البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الوضع : الحط والإلقاء، تقول : وضع يضع وضعاً وضعة، ومنه الموضع.
الأنثى والذكر : معروفان، وألف أنثى للتأنيث، وجمعت على إناث، كربى ورباب، وقياس الجمع : أناثى، كحبلى وحبالى.
وجمع الذكر : ذكور وذكران.
مريم : اسم عبراني، وقيل عربي جاء شاذاً : كمدين، وقياسه : مرام كمنال، ومعناه في العربية التي تغازل الفتيان، قال الراجز :.
قلت لزيد لم تصله مريمه *** عاذ بكذا : اعتصم به، عوذاً وعياذاً ومعاذاً ومعاذة ومعناه : التجأ واعتصم وقيل : اشتقاقه من العوذ وهو : عوذ يلجأ إليه الحشيش في مهب الريح.
رجم : رمى وقذف، ومنه ﴿رجماً بالغيب﴾ أي : رمياً به من غير تيقن، والحديث المرجم هو : المظنون ليس فيه يقين.
والرجيم : يحتمل أن يكون للمبالغة من فاعل، أي إنه يرمي ويقذف بالشر والعصيان في قلب ابن آدم، ويحتمل أن يكون بمعنى : مرجوم، أي يُرجم بالشهب أو يبعد ويطرد.
﴿فلما وضعتها قالت ربّ إني وضعتها أنثى﴾ أنث الضمير في وضعتها حملاً على المعنى في : ما، لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله تعالى وقال ابن عطية : حملاً على الموجدة، ورفعاً للفظ : ما، في قولها : ما في بطني.
وقال الزمخشري : أو على تأويل الجبلة، أو النفس، أو النسمة.
جواب : لما، هو : قالت وخاطبت ربها على سبيل التحسر على ما فاتها من رجائها، وخلاف ما قدّرت لأنها كانت ترجو أن تلد ذكراً يصلح للخدمة، ولذلك نذرته محرراً.
وجاء في قوله :﴿إني وضعتها﴾ الضمير مؤنثاً، فإن كان على معنى النسمة أو النفس فظاهر، إذ تكون الحال في قوله : أنثى، مبينة إذا النسمة والنفس تنطلق على المذكر والؤنث.
وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف جاز انتصاب أنثى حالاً من الضمير في وضعتها ؛ وهو كقولك : وضعت الأنثى أنثى ؟.
قلت : الأصل وضعته أنثى، وإنما أنث لتأنيث الحال لأن الحال، وذا الحال شيء واحد، كما أنث الأسم في من كانت أمّك لتأنيث الخبر، ونظيره قوله تعالى :﴿فإن كانتا اثنتين﴾ انتهى.
وآل قوله إلى أن : أنثى، تكون حالاً مؤكدة، لا يخرجه تأنيثه لتأنيث الحال من أن يكون الحال مؤكدة.
وأما تشبيهه ذلك بقوله : من كانت أمّك، حيث عاد الضمير على معنى : من، فليس ذلك نظير : وضعتها أنثى، لأن ذلك حمل على معنى : من، إذ المعنى : أية امرأة، كانت امّك، أي : كانت هي أيّ المرأة أمّك، فالتأنيث ليس لتأنيث الخبر، وإنما هو من باب الحمل على معنى : من، ولو فرضنا أنه تأنيث للأسم لتأنيث الخبر لم يكن نظير : وضعتها أنثى، لأن الخبر مخصص بالإضافة إلى الضمير، فقد استفيد من الخبر ما لا يستفاد من الاسم بخلاف أنثى، فإنه لمجرد التأكيد.
وأما تنظيره بقوله :﴿فإن كانتا اثنتين﴾ فيعنى أنه ثنى بالأسم لتثنية الخبر، والكلام عليه يأتي في مكانه، فإنه من المشكلات، فالأحسن أن يجعل الضمير في : وضعتها أنثى، عائداً على النسمة، أو النفس، فتكون الحال مبنية لا مؤكدة.
وقيل : خاطبت الله تعالى بذلك على سبيل الاعتذار، والتنصل من نذر ما لا يصلح لسدانة البيت، إذ كانت الأنثى لا تصلح لذلك في شريعتهم.
وقيل : كانت مريم أجمل نساء زمانها وأكملهنّ.
﴿والله أعلم بما وضعت﴾ قرأ ابن عامر، وأبو بكر، ويعقوب : بضم التاء، ويكون ذلك وما بعده من كلام أمّ مريم، وكأنها خاطبت نفسها بقولها : والله أعلم.
ولم تأت على لفظ : رب، إذ لو أتت على لفظه لقالت : وأنت أعلم بما وضعت.
ولكن خاطبت نفسها على سبيل التسلية عن الذكر، وأن علم الله وسابق قدرته وحكمته يحمل ذلك على عدم التحسر والتحذر على ما فاتنى من المقصد، إذ مراده ينبغي أن يكون المراد، وليس الذكر الذي طلبته ورجوته مثل الأنثى التي علمها وأرادها وقضى بها.
ولعل هذه الأنثى تكون خيراً من الذكر، إذ أرادها الله، سلت بذلك نفسها.
وتكون : الألف واللام في : الذكر، للعهد فيكون مقصودها ترجيح هذه الأنثى التي هي موهوبة الله على ما كان قد رجت من أنه يكون ذكراً، ويحتمل أن يكون مقصودها أنه ليس كالأنثى في الفضل والدرجة والمزية، لأن الذكر يصلح للتحرير، والاستمرار على خدمة موضع العبادة، ولأنه أقوى على الخدمة، ولا يلحقه عيب في الخدمة والاختلاط بالناس ولا تهمة.
قال ابن عطية : كالانثى، في امتناع نذره إذا الأنثى تحيض ولا تصلح لصحبة الرهبان ؟ قاله قتادة، والربيع، والسدّي، وعكرمة، وغيرهم.
وبدأت بذكر الأهمّ في نفسها، وإلاَّ فسياق الكلام أن تقول : وليست الانثى كالذكر، فتضع حرف النفي مع الشيء الذي عندها، وانتفت عنه صفات الكمال للغرض المراد. انتهى.
وعلى هذا الاحتمال تكون الألف واللام في : الذكر، للجنس.
وقرأ باقي السبعة : بما وضعت، بتاء التأنيث الساكنة على أنه إخبار من الله بأنه أعلم بالذي وضعته.
أي : بحاله، وما يؤول إليه أمر هذه الأنثى، فإن قولها : وضعتها أنثى، يدل على أنها لم تعلم من حالها إلاَّ على هذا القدر من كون هذه النسمة جاءت أنثى لا تصلح للتحرير، فأخبر تعالى أنه أعلم بهذه الموضوعة، فأتى بصيغة التفضيل المقتضية للعلم بتفاصيل الأحوال، وذلك على سبيل التعظيم لهذه الموضوعة، والإعلام بما علق بها وبابنها من عظيم الأمور، إذ جعلها وابنها آية للعالمين.
ووالدتها جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئاً.
وقرأ ابن عباس : بما وضعت، بكسر تاء الخطاب، خاطبها الله بذلك أي : إنك لا تعلمين قدر هذه الموهوبة، وما علمه الله تعالى من عظم شأنها وعلوّ قدرها.
و : ما، موصولة بمعنى : الذي، أو : التي، وأتى بلفظ : ما، كما في قوله :﴿نذرت لك ما في بطني﴾ والعائد عليها محذوف على كل قراءة.
﴿وإني سميتها مريم﴾ مريم في لغتهم معناه : العابدة، أرادت بهذه التسمية التفاؤل لها بالخير، والتقرب إلى الله تعالى، والتضرّع إليه بأن يكون فعلها مطابقاً لاسمها، وأن تصدّق فيها ظنها بها.
ألا ترى إلى إعاذتها بالله وإعاذة ذريتها من الشيطان ؟ وخاطبت الله بهذا الكلام لترتب لاستعاذة عليه، واستبدادها بالتسمية يدل على أن أباها عمران كان قد مات، كما نقل أنه مات وهي حامل، على أنه يحتمل من حيث هي أنثى أن تستبدّ الأمّ بالتسمية لكراهة الرجال البنات، وفي الآية تسمية الطفل قرب الولادة، وفي الحديث :« ولد لي الليلة مولود فسميته باسم أبي إبراهيم » وفي الحديث أنه :« يعق عن المولود في السابع ويسمى »
وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها من كلامها، وهي كلها داخله تحت القول على قراءة من قرأ : بما وضعت، بضم التاء.
وأما من قرأ : بما وضعت، بسكون التاء أو بالكسر.
فقال الزمخشري : هي معطوفة على : إني وضعتها أنثى، وما بينهما جملتان معترضان، كقوله :﴿وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ انتهى كلامه.
ولا يتعين ما ذكر من أنهما جملتان معترضتان، لأنه يحتمل أن يكونه ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾ في هذه القراءة من كلامها، ويكون المعترض جملة واحدة، كما كان من كلامها في قراءة من قرأ : وضعت، بضم التاء، بل ينبغي أن يكون هذا المتعين لثبوت كونه من كلامها في هذه القراءة، لأن في اعتراض جملتين خلافاً مذهب أبي علي : أنه لا يعترض جملتان وقد تقدّم لنا الكلام على ذلك.
وأيضاً تشبيهه هاتين الجملتين اللتين اعترض بهما بين المعطوف والمعطوف عليه على زعمه بقوله :﴿وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ ليس تشبيهاً مطابقاً للآية، لأنه لم يعترض جملتان بين طالب ومطلوب، بل اعترض بين القسم الذي هو :﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ وجوابه الذي هو :﴿إنه لقرآن كريم﴾ بجملة واحدة وهي قوله :﴿وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ لكنه جاء في جملة الاعتراض بين بعض أجزائه وبعض، اعتراض بجملة وهي قوله :﴿لو تعلمون﴾ اعترض به بين المنعوت الذي هو : لقسم، وبين نعته الذي هو : عظيم، فهذا اعتراض في اعتراض، فليس فصلاً بجملتي اعتراض لقوله :﴿والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى﴾ وسمي من الأفعال التي تتعدى إلى واحد بنفسها، وإلى آخر بحرف الجر، ويجوز حذفه واثباته هو الأصل، يقول سميت ابني بزيد، وسميته زيداً.
قال :
أي : وسميت بكعب، ويسمى : بالجعل، وهو باب مقصور على السماع، وفيه خلاف عن الأخفش الصغير، وتحرير ذلك في علم النحو.
﴿وإني أعيذها بك وذرّيتها من الشيطان الرجيم﴾ أتى خبر : إن، مضارعاً وهو : أعيذها، لأن مقصودها ديمومة الإستعاذة، والتكرار بخلاف : وضعتها، وسميتها، فإنهما ماضيان قد انقطعا، وقدّمت ذكر المعاذ به على المعطوف على الضمير للأهتمام به، ثم استدركت بعد ذلك الذكر ذريتها، ومناجاتها الله بالخطاب السابق إنما هو وسيلة إلى هذة الاستعاذة، كما يقدّم الانسان بين يدى مقصوده ما يستنزل به إحسان من يقصده، ثم يأتي بعد ذلك بالمقصود، وورد في الحديث، من رواية أبي هريرة :« كل مولولد من بني آدم له طعنة من الشيطان، وبها يستهل الصبي، إلاَّ ما كان من مريم ابنة عمران وابنها، فإن أمّها قالت حين وضعتها : واني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم.
فضرب بينهما حجاب فطعن الشيطان في الحجاب »
وقد اختلفت ألفاظ هذا الحديث من طرق، والمعنى واحد.
وطعن القاضي عبد الجبار في هذا الحديث، قال : لأنه خبر واحد على خلاف الدليل، فوجب رده، وإنما كان على خلاف الدليل لأن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من يعرف الشر والخير، والصبي ليس كذلك، ولأنه لو تمكن من هذا المس لفعل أكثر من ذلك من إهلاك الصالحين وغير ذلك، لأنه خص فيه مريم وابنها عيسى دون سائر الأنبياء، ولأنه لو وجد المس لنفي أثره، ولو نفي لدام الصراخ والبكاء، فلما لم يكن كذلك علمنا بطلان هذا الحديث.
وقال الزمخشري : وما يروي في الحديث :« ما من مولولد يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلاَّ مريم وابنها » فالله أعلم بصحته، فإن صح فمعناه : أن كل مولود يطمع الشيطان في اغوائه إلاَّ مريم وابنها، فإنهما كانا معصومين.
وكذلك كل من كان صفتهما لقوله :﴿لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين﴾ واستهلاله صارخاً من مسه، تخييل وتصوير لطمعه فيه كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول : هذا ممن أغويه، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي :
وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سلط إبليس على الناس بنخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلونا به من نخسه.
انتهى كلامه.
وهو جار على طريقة أهل الاعتزال، وقد مر لنا شيء من الكلام على هذا في قوله :
﴿كالذي يتخبطه الشيطان من المس﴾
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: قيل : وفي هذه الآيات أنواع من الفصاحة.
العموم الذي يراد به الخصوص في قوله : على العالمين، والإختصاص في قوله : آدم، ونوحاً، وآل إبراهيم، وآل عمران.
وإطلاق اسم الفرع على الأصل.
والمسبب على السبب، في قوله : ذرية، فيمن قال المراد الأباء، والإبهام في قوله : ما في بطني، لما تعذر عليها الإطلاع على ما في بطنها أتت بلفظ : ما، الذي يصدق على الذكر والأنثى، والتأكيد في قوله :﴿إنك أنت السميع العليم﴾ والخبر الذي يراد به الاعتذار في قولها : وضعتها أنثى، والاعتراض في قوله :﴿والله أعلم بما وضعت﴾، في قراءة من سكن التاء أو كسرها وتلوين الخطاب ومعدوله في قوله : والله أعلم بما وضعت، في قراءة من كسر التاء، خرج من خطاب الغيبة في قولها : فلما وضعتها، إلى خطاب المواجهة في قوله : بما وضعت والتكرار في : وأنى، وفي : زكريا، وزكريا، وفي : من عند الله، إن الله والتجنيس المغاير في : فتقبلها ربها بقبول، وأنبتها نباتاً، وفي : رزقاً ويرزق والإشارة، وهو أن يعبر باللفظ الظاهر عن المعنى الخفي، في قوله : هو من عند الله، أي هو رزق لا يقدر على الإتيان به في ذلك الوقت إلاَّ الله.
وفي قوله : رزقاً، أتى به منكّراً مشيراً إلى أنه ليس من جنس واحد، بل من أجناس كثيرة، لأن النكرة تقتضي الشيوع والكثرة.
والحذف في عدة مواضع لا يصح المعنى إلا باعتبارها.
الأنثى والذكر : معروفان، وألف أنثى للتأنيث، وجمعت على إناث، كربى ورباب، وقياس الجمع : أناثى، كحبلى وحبالى.
وجمع الذكر : ذكور وذكران.
مريم : اسم عبراني، وقيل عربي جاء شاذاً : كمدين، وقياسه : مرام كمنال، ومعناه في العربية التي تغازل الفتيان، قال الراجز :.
قلت لزيد لم تصله مريمه *** عاذ بكذا : اعتصم به، عوذاً وعياذاً ومعاذاً ومعاذة ومعناه : التجأ واعتصم وقيل : اشتقاقه من العوذ وهو : عوذ يلجأ إليه الحشيش في مهب الريح.
رجم : رمى وقذف، ومنه ﴿رجماً بالغيب﴾ أي : رمياً به من غير تيقن، والحديث المرجم هو : المظنون ليس فيه يقين.
والرجيم : يحتمل أن يكون للمبالغة من فاعل، أي إنه يرمي ويقذف بالشر والعصيان في قلب ابن آدم، ويحتمل أن يكون بمعنى : مرجوم، أي يُرجم بالشهب أو يبعد ويطرد.
﴿فلما وضعتها قالت ربّ إني وضعتها أنثى﴾ أنث الضمير في وضعتها حملاً على المعنى في : ما، لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله تعالى وقال ابن عطية : حملاً على الموجدة، ورفعاً للفظ : ما، في قولها : ما في بطني.
وقال الزمخشري : أو على تأويل الجبلة، أو النفس، أو النسمة.
جواب : لما، هو : قالت وخاطبت ربها على سبيل التحسر على ما فاتها من رجائها، وخلاف ما قدّرت لأنها كانت ترجو أن تلد ذكراً يصلح للخدمة، ولذلك نذرته محرراً.
وجاء في قوله :﴿إني وضعتها﴾ الضمير مؤنثاً، فإن كان على معنى النسمة أو النفس فظاهر، إذ تكون الحال في قوله : أنثى، مبينة إذا النسمة والنفس تنطلق على المذكر والؤنث.
وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف جاز انتصاب أنثى حالاً من الضمير في وضعتها ؛ وهو كقولك : وضعت الأنثى أنثى ؟.
قلت : الأصل وضعته أنثى، وإنما أنث لتأنيث الحال لأن الحال، وذا الحال شيء واحد، كما أنث الأسم في من كانت أمّك لتأنيث الخبر، ونظيره قوله تعالى :﴿فإن كانتا اثنتين﴾ انتهى.
وآل قوله إلى أن : أنثى، تكون حالاً مؤكدة، لا يخرجه تأنيثه لتأنيث الحال من أن يكون الحال مؤكدة.
وأما تشبيهه ذلك بقوله : من كانت أمّك، حيث عاد الضمير على معنى : من، فليس ذلك نظير : وضعتها أنثى، لأن ذلك حمل على معنى : من، إذ المعنى : أية امرأة، كانت امّك، أي : كانت هي أيّ المرأة أمّك، فالتأنيث ليس لتأنيث الخبر، وإنما هو من باب الحمل على معنى : من، ولو فرضنا أنه تأنيث للأسم لتأنيث الخبر لم يكن نظير : وضعتها أنثى، لأن الخبر مخصص بالإضافة إلى الضمير، فقد استفيد من الخبر ما لا يستفاد من الاسم بخلاف أنثى، فإنه لمجرد التأكيد.
وأما تنظيره بقوله :﴿فإن كانتا اثنتين﴾ فيعنى أنه ثنى بالأسم لتثنية الخبر، والكلام عليه يأتي في مكانه، فإنه من المشكلات، فالأحسن أن يجعل الضمير في : وضعتها أنثى، عائداً على النسمة، أو النفس، فتكون الحال مبنية لا مؤكدة.
وقيل : خاطبت الله تعالى بذلك على سبيل الاعتذار، والتنصل من نذر ما لا يصلح لسدانة البيت، إذ كانت الأنثى لا تصلح لذلك في شريعتهم.
وقيل : كانت مريم أجمل نساء زمانها وأكملهنّ.
﴿والله أعلم بما وضعت﴾ قرأ ابن عامر، وأبو بكر، ويعقوب : بضم التاء، ويكون ذلك وما بعده من كلام أمّ مريم، وكأنها خاطبت نفسها بقولها : والله أعلم.
ولم تأت على لفظ : رب، إذ لو أتت على لفظه لقالت : وأنت أعلم بما وضعت.
ولكن خاطبت نفسها على سبيل التسلية عن الذكر، وأن علم الله وسابق قدرته وحكمته يحمل ذلك على عدم التحسر والتحذر على ما فاتنى من المقصد، إذ مراده ينبغي أن يكون المراد، وليس الذكر الذي طلبته ورجوته مثل الأنثى التي علمها وأرادها وقضى بها.
ولعل هذه الأنثى تكون خيراً من الذكر، إذ أرادها الله، سلت بذلك نفسها.
وتكون : الألف واللام في : الذكر، للعهد فيكون مقصودها ترجيح هذه الأنثى التي هي موهوبة الله على ما كان قد رجت من أنه يكون ذكراً، ويحتمل أن يكون مقصودها أنه ليس كالأنثى في الفضل والدرجة والمزية، لأن الذكر يصلح للتحرير، والاستمرار على خدمة موضع العبادة، ولأنه أقوى على الخدمة، ولا يلحقه عيب في الخدمة والاختلاط بالناس ولا تهمة.
قال ابن عطية : كالانثى، في امتناع نذره إذا الأنثى تحيض ولا تصلح لصحبة الرهبان ؟ قاله قتادة، والربيع، والسدّي، وعكرمة، وغيرهم.
وبدأت بذكر الأهمّ في نفسها، وإلاَّ فسياق الكلام أن تقول : وليست الانثى كالذكر، فتضع حرف النفي مع الشيء الذي عندها، وانتفت عنه صفات الكمال للغرض المراد. انتهى.
وعلى هذا الاحتمال تكون الألف واللام في : الذكر، للجنس.
وقرأ باقي السبعة : بما وضعت، بتاء التأنيث الساكنة على أنه إخبار من الله بأنه أعلم بالذي وضعته.
أي : بحاله، وما يؤول إليه أمر هذه الأنثى، فإن قولها : وضعتها أنثى، يدل على أنها لم تعلم من حالها إلاَّ على هذا القدر من كون هذه النسمة جاءت أنثى لا تصلح للتحرير، فأخبر تعالى أنه أعلم بهذه الموضوعة، فأتى بصيغة التفضيل المقتضية للعلم بتفاصيل الأحوال، وذلك على سبيل التعظيم لهذه الموضوعة، والإعلام بما علق بها وبابنها من عظيم الأمور، إذ جعلها وابنها آية للعالمين.
ووالدتها جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئاً.
وقرأ ابن عباس : بما وضعت، بكسر تاء الخطاب، خاطبها الله بذلك أي : إنك لا تعلمين قدر هذه الموهوبة، وما علمه الله تعالى من عظم شأنها وعلوّ قدرها.
و : ما، موصولة بمعنى : الذي، أو : التي، وأتى بلفظ : ما، كما في قوله :﴿نذرت لك ما في بطني﴾ والعائد عليها محذوف على كل قراءة.
﴿وإني سميتها مريم﴾ مريم في لغتهم معناه : العابدة، أرادت بهذه التسمية التفاؤل لها بالخير، والتقرب إلى الله تعالى، والتضرّع إليه بأن يكون فعلها مطابقاً لاسمها، وأن تصدّق فيها ظنها بها.
ألا ترى إلى إعاذتها بالله وإعاذة ذريتها من الشيطان ؟ وخاطبت الله بهذا الكلام لترتب لاستعاذة عليه، واستبدادها بالتسمية يدل على أن أباها عمران كان قد مات، كما نقل أنه مات وهي حامل، على أنه يحتمل من حيث هي أنثى أن تستبدّ الأمّ بالتسمية لكراهة الرجال البنات، وفي الآية تسمية الطفل قرب الولادة، وفي الحديث :« ولد لي الليلة مولود فسميته باسم أبي إبراهيم » وفي الحديث أنه :« يعق عن المولود في السابع ويسمى »
وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها من كلامها، وهي كلها داخله تحت القول على قراءة من قرأ : بما وضعت، بضم التاء.
وأما من قرأ : بما وضعت، بسكون التاء أو بالكسر.
فقال الزمخشري : هي معطوفة على : إني وضعتها أنثى، وما بينهما جملتان معترضان، كقوله :﴿وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ انتهى كلامه.
ولا يتعين ما ذكر من أنهما جملتان معترضتان، لأنه يحتمل أن يكونه ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾ في هذه القراءة من كلامها، ويكون المعترض جملة واحدة، كما كان من كلامها في قراءة من قرأ : وضعت، بضم التاء، بل ينبغي أن يكون هذا المتعين لثبوت كونه من كلامها في هذه القراءة، لأن في اعتراض جملتين خلافاً مذهب أبي علي : أنه لا يعترض جملتان وقد تقدّم لنا الكلام على ذلك.
وأيضاً تشبيهه هاتين الجملتين اللتين اعترض بهما بين المعطوف والمعطوف عليه على زعمه بقوله :﴿وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ ليس تشبيهاً مطابقاً للآية، لأنه لم يعترض جملتان بين طالب ومطلوب، بل اعترض بين القسم الذي هو :﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ وجوابه الذي هو :﴿إنه لقرآن كريم﴾ بجملة واحدة وهي قوله :﴿وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ لكنه جاء في جملة الاعتراض بين بعض أجزائه وبعض، اعتراض بجملة وهي قوله :﴿لو تعلمون﴾ اعترض به بين المنعوت الذي هو : لقسم، وبين نعته الذي هو : عظيم، فهذا اعتراض في اعتراض، فليس فصلاً بجملتي اعتراض لقوله :﴿والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى﴾ وسمي من الأفعال التي تتعدى إلى واحد بنفسها، وإلى آخر بحرف الجر، ويجوز حذفه واثباته هو الأصل، يقول سميت ابني بزيد، وسميته زيداً.
قال :
| وسميت كعباً بشر العظام | وكان أبوك يسمى الجعل |
﴿وإني أعيذها بك وذرّيتها من الشيطان الرجيم﴾ أتى خبر : إن، مضارعاً وهو : أعيذها، لأن مقصودها ديمومة الإستعاذة، والتكرار بخلاف : وضعتها، وسميتها، فإنهما ماضيان قد انقطعا، وقدّمت ذكر المعاذ به على المعطوف على الضمير للأهتمام به، ثم استدركت بعد ذلك الذكر ذريتها، ومناجاتها الله بالخطاب السابق إنما هو وسيلة إلى هذة الاستعاذة، كما يقدّم الانسان بين يدى مقصوده ما يستنزل به إحسان من يقصده، ثم يأتي بعد ذلك بالمقصود، وورد في الحديث، من رواية أبي هريرة :« كل مولولد من بني آدم له طعنة من الشيطان، وبها يستهل الصبي، إلاَّ ما كان من مريم ابنة عمران وابنها، فإن أمّها قالت حين وضعتها : واني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم.
فضرب بينهما حجاب فطعن الشيطان في الحجاب »
وقد اختلفت ألفاظ هذا الحديث من طرق، والمعنى واحد.
وطعن القاضي عبد الجبار في هذا الحديث، قال : لأنه خبر واحد على خلاف الدليل، فوجب رده، وإنما كان على خلاف الدليل لأن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من يعرف الشر والخير، والصبي ليس كذلك، ولأنه لو تمكن من هذا المس لفعل أكثر من ذلك من إهلاك الصالحين وغير ذلك، لأنه خص فيه مريم وابنها عيسى دون سائر الأنبياء، ولأنه لو وجد المس لنفي أثره، ولو نفي لدام الصراخ والبكاء، فلما لم يكن كذلك علمنا بطلان هذا الحديث.
وقال الزمخشري : وما يروي في الحديث :« ما من مولولد يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلاَّ مريم وابنها » فالله أعلم بصحته، فإن صح فمعناه : أن كل مولود يطمع الشيطان في اغوائه إلاَّ مريم وابنها، فإنهما كانا معصومين.
وكذلك كل من كان صفتهما لقوله :﴿لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين﴾ واستهلاله صارخاً من مسه، تخييل وتصوير لطمعه فيه كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول : هذا ممن أغويه، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي :
| لما تؤذن الدنيا به من صروفها | يكون بكاء الطفل ساعة يولد |
انتهى كلامه.
وهو جار على طريقة أهل الاعتزال، وقد مر لنا شيء من الكلام على هذا في قوله :
﴿كالذي يتخبطه الشيطان من المس﴾
العموم الذي يراد به الخصوص في قوله : على العالمين، والإختصاص في قوله : آدم، ونوحاً، وآل إبراهيم، وآل عمران.
وإطلاق اسم الفرع على الأصل.
والمسبب على السبب، في قوله : ذرية، فيمن قال المراد الأباء، والإبهام في قوله : ما في بطني، لما تعذر عليها الإطلاع على ما في بطنها أتت بلفظ : ما، الذي يصدق على الذكر والأنثى، والتأكيد في قوله :﴿إنك أنت السميع العليم﴾ والخبر الذي يراد به الاعتذار في قولها : وضعتها أنثى، والاعتراض في قوله :﴿والله أعلم بما وضعت﴾، في قراءة من سكن التاء أو كسرها وتلوين الخطاب ومعدوله في قوله : والله أعلم بما وضعت، في قراءة من كسر التاء، خرج من خطاب الغيبة في قولها : فلما وضعتها، إلى خطاب المواجهة في قوله : بما وضعت والتكرار في : وأنى، وفي : زكريا، وزكريا، وفي : من عند الله، إن الله والتجنيس المغاير في : فتقبلها ربها بقبول، وأنبتها نباتاً، وفي : رزقاً ويرزق والإشارة، وهو أن يعبر باللفظ الظاهر عن المعنى الخفي، في قوله : هو من عند الله، أي هو رزق لا يقدر على الإتيان به في ذلك الوقت إلاَّ الله.
وفي قوله : رزقاً، أتى به منكّراً مشيراً إلى أنه ليس من جنس واحد، بل من أجناس كثيرة، لأن النكرة تقتضي الشيوع والكثرة.
والحذف في عدة مواضع لا يصح المعنى إلا باعتبارها.