوْتَلَجَ يَوْتَلِجُ اوْتِلاَجاً، فَقُلِبَتْ الواوُ تاءً قبلَ تاءِ الافتعالِ نحو : اتَّعَدَ يَتَّعِدُ اتِّعاداً قال الشاعر :
فإنَّ القوافِي تَتَّلِجْنَ مَوالِجاًتضايَقُ عنها أَنْ تَوَلَّجَها الإِبَرْ
والوُلوجُ : الدخولُ، والإِيلاجُ : الإِدْخال، ومعنى الآية على ذلك. وقول مَنْ قال معناه : النقص فإنما أراد أنه من باب اللازم، لأنه تبارك وتعالى إذا أَدْخَلَ مِنْ هذا في هذا فقد نَقَصَ من المأخوذِ منه المُدْخَلُ في ذلك الآخرِ، وزعم بعضُهم أن " تُولِج " بمعنى ترفع، وأن " في " بمعنى " على " وليس بشيء.
قوله :﴿مِنَ الْمَيِّتِ﴾ اختلف القُرَّاء في هذه اللفظة على مراتب : فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكرٍ عن عاصم لفظ " المَيْت " من غير تاء تأنيث مخففاً في جميع القرآن، وسواءً وُصِفَ به الحيوانُ نحو :﴿تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ أو الجمادُ نحو قوله تعالى :﴿إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾
[فاطر: ٩] ﴿لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧] منكَّراً أو معرَّفاً كما تقدَّم ذكره إلا قولَه تعالى :﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، وقولَه :
﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [ الآية : ١٧ ] في إبراهيم، مما لم يَمُتْ بعدُ فإن الكلَّ ثَقَّلوه، وكذلك لفظُ " الميتة " في قوله :﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾
[يس: ٣٣] دونَ الميتةِ المذكورةِ مع الدمِ فإنَّ تَيْكَ لم يشددها إلا بعضُ قُرَّاء الشواد، وقد تقدَّم ذكرُها في البقرة، وكذلك قولُهُ :﴿وَإِن يَكُن مَّيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٣٩] و ﴿بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ [الزخرف: ١١] و ﴿إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] فإنها مخففات عند الجميع. وثَقَّل نافع جميعَ ذلك، والأخوان وحفص عن عاصم وافقوا ابن كثير ومَنْ معه في الأنعام في قوله :
﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [ الآية : ١٢٢ ] وفي الحجرات :﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ [ الآية : ١٢ ]، و ﴿الأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ في يس، ووافقوا نافعاً فيما عدا ذلك، فجَمعوا بين اللغتين إيذاناً بأن كُلاًّ من القراءتين صحيحٌ، وهما بمعنًى، لأنَّ فَيْعِل يجوزُ تخفيفُه في المعتل بحذف إحدى يائيه فيقال : هَيْن وهيِّن ولَيْن وليِّن ومَيْت ومَيِّت، ومنه قولُ الشاعر فَجَمَعَ بين اللغتين :
ليسَ مَنْ ماتَ فاستراحَ بميْتٍإنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ
إنما المَيْتُ مَنْ يعيشُ كئيباًكاسِفاً بالُهُ قليلُ الرَّجاءِ
وزعم بعضهم أن " مَيْتاً " بالتخفيف لمَنْ وقع به الموت، وأنَّ المشدَّد يُستعمل فيمَنْ ماتَ ومَنْ لم يَمُتْ كقوله تعالى :﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾
[الزمر: ٣٠] وهذا مردودٌ بما تقدَّم من قراءةِ الأخَوين وحفص، حيث خَفَّفوا في موضعٍ لا يمكِنُ أن يرادَ به الموتُ وهو قولُهُ :﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً﴾ [الأنعام: ١٢٢] إذا المرادُ به الكفرُ مجازاً.
هذا بالنسبة إلى القُرَّاء، وإن شئت ضَبَطْتَه باعتبار لفظ " الميت " فقلت : هذا اللفظُ بالنسبة إلى قراءة السبعة ثلاثةُ أقسام : قسمٌ لا خلاف في تثقيله وهو ما لم يَمُتْ نحو ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ و ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾، وقسمٌ لا خلافَ في تخفيفه وهو ما تقدم في قوله :﴿الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ و ﴿إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً﴾ وقوله :﴿وَإِن يَكُن مَّيْتَةً﴾ وقوله ﴿فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ وقسمٌ فيه الخلافُ وهو ما عدا ذلك وقد تقدَّم تفصيلُهُ.
وقد تقدَّم أيضاً أن أصلَ ميِّت : مَيْوِت فأدغم، وأن في وزنِهِ خلافاً : هل وزنه فَيْعِل وهو مذهب البصريين أو فَعِيل وهو مذهب الكوفيين، وأصله : مَوِيت، قالوا : لأنَّ فَيْعِلاً مفقودٌ في الصحيح فالمعتلُّ أَوْلى ألاَّ يوجَد فيه. وأجاب البصريون عن قولهم بأنه لا نظير له في الصحيح بأنَّ قضاة في جمع " قاض " لا نظير له في الصحيح. وتفسيرُ هذا الجواب أنَّا لا نُسَلِّم أنَّ المعتل يلزم أن يكون له نظيرٌ من الصحيح، ويدل على عدمِ التلازم :
" قُضاة " جمع قاضٍ، وفي " قضاة " خلافٌ طويل ليس هذا موضعَ ذكره. واعتراض البصريون عليهم بأنه لو كان وزنه فَعِيلاً لوجَبَ أن يَصِحَّ كما صَحَّتْ نظائره من ذواتِ الواو نحو : طَوِيل وعَوِيل وقَوِيم، فحيثُ اعتلَّ بالقلبِ والإِدغامِ، امتنَعَ أَنْ يُدَّعى أنَّ أصلَه فَعِيل لمخالَفَةِ نظائره. وهو ردٌّ حسنٌ.
قوله :﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يجوز أن تكون الباء للحال من الفاعل أي : ترزقه وأنت لم تحاسِبْه، أي : لم تُضَيِّقْ عليه، أو من المفعول أي : غيرَ مُضَيِّقٍ عليه. وقد تقدَّمَ الكلامُ على مثل هذا مشبعاً في البقرة عند قوله تعالى :﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢] فَأَغْنَى عن إعادته.
واشتملت هذه الآيةُ على أنواعٍ من البديع، منها : التجنيس المماثل في قوله :" مالكَ المُلْك " تُؤتي المُلْكَ، وتَنْزِعُ الملك " ومنها : الطباقُ وهو الجمعُ بن متضادَّيْن أو شِبْهِهِمَا، وذلك في قوله :" تُؤْتي الملك وتَنْزِع " وفي " تُعِزُّ وتُذِلٌّ "، وفي قوله :" بيدك الخيرُ " أي : والشرُّ عند بعضهم، وفي قوله :" الليل والنهار " وفي قوله :" الحي والميت ". ومنها ردُّ الأعجازِ على الصدور، والصدور على الأعجاز في قوله :﴿وَتُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي الْلَّيْلِ﴾ وفي قولِهِ :﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ ونحوُهُ : عاداتُ الساداتِ ساداتُ العاداتِ ". وتضمَّنَتِ من المعاني التوكيدَ : بإيقاعِ الظاهِرِ موقعَ المضمر في قوله :" تؤتى الملك إلخ " وفي تجوُّزِهِ بإيقاعِ الحرفِ مَكانَ ما هو بمعناه، والحذفُ لفهمِ المعنى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى