غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿الحي من الميت والميت من الحي﴾ بالتشديد على " فيعل " حيث كان : أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون بالتخفيف على " فيل ". ﴿منهم تقية﴾ بكسر القاف وفتح الياء وتشديدها : أبو زيد عن المفضل وسهل ويعقوب. الباقون ﴿تقاة﴾ بضم التاء. وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة.
الوقوف :﴿ممن تشاء﴾ ط لتناهي الجملتين المتضايفتين معنى إلى جملتين مثلهما ﴿وتذل من تشاء﴾ ط ﴿الخير﴾ ط ﴿قدير﴾ ه،
﴿في الليل﴾ ز للفصل بين الجملتين المتضادتين ﴿من الحي﴾ ز لعطف المتفقتين ﴿حساب﴾ ه، ﴿المؤمنين﴾ ج ﴿تقاة﴾ ط ﴿نفسه﴾ ط ﴿المصير﴾ ه، ﴿يعلمه الله﴾ ط ﴿وما في الأرض﴾ ط ﴿قدير﴾ ه، ﴿محضرا﴾ ج والأجوز أن يوقف على ﴿سوء﴾ تقديره وما عملت من سوء كذلك. ﴿بعيداً﴾ ط ﴿نفسه﴾ ط ﴿بالعباد﴾ ه ﴿ذنوبكم﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ﴿والرسول﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب. ﴿الكافرين﴾ ه، ﴿العالمين﴾ ( لا ) لأن
﴿ذرّية﴾ بدل. ﴿من بعض﴾ ج ﴿عليم﴾ ( لا ) لاحتمال أن " إذ " متعلق بالوصفين أي سمع دعاءها وعلم رجاءها حين قالت، أو اصطفى آل عمران وقت قولها ولاحتمال نصب " إذ " بإضمار " اذكر ".
بيّن أنه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده وعند أوليائه دون أعدائه فقال :﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين﴾ بالجزم، ولكن كسر الذال للساكنين. قال الزجاج : ولو رفع على الخبر جاز، ولكنه لم يقرأ. والخبر والطلب يقام كل منهما مقام الآخر. وقوله :﴿من دون المؤمنين﴾ يعني أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم على المؤمنين. عن ابن عباس قال : كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد وهؤلاء كانوا من اليهود يباطنون نفراً من الأنصار يفتنونهم عن دينهم. فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر : اجتنبوا هؤلاء اليهود. فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم فنزلت هذه الآية. وعن ابن عباس أيضاً في رواية الضحاك : نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدرياً نقيباً، وكان له حلفاء من اليهود.
فلما خرج النبي ﷺ يوم الأحزاب قال عبادة : يا نبي الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو فنزلت. وقال الكلبي : نزلت في المنافقين - عبد الله بن أبيّ وأصحابه - كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم. وقد كرر ذلك في آيات أخر كثيرة ﴿لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾[آل عمران: ١١٨]﴿لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء﴾[المائدة: ٥١]﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾[المجادلة: ٢٢].
وكون المؤمن موالياً للكافر يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها أن يكون راضياً بكفره والرضا بالكفر كفر فيستحيل أن يصدر عن المؤمن فلا يدخل تحت الآية لقوله :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾.
وثانيها المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر وذلك غير ممنوع منه.
والثالث كالمتوسط بين القسمين وهو الركون إليهم والمعونة والمظاهرة لقرابة أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك، ولهذا قال مقاتل : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، وكانوا يظهرون المودّة لكفار مكة مع اعتقاد أن دينهم باطل، فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه حذراً من أن يجره إلى استحسان طريقته والرضا بدينه حتى يخصه بالموالاة دون المؤمنين، فلا جرم هدد فقال :﴿من يفعل ذلك فليس من الله﴾ أي من ولايته أو من دينه ﴿في شيء﴾ يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ عن ولاية الله رأساً، وهذا كالبيان لقوله :﴿من دون المؤمنين﴾ ليعلم أن الاشتراك بينهم وبين المؤمنين في الموالاة غير متصوّر وهذا أمر معقول، فإن موالاة الولي وموالاة عدوه ضدان قال :
قال بعض الحكماء : هذا ليس بكلي فإنه قد يكون المشفق على العدوّ مشفقاً على العدو الآخر كالملك العادل فإنه محب لهما، فإن أراد أحد أن يعم الحكم لا بد له أن يزيد عليه إذا كانوا في مرتبة واحدة ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ قال الجوهري : يقال اتقى تقية وتقاة مثل اتخم تخمة، وفاؤها واو كتراث. فالتقاة اسم وضع موضع المصدر. قال الواحدي : ويجوز أن يجعل " تقاة " ههنا مثل " دعاة " و " رماة " فيكون حالاً مؤكدة، وعلى هذين الوجهين يكون تتقوا مضمناً معنى تحذروا أو تخافوا ولذا عدي ب " من ". ويحتمل أن يكون التقاة أو التقية بمعنى المتقي مثل : ضرب الأمير لمضروبه، فالمعنى إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه. رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة محالفة ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع من قشر العصا وإظهار الطوية كقول عيسى عليه السلام : كن وسطاً وامش جانباً أي ليكن جسدك بين الناس وقلبك مع الله.
وللتقية عند العلماء أحكام منها :
إذا كان الرجل في قوم كفار يخاف منهم على نفسه جاز له أن يظهر المحبة والموالاة ولكن بشرط أن يضمر خلافه ويعرّض في كل ما يقول ما أمكن، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلب. ومنه أنها رخصة فلو تركها كان أفضل لما " روى الحسن أنه أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ فقال لأحدهما : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم. قال : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : نعم. - وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة ومحمد رسول قريش - فتركه ودعا الآخر وقال : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ فقال : نعم نعم نعم. فقال : أتشهد أني رسول الله ؟ فقال : إني أصم ثلاثاً، فقدمه وقتله. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ : فقال : أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيأ له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه " ونظير هذه الآية ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾[النحل: ١٠٦] ومنها أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة. وقد يجوز أن تكون أيضاً فيما يتعلق بإظهار الدين، فأما الذي يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال وشهادة الزور وقذف المحصنات وإطلاع الكفار على عورات المسلمين فذلك غير جائز البتة.
ومنها أن الشافعي جوز التقية بين المسلمين كما جوّزها بين الكافرين محاماة على النفس. ومنها أنها جائزة لصون المال على الأصح كما أنها جائزة لصون النفس لقوله ﷺ :" حرمة مال المسلم كحرمة دمه " و " من قتل دون ماله فهو شهيد " ولأن الحاجة إلى المال شديدة ولهذا يسقط فرض الوضوء ويجوز الاقتصار على التيمم إذا بيع الماء بالغبن. قال مجاهد : كان هذا في أول الإسلام فقط لضعف المؤمنين. وروى عوف عن الحسن أنه قال : التقية جائزة إلى يوم القيامة. وهذا أرجح عند الأئمة. ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ قيل : أي عقاب نفسه. وفيه تهديد عظيم لمن تعرّض لسخطه بموالاة أعدائه لأن شدة العقاب على حسب قدرة المعاقب. وفائدة ذكر النفس تصريح بأن الذي حذر منه هو عقاب يصدر من الله لا من غيره. وقيل : الضمير يعود إلى اتخاذ الأولياء أي ينهاكم الله عن نفس هذا الفعل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : مالك هو ملك الوجود فلا وجود بالحقيقة إلا له، تؤتي الوجود من تشاء وتنزع الوجود ممن تشاء، فتخلق بعض الموجودات مستعداً للبقاء كالملائكة والإنسان، توجد بعضها قابلاً للفناء كالنبات والحيوان غير الإنسان. ﴿وتعز من تشاء﴾ بعزة الوجود النوري، ﴿وتذل من تشاء﴾ بذل القبض القهري، بيدك الخير. ﴿إنك على كل شيء قدير﴾ تضمين للدعاء بذكر السبب كما يقال للجواد إنك الذي يقدر على إعطاء كل خير فأتنا وأعزنا يا مفيض كل خير، ويا كاشف كل ضير.
تولج ليل ظلمات الصفات البشرية النفسانية في نهار أنوار الصفات الروحانية وبالعكس، تخرج القلب الحي بالحياة الحقيقية من النفس الميتة، وتخرج القلب الميت عن الحياة الحقيقية من النفس الحية بالحياة المجازية الحيوانية. لا يتخذ القلب المؤمن والروح والسر وصفاتها الكافرين من النفس الأمّارة والشيطان والهوى والدنيا أولياء من دون المؤمنين من القلب والروح والسر، ومن يفعل ذلك من القلوب فليس من أنوار الله وألطافه في شيء إلا أن تخافوا من هلاك النفوس. فالنفس مركب الروح فتواسوها كيلا تعجز عن السير في الرجوع وتهلك في الطريق من شدة الرياضات وكثرة المجاهدات. ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ أي من صفات قهره ﴿قل إن تخفوا ما في صدوركم﴾ من معاداة الحق في ضمن موالاة النفس ﴿ويعلم ما في السماوات﴾ قلوبكم ﴿وما في الأرض﴾ نفوسكم ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت﴾ أثر الخير والشر ظاهر في ذات المرء وصفاته، وبحسب ذلك يبيض وجه قلبه أو يسود ولكنه في غفلة من هذا محجوب عنه بحجاب النفس والجسم كمثل نائم لدغته حية كحية الكفر والخصال الذميمة فلا يحس بها ما دام نائماً نوم الغفلة، فإذا مات انتبه وأحس، ثم أخبر عن طريق الوصول أنه في متابعة الرسول. واعلم أن للإتباع ثلاث درجات، ولمحبة المحب ثلاث درجات، ولمحبة الله للمحب التابع على حسب الإتباع ثلاث درجات. أما درجات الإتباع فالأولى درجة عوام المؤمنين وهي متابعة أعماله ﷺ، والثانية درجة الخواص وهي متابعة أخلاقه، والثالثة درجة أخص الخواص وهي متابعة أحواله. وأما درجات محبة المحب فالأولى محبة العوام وهي مطالعة المنة من رؤية إحسان المحسن " جبلت القلوب على حب من أحسن إليها " وهذا حب يتغير بتغير الإحسان وهو لمتابعي الأعمال الذين يطمعون في الأجر على ما يعملون وفيه قال أبو الطيب :
والثانية محبة الخواص المتبعين للأخلاق الذين يحبونه إعظاماً وإجلالاً له، ولأنه أهل لذلك كما قالت رابعة :
ويضطر هذا المحب في هذه الدرجة إلى إيثار الحق على غيره، وهذا الحب يبقى على الأبد بقاء الكمال والجلال على السرمد وفيه قال :
والثالثة محبة أخص الخواص المتبعين للأحوال وهي الناشئة من الجذبة الإلهية في مكان من " كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف " وأهل هذه المحبة هم المستعدون لكمال المعرفة بسبق العناية،
وحقيقة هذه المحبة أن يفنى المحب بسطوتها وتبقى المحبة فيه بلا هو كما أن النار تفني الحطب بسطوتها وتبقى النار منه بلا هو.
وحقيقة هذه المحبة نار لا تبقي ولا تذر. وأما درجات محبة الله للعبد فاعلم أن كل صفة من صفات الله تعالى من العلم والقدرة والإرادة وغيرها فإنها لا تشبه في الحقيقة صفات المخلوقين، حتى الوجود فإنه وإن عم الخالق والمخلوق إلا أن وجوده واجب بنفسه ووجود غيره ممكن في ذاته واجب به، فليس في الكون إلا الله وأفعاله. قرأ القارئ بين يدي الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير رحمه الله قوله :﴿يحبهم ويحبونه﴾[المائدة: ٥٤] فقال : بحق يحبهم لأنه لا يحب إلا نفسه فليس في الوجود إلا هو، وما سواه فهو من صنعه. والصانع إذا مدح صنعه فقد مدح نفسه. والغرض أن محبة الله للخلق عائدة إليه حقيقة إلا أنه لما كان مرورها على الخلق فبحسب ذلك اختلفت مراتبها، مع أنها صدرت عن محل واحد هو محل " كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف " فما تعلقت إلا بأهل المعرفة وذلك قوله :" فخلقت الخلق لأعرف " لكنها تعلقت بالعوام من أهل المعرفة بالرحمة ومشربهم الأعمال فقيل لهم ﴿فاتبعوني﴾ بالأعمال الصالحة ﴿يحببكم الله﴾ يخصكم بالرحمة ﴿ويغفر لكم﴾ ذنوبكم التي صدرت منكم على خلاف المتابعة. وتعلقت بالخاص من أهل المعرفة بالفضل ومشربهم الأخلاق فقيل لهم :﴿فاتبعوني﴾ بمكارم الأخلاق يحببكم بالفضل يخصكم بتجلي صفات الجمال ﴿ويغفر لكم ذنوبكم﴾ يستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته. وتعلقت بالأخص من أهل المعرفة بالجذبات ومشربهم الأحوال فقيل لهم ﴿فاتبعوني﴾ ببذل الوجود ﴿يحببكم الله﴾ يخصكم بجذبكم إلى نفسه ﴿ويغفر لكم﴾ ذنوب وجودكم فيمحوكم عنكم ويثبتكم به كما قال :" فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً " فهم بين روضة المحو وغدير الإثبات أحياء غير أموات، ويكون في هذا المقام المحب والمحبوب والمحبة واحداً كما أن الرائي في المرآة يشاهد ذاته بذاته وصفاته بصفاته فيكون الرائي والمرئي والرؤية واحداً. ﴿قل أطيعوا الله والرسول﴾ فإن متابعته صورة جذبة الحق وصدف درّة محبته لكم. ﴿إن الله اصطفى آدم﴾ وذلك أن الله تعالى خلق العالمين سبعة أنواع : الجماد والمعدن والنبات والحيوان والنفوس والعقول والأرواح، وجمع في آدم جميع الأنواع وخصه بتشريف ثامن هو تشريف ﴿ونفخت فيه من روحي﴾[ص: ٧٢] فهو المظهر لجميع آياته وصفاته وذاته وهو معنى جعله خليفة ومعنى قوله ﷺ " وإن الله خلق آدم على صورته " ثم ذكر خواص أولاد آدم نوحاً وآل إبراهيم وآل عمران والمراد بالآل كل مؤمن تقي ﴿بعضها من بعض﴾ بالوراثة الدينية " العلماء ورثة الأنبياء " فالعالم كشجرة وثمرتها أهل المعرفة ﴿والله سميع﴾ لدعائهم ﴿عليم﴾ بأحوالهم وخصالهم.
الوقوف :﴿ممن تشاء﴾ ط لتناهي الجملتين المتضايفتين معنى إلى جملتين مثلهما ﴿وتذل من تشاء﴾ ط ﴿الخير﴾ ط ﴿قدير﴾ ه،
﴿في الليل﴾ ز للفصل بين الجملتين المتضادتين ﴿من الحي﴾ ز لعطف المتفقتين ﴿حساب﴾ ه، ﴿المؤمنين﴾ ج ﴿تقاة﴾ ط ﴿نفسه﴾ ط ﴿المصير﴾ ه، ﴿يعلمه الله﴾ ط ﴿وما في الأرض﴾ ط ﴿قدير﴾ ه، ﴿محضرا﴾ ج والأجوز أن يوقف على ﴿سوء﴾ تقديره وما عملت من سوء كذلك. ﴿بعيداً﴾ ط ﴿نفسه﴾ ط ﴿بالعباد﴾ ه ﴿ذنوبكم﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ﴿والرسول﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب. ﴿الكافرين﴾ ه، ﴿العالمين﴾ ( لا ) لأن
﴿ذرّية﴾ بدل. ﴿من بعض﴾ ج ﴿عليم﴾ ( لا ) لاحتمال أن " إذ " متعلق بالوصفين أي سمع دعاءها وعلم رجاءها حين قالت، أو اصطفى آل عمران وقت قولها ولاحتمال نصب " إذ " بإضمار " اذكر ".
بيّن أنه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده وعند أوليائه دون أعدائه فقال :﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين﴾ بالجزم، ولكن كسر الذال للساكنين. قال الزجاج : ولو رفع على الخبر جاز، ولكنه لم يقرأ. والخبر والطلب يقام كل منهما مقام الآخر. وقوله :﴿من دون المؤمنين﴾ يعني أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم على المؤمنين. عن ابن عباس قال : كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد وهؤلاء كانوا من اليهود يباطنون نفراً من الأنصار يفتنونهم عن دينهم. فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر : اجتنبوا هؤلاء اليهود. فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم فنزلت هذه الآية. وعن ابن عباس أيضاً في رواية الضحاك : نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدرياً نقيباً، وكان له حلفاء من اليهود.
فلما خرج النبي ﷺ يوم الأحزاب قال عبادة : يا نبي الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو فنزلت. وقال الكلبي : نزلت في المنافقين - عبد الله بن أبيّ وأصحابه - كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم. وقد كرر ذلك في آيات أخر كثيرة ﴿لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾[آل عمران: ١١٨]﴿لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء﴾[المائدة: ٥١]﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾[المجادلة: ٢٢].
وكون المؤمن موالياً للكافر يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها أن يكون راضياً بكفره والرضا بالكفر كفر فيستحيل أن يصدر عن المؤمن فلا يدخل تحت الآية لقوله :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾.
وثانيها المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر وذلك غير ممنوع منه.
والثالث كالمتوسط بين القسمين وهو الركون إليهم والمعونة والمظاهرة لقرابة أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك، ولهذا قال مقاتل : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، وكانوا يظهرون المودّة لكفار مكة مع اعتقاد أن دينهم باطل، فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه حذراً من أن يجره إلى استحسان طريقته والرضا بدينه حتى يخصه بالموالاة دون المؤمنين، فلا جرم هدد فقال :﴿من يفعل ذلك فليس من الله﴾ أي من ولايته أو من دينه ﴿في شيء﴾ يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ عن ولاية الله رأساً، وهذا كالبيان لقوله :﴿من دون المؤمنين﴾ ليعلم أن الاشتراك بينهم وبين المؤمنين في الموالاة غير متصوّر وهذا أمر معقول، فإن موالاة الولي وموالاة عدوه ضدان قال :
| تود عدوّي ثم تزعم أنني | صديقك ليس النوك عنك بعازب |
وللتقية عند العلماء أحكام منها :
إذا كان الرجل في قوم كفار يخاف منهم على نفسه جاز له أن يظهر المحبة والموالاة ولكن بشرط أن يضمر خلافه ويعرّض في كل ما يقول ما أمكن، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلب. ومنه أنها رخصة فلو تركها كان أفضل لما " روى الحسن أنه أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ فقال لأحدهما : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم. قال : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : نعم. - وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة ومحمد رسول قريش - فتركه ودعا الآخر وقال : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ فقال : نعم نعم نعم. فقال : أتشهد أني رسول الله ؟ فقال : إني أصم ثلاثاً، فقدمه وقتله. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ : فقال : أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيأ له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه " ونظير هذه الآية ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾[النحل: ١٠٦] ومنها أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة. وقد يجوز أن تكون أيضاً فيما يتعلق بإظهار الدين، فأما الذي يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال وشهادة الزور وقذف المحصنات وإطلاع الكفار على عورات المسلمين فذلك غير جائز البتة.
ومنها أن الشافعي جوز التقية بين المسلمين كما جوّزها بين الكافرين محاماة على النفس. ومنها أنها جائزة لصون المال على الأصح كما أنها جائزة لصون النفس لقوله ﷺ :" حرمة مال المسلم كحرمة دمه " و " من قتل دون ماله فهو شهيد " ولأن الحاجة إلى المال شديدة ولهذا يسقط فرض الوضوء ويجوز الاقتصار على التيمم إذا بيع الماء بالغبن. قال مجاهد : كان هذا في أول الإسلام فقط لضعف المؤمنين. وروى عوف عن الحسن أنه قال : التقية جائزة إلى يوم القيامة. وهذا أرجح عند الأئمة. ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ قيل : أي عقاب نفسه. وفيه تهديد عظيم لمن تعرّض لسخطه بموالاة أعدائه لأن شدة العقاب على حسب قدرة المعاقب. وفائدة ذكر النفس تصريح بأن الذي حذر منه هو عقاب يصدر من الله لا من غيره. وقيل : الضمير يعود إلى اتخاذ الأولياء أي ينهاكم الله عن نفس هذا الفعل.
تولج ليل ظلمات الصفات البشرية النفسانية في نهار أنوار الصفات الروحانية وبالعكس، تخرج القلب الحي بالحياة الحقيقية من النفس الميتة، وتخرج القلب الميت عن الحياة الحقيقية من النفس الحية بالحياة المجازية الحيوانية. لا يتخذ القلب المؤمن والروح والسر وصفاتها الكافرين من النفس الأمّارة والشيطان والهوى والدنيا أولياء من دون المؤمنين من القلب والروح والسر، ومن يفعل ذلك من القلوب فليس من أنوار الله وألطافه في شيء إلا أن تخافوا من هلاك النفوس. فالنفس مركب الروح فتواسوها كيلا تعجز عن السير في الرجوع وتهلك في الطريق من شدة الرياضات وكثرة المجاهدات. ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ أي من صفات قهره ﴿قل إن تخفوا ما في صدوركم﴾ من معاداة الحق في ضمن موالاة النفس ﴿ويعلم ما في السماوات﴾ قلوبكم ﴿وما في الأرض﴾ نفوسكم ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت﴾ أثر الخير والشر ظاهر في ذات المرء وصفاته، وبحسب ذلك يبيض وجه قلبه أو يسود ولكنه في غفلة من هذا محجوب عنه بحجاب النفس والجسم كمثل نائم لدغته حية كحية الكفر والخصال الذميمة فلا يحس بها ما دام نائماً نوم الغفلة، فإذا مات انتبه وأحس، ثم أخبر عن طريق الوصول أنه في متابعة الرسول. واعلم أن للإتباع ثلاث درجات، ولمحبة المحب ثلاث درجات، ولمحبة الله للمحب التابع على حسب الإتباع ثلاث درجات. أما درجات الإتباع فالأولى درجة عوام المؤمنين وهي متابعة أعماله ﷺ، والثانية درجة الخواص وهي متابعة أخلاقه، والثالثة درجة أخص الخواص وهي متابعة أحواله. وأما درجات محبة المحب فالأولى محبة العوام وهي مطالعة المنة من رؤية إحسان المحسن " جبلت القلوب على حب من أحسن إليها " وهذا حب يتغير بتغير الإحسان وهو لمتابعي الأعمال الذين يطمعون في الأجر على ما يعملون وفيه قال أبو الطيب :
| وما أنا بالباغي على الحب رشوة | ضعيف هوى يرجى عليه ثواب |
| أحبك حبين حب الهوى | وحب لأنك أهل لذاكا |
| سأعبد الله لا أرجو مثوبته | لكن تعبد إعظام وإجلال |
| غذينا بالمحبة يوم قالت | له الدنيا أتينا طائعينا |
وحقيقة هذه المحبة نار لا تبقي ولا تذر. وأما درجات محبة الله للعبد فاعلم أن كل صفة من صفات الله تعالى من العلم والقدرة والإرادة وغيرها فإنها لا تشبه في الحقيقة صفات المخلوقين، حتى الوجود فإنه وإن عم الخالق والمخلوق إلا أن وجوده واجب بنفسه ووجود غيره ممكن في ذاته واجب به، فليس في الكون إلا الله وأفعاله. قرأ القارئ بين يدي الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير رحمه الله قوله :﴿يحبهم ويحبونه﴾[المائدة: ٥٤] فقال : بحق يحبهم لأنه لا يحب إلا نفسه فليس في الوجود إلا هو، وما سواه فهو من صنعه. والصانع إذا مدح صنعه فقد مدح نفسه. والغرض أن محبة الله للخلق عائدة إليه حقيقة إلا أنه لما كان مرورها على الخلق فبحسب ذلك اختلفت مراتبها، مع أنها صدرت عن محل واحد هو محل " كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف " فما تعلقت إلا بأهل المعرفة وذلك قوله :" فخلقت الخلق لأعرف " لكنها تعلقت بالعوام من أهل المعرفة بالرحمة ومشربهم الأعمال فقيل لهم ﴿فاتبعوني﴾ بالأعمال الصالحة ﴿يحببكم الله﴾ يخصكم بالرحمة ﴿ويغفر لكم﴾ ذنوبكم التي صدرت منكم على خلاف المتابعة. وتعلقت بالخاص من أهل المعرفة بالفضل ومشربهم الأخلاق فقيل لهم :﴿فاتبعوني﴾ بمكارم الأخلاق يحببكم بالفضل يخصكم بتجلي صفات الجمال ﴿ويغفر لكم ذنوبكم﴾ يستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته. وتعلقت بالأخص من أهل المعرفة بالجذبات ومشربهم الأحوال فقيل لهم ﴿فاتبعوني﴾ ببذل الوجود ﴿يحببكم الله﴾ يخصكم بجذبكم إلى نفسه ﴿ويغفر لكم﴾ ذنوب وجودكم فيمحوكم عنكم ويثبتكم به كما قال :" فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً " فهم بين روضة المحو وغدير الإثبات أحياء غير أموات، ويكون في هذا المقام المحب والمحبوب والمحبة واحداً كما أن الرائي في المرآة يشاهد ذاته بذاته وصفاته بصفاته فيكون الرائي والمرئي والرؤية واحداً. ﴿قل أطيعوا الله والرسول﴾ فإن متابعته صورة جذبة الحق وصدف درّة محبته لكم. ﴿إن الله اصطفى آدم﴾ وذلك أن الله تعالى خلق العالمين سبعة أنواع : الجماد والمعدن والنبات والحيوان والنفوس والعقول والأرواح، وجمع في آدم جميع الأنواع وخصه بتشريف ثامن هو تشريف ﴿ونفخت فيه من روحي﴾[ص: ٧٢] فهو المظهر لجميع آياته وصفاته وذاته وهو معنى جعله خليفة ومعنى قوله ﷺ " وإن الله خلق آدم على صورته " ثم ذكر خواص أولاد آدم نوحاً وآل إبراهيم وآل عمران والمراد بالآل كل مؤمن تقي ﴿بعضها من بعض﴾ بالوراثة الدينية " العلماء ورثة الأنبياء " فالعالم كشجرة وثمرتها أهل المعرفة ﴿والله سميع﴾ لدعائهم ﴿عليم﴾ بأحوالهم وخصالهم.