روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
هذا ولما بين سبحانه أن إعطاء الملك والإعزاز من الله تعالى وأنه على كل شيء قدير نبه المؤمنين على أنه لا ينبغي أن يوالوا أعداء الله تعالى لقرابة أو صداقة جاهلية أو نحوهما أو أن لا يستظهروا بهم ؛لأنه تعالى هو المعز والقادر المطلق بقوله عز قائلاً :
﴿لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء﴾ قال ابن عباس : كان الحجاج بن عمرو، وكهمس بن أبي الحقيق، وقيس بن زيد، والكل من اليهود يباطنون نفراً من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر : اجتنبوا هؤلاء اليهود واحذروا/ لزومهم ومباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم وملازمتهم فأنزل الله هذه الآية، وقال الكلبي : نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار، ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى الآية، ونهى المؤمنين عن فعلهم. وروى الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدرياً نقيباً وكان له حلفاء من اليهود، فلما خرج رسول الله ﷺ يوم الأحزاب قال عبادة : يا نبي الله معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فاستظهر بهم على العدو فأنزل الله تعالى ﴿لاَّ يَتَّخِذِ﴾ الخ، والفعل مجزوم بلا النهاية، وأجاز الكسائي فيه الرفع على الخبر، والمعنى على النهي أيضاً وهو متعد لمفعولين، وجوز أن يكون متعدياً لواحد، فأولياء، مفعول ثان، أو حال وهو جمع ولي بمعنى الموالي، من الولي وهو القرب، والمراد لا يراعوا أموراً كانت بينهم في الجاهلية بل ينبغي أن يراعوا ما هم عليه الآن مما يقتضيه الإسلام من بغض وحب شرعيين يصح التكليف بهما، وإنما قيدنا بذلك لما قالوا : إن المحبة لقرابة أو صداقة قديمة أو جديدة، خارجة عن الاختيار معفوة، ساقطة عن درجة الاعتبار، وحمل الموالاة على ما يعم الاستعانة بهم في الغزو، مما ذهب إليه البعض، ومذهبنا وعليه الجمهور، أنه يجوز ويرضخ لهم لكن إنما يستعان بهم على قتال المشركين لا البغاة على ما صرحوا به، وما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : خرج رسول الله ﷺ لبدر فتبعه رجل مشرك كان ذا جراءة ونجدة ففرح أصحاب النبي ﷺ حين رأوه فقال له النبي ﷺ :«ارجع فلن أستعين بمشرك » فمنسوخ بأن النبي ﷺ استعان بيهود بني قينقاع، ورضخ لهم واستعان بصفوان بن أمية في هوازن، وذكر بعضهم جواز الاستعانة بشرط الحاجة والوثوق، أما بدونهما فلا تجوز وعلى ذلك يحمل خبر عائشة، وكذا ما رواه الضحاك عن ابن عباس في سبب النزول وبه يحصل الجمع بين أدلة المنع وأدلة الجواز على أن بعض المحققين ذكر أن الاستعانة المنهي عنها، إنما هي استعانة الذليل بالعزيز وأما إذا كانت من باب استعانة العزيز بالذليل فقد أذن لنا بها، ومن ذلك اتخاذ الكفار عبيداً وخدماً ونكاح الكتابيات منهم وهو كلام حسن كما لا يخفى.
ومن الناس من استدل بالآية على أنه لا يجوز جعلهم عمالاً ولا استخدامهم في أمور الديوان وغيره، وكذا أدخلوا في الموالاة المنهي عنها، السلام والتعظيم والدعاء بالكنية والتوقير بالمجالس، وفي «فتاوى العلامة ابن حجر » جواز القيام في المجلس لأهل الذمة، وعد ذلك من باب البر والإحسان المأذون به في قوله تعالى :﴿لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم في الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دياركم أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ الله يحب المقسطين﴾ [الممتحنة: ٨] ولعل الصحيح أن كل ما عده العرف تعظيماً وحسبه المسلمون موالاة، فهو منهي عنه ولو مع أهل الذمة لا سيما إذا أوقع شيئاً في قلوب ضعفاء المؤمنين، ولا أرى القيام لأهل الذمة في المجلس إلا من الأمور المحظورة ؛ لأن دلالته على التعظيم قوية وجعله من الإحسان لا أراه من الإحسان كما لا يخفي.
﴿مِن دُونِ المؤمنين﴾ حال من الفاعل أي متجاوزين المؤمنين إلى الكافرين استقلالاً أو اشتراكاً ولا مفهوم لهذا الظرف إما لأنه ورد في قوم بأعيانهم والوا الكفار دون المؤمنين، فهو لبيان الواقع أو لأن ذكره للإشارة إلى أن الحقيق بالموالاة هم المؤمنون وفي موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفار وكون هذه النكتة تقتضي أن يقال مع وجود المؤمنين، دون من دون المؤمنين في حيز المنع، وكونه إشارة إلى أن ولايتهم لا تجامع ولاية المؤمنين في غاية الخفاء. /
وقيل : الظرف في حيز الصفة لأولياء، وقيل : متعلق بفعل الاتخاذ، و ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية أي لا تجعلوا ابتداء الولاية من مكان دون مكان المؤمنين ﴿و[ َمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ أي الاتخاذ، والتعبير عنه بالفعل كما قال شيخ الإسلام للاختصار أو لإيهام الاستهجان بذكره، و ﴿مِنْ﴾ شرطية، و ﴿يَفْعَلُ﴾ فعل الشرط، وجوابه. ﴿فَلَيْسَ مِنَ الله في شيء﴾ والكلام على حذف مضاف أي من ولايته، أو من دينه، والظرف الأول حال من ﴿شَىْء﴾ والثاني خبر ليس وتنوين ﴿*شي﴾ للتحقير أي ليس في شيء يصح أن يطلق عليه اسم الولاية أو الدين لأن موالاة المتضادين مما لا تكاد تدخل خيمة الوقوع ولهذا قيل :
تودّ عدوي ثم تزعم أننيصديقك ليس النوك عنك بعازب
وقيل أيضاً :
إذا والى صديقك من تعاديفقد عاداك وانقطع الكلام
والجملة معترضة، وقوله تعالى :﴿شَىْء إِلا أَن تَتَّقُواْ﴾ على صيغة الخطاب بطريق الغيبة، استثناء مفرغ من أعم الأحوال، والعامل فيه فعل النهي معتبراً فيه الخطاب أي لا تتخذوهم أولياء في حال من الأحوال إلا حال اتقائكم، وقيل : استثناء مفرغ من المفعول لأجله، أي لا يتخذ المؤمن الكافر ولياً لشيء من الأشياء إلا للتقية ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من جهتهم، و من للابتداء متعلق بمحذوف وقع حالاً من قوله تعالى :﴿تقاة﴾ ؛ لأنه نعت النكرة وقد تقدم عليها، والمراد بالتقاة ما يتقى منه، وتكون بمعنى اتقاء وهو الشائع فعلى الأول : يكون مفعولاً به لتتقوا، وعلى الثاني : مفعولاً مطلقاً له، و ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلق به، وتعدى بمن، لأنه بمعنى خاف، وخاف يتعدى بها نحو
﴿وَإِنِ امرأة خافت مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً﴾ [النساء: ١٢٨] ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا﴾ [البقرة: ١٨٢] والمجرور في موضع أحد المفعولين وترك المفعول الآخر للعلم به أي ضرراً ونحوه، وأصل تقاة وقية بواو مضمومة وياء متحركة بعد القاف المفتوحة فأبدلت الواو المضمومة تاءاً كتجاه وأبدلت الياء المتحركة ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ووزنه فعلة كتخمة، وتؤدة وهو في المصادر غير مقيس، وإنما المقيس اتقاء كاقتداء، وقرأ أبو الرجاء وقتادة تقية بالياء المشددة ووزنها فعيلة والتاء بدل من الواو أيضاً
وفي الآية دليل على مشروعية التقية، وعرفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شر الأعداء، والعدو قسمان : الأول : من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالكافر والمسلم، والثاني : من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمتاع والملك والإمارة، ومن هنا صارت التقية قسمين : أما القسم الأول : فالحكم الشرعي فيه أن كل مؤمن وقع في محل لا يمكن له أن يظهر دينه لتعرض المخالفين وجب عليه الهجرة إلى محل يقدر فيه على إظهار دينه ولا يجوز له أصلاً أن يبقى هناك ويخفي دينه ويتشبث بعذر الاستضعاف فإن أرض الله تعالى واسعة، نعم إن كان ممن لهم عذر شرعي في ترك الهجرة كالصبيان والنساء والعميان والمحبوسين والذين يخوفهم المخالفون بالقتل أو قتل الأولاد أو الآباء أو الأمهات تخويفاً يظن معه إيقاع ما خوفوا به غالباً سواء كان هذا القتل بضرب العنق أو بحبس القوت أو بنحو ذلك فإنه يجوز له المكث مع المخالف والموافقة بقدر الضرورة ويجب عليه أن يسعى في الحيلة للخروج والفرار بدينه ولو كان التخويف بفوات المنفعة أو بلحوق المشقة التي يمكنه تحملها كالحبس مع القوت والضرب القليل الغير المهلك لا يجوز له موافقتهم، وفي صورة الجواز أيضاً موافقتهم رخصة، وإظهار مذهبه عزيمة، فلو تلفت نفسه لذلك فإنه شهيد قطعاً، ومما يدل على أنها رخصة ما روي عن الحسن أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ فقال لأحدهما : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم فقال : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : نعم ثم دعا بالآخر فقال له : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم فقال : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : إني أصمّ قالها ثلاثاً، وفي كل يجيبه بأني أصم، فضرب عنقه فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال : أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضله فهنيئاً له.
وأما الآخر فقد رخصه الله تعالى فلا تبعة عليه، وأما القسم الثاني : فقد اختلف العلماء في وجوب الهجرة وعدمه فيه، فقال بعضهم : تجب لقوله تعالى :﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] وبدليل النهي عن إضاعة المال، وقال قوم : لا تجب إذ الهجرة عن ذلك المقام مصلحة من المصالح الدنيوية ولا يعود من تركها نقصان في الدين لاتحاد الملة وعدوه القوي المؤمن لا يتعرض له بالسوء من حيث هو مؤمن، وقال بعضهم : الحق أن الهجرة هنا قد تجب أيضاً إذا خاف هلاك نفسه أو أقاربه أو هتك حرمته بالإفراط، ولكن ليست عبادة وقربة حتى يترتب عليها الثواب، فإن وجوبها لمحض مصلحة دنيوية لذلك المهاجر لا لإصلاح الدين ليترتب عليها الثواب وليس كل واجب يثاب عليه ؛ لأن التحقيق أن كل واجب لا يكون عبادة بل كثير من الواجبات ما لا يترتب عليه ثواب كالأكل عند شدة المجاعة والاحتراز عن المضرات المعلومة أو المظنونة في المرض، وعن تناول السموم في حال الصحة وغير ذلك، وهذه الهجرة أيضاً من هذا القبيل وليست هي كالهجرة إلى الله تعالى ورسوله ﷺ لتكون مستوجبة بفضل الله تعالى لثواب الآخرة/
وعد قوم من باب التقية، مداراة الكفار والفسقة والظلمة وإلانة الكلام لهم والتبسم في وجوههم والانبساط معهم وإعطائهم ؛ لكفّ إذاهم وقطع لسانهم وصيانة العرض منهم ولا يعد ذلك من باب الموالاة المنهي عنها بل هي سنة وأمر مشروع. فقد روى الديلمي عن النبي ﷺ أنه قال :﴿إن الله تعالى أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض﴾ وفي رواية «بعثت بالمداراة » وفي «الجامع » «سيأتيكم ركب مبغضون فإذا جاءوكم فرحبوا بهم » وروى ابن أبي الدنيا «رأس العقل بعد الإيمان بالله تعالى مداراة الناس » وفي رواية البيهقي «رأس العقل المداراة » وأخرج الطبراني «مداراة الناس صدقة » وفي رواية له «ما وقى به المؤمن عرضه فهو صدقة ». وأخرج ابن عدي وابن عساكر «من عاش مدارياً مات شهيداً قوا بأموالكم أعراضكم وليصانع أحدكم بلسانه عن دينه » وعن بردة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت :«استأذن رجل على رسول الله ﷺ، وأنا عنده فقال رسول الله ﷺ :«بئس ابن الشعيرة أو أخو العشيرة ثم أذن له فألان له القول فلما خرج قلت : يا رسول الله، قلت ما قلت ثم ألنت له القول ؟ فقال : يا عائشة إن من أش

تفسير هذه الآية من كتب أخرى