المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
هذه الآية خطاب من الله تعالى لمحمد عليه السلام، والوضع الولادة، وأنث الضمير في ﴿وضعتها﴾، حملاً على الموجودة ورفعاً للفظ ﴿ما﴾ التي في قولها ﴿ما في بطني﴾(١) [آل عمران: ٣٣] وقولها :﴿رب إني وضعتها أنثى﴾ لفظ خبر في ضمنه التحسر والتلهف، وبيّن الله ذلك بقوله :﴿والله أعلم بما وضعت﴾ : وقرأ جمهور الناس «وضعَتْ » بفتح العين وإسكان التاء، وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر «وضعْتُ »، بضم التاء وإسكان العين(٢)، وهذا أيضاً مخرج قولها، ﴿رب إني وضعتها أنثى﴾ من معنى الخبر إلى معنى التلهف، وإنما تلهفت لأنهم كانوا لا يحررون الإناث لخدمة الكنائس ولا يجوز ذلك عندهم، وكانت قد رجت أن يكون ما في بطنها ذكراً فلما وضعت أنثى تلهفت على فوت الأمل وأفزعها أن نذرت ما لا يجوز نذره، وقرأ ابن عباس «وضعتِ » بكسر التاء على الخطاب من الله لها، وقولها ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾ تريد في امتناع نذره إذ الأنثى تحيض ولا تصلح لصحبة الرهبان(٣) قاله قتادة والربيع والسدي وعكرمة وغيرهم، وبدأت بذكر الأهم في نفسها وإلا فسياق قصتها يقتضي أن تقول : وليست الأنثى كالذكر فتضع حرف النفي مع الشيء الذي عندها وانتفت عنه صفات الكمال للغرض المراد، وفي قولها ﴿وإني سميتها مريم﴾ سنة تسمية الأطفال قرب الولادة ونحوه قول النبي ﷺ : ولد لي الليلة مولود فسميته باسم أبي إبراهيم(٤) وقد روي عنه عليه السلام أن ذلك في يوم السابع يعق عن المولود ويسمى(٥)، قال مالك رحمه الله : ومن مات ولده قبل السابع فلا عقيقة عليه ولا تسمية، قال ابن حبيب : أحب إلي أن يسمى، وأن يسمى السقط لما روي من رجاء شفاعته(٦)، و ﴿مريم﴾، لا ينصرف لعجمته وتعريفه وتأنيثه(٧)، وباقي الآية إعادة، وورد في الحديث عن النبي عليه السلام من رواية أبي هريرة قال :«كل مولود من بني آدم له طعنة من الشيطان وبها يستهل إلا ما كان من مريم ابنة عمران وابنها فإن أمها قالت حين وضعتها :﴿وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾ فضرب بينهما حجاب فطعن الشيطان في الحجاب »(٨)، وقد اختلفت ألفاظ الحديث من طرق والمعنى واحد كما ذكرته.
١ -قال الزمخشري: وإنما أنث على المعنى، لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله، أو على تأويل: الجبلة أو النفس أو النسمة..
٢ - يعني أن جملة "والله أعلم بما وضعت" تتمة كلام أم مريم، كأنها تخاطب نفسها..
٣ - قارن كلامه بما في "زاد المسير" ١/٣٧٧..
٤ - أخرجه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود عن أنس. الجامع الصغير ٢/٦١٩..
٥ - أخرجه الإمام أحمد، وأهل السنن، وصححه الترمذي عن سمرة بن جندب "تفسير ابن كثير ١/٣٥٩" كما أخرجه الطبراني في الصغير عن بريدة مرفوعا، وفي الطبراني الأوسط والكبير عن ابن عمر، وفي الأوسط عن ابن عباس. وأخرجه أبو يعلى والبزار عن عائشة. "مجمع الزوائد" ٤/٥٧-٥٩. ومعنى يعق عن المولود: يذبح ذبيحة يوم سبوعه، وتسمى هذه الذبيحة: عقيقة..
٦ - رواه ابن عساكر عن أبي هريرة ولفظه: (سموا أسقاطكم) الحديث. الجامع الصغير ٢/٢٥..
٧ - مريم: قيل: إنه اسم عبراني معناه: العابدة، وقيل: عربي جاء شاذا كمدين وقياسه: مرام كمنال، ومعناه في العربية: التي تغازل الفتيان. قال الراجز:
قلت لزيد لم تصله مريمه..
٨ - أخرجه البخاري عن أبي هريرة. الجامع الصغير ٢٢/٢٣٤- وقال عنه الزمخشري: "الله أعلم بصحته" (الكشاف ١/٤٢٦).
٢ - يعني أن جملة "والله أعلم بما وضعت" تتمة كلام أم مريم، كأنها تخاطب نفسها..
٣ - قارن كلامه بما في "زاد المسير" ١/٣٧٧..
٤ - أخرجه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود عن أنس. الجامع الصغير ٢/٦١٩..
٥ - أخرجه الإمام أحمد، وأهل السنن، وصححه الترمذي عن سمرة بن جندب "تفسير ابن كثير ١/٣٥٩" كما أخرجه الطبراني في الصغير عن بريدة مرفوعا، وفي الطبراني الأوسط والكبير عن ابن عمر، وفي الأوسط عن ابن عباس. وأخرجه أبو يعلى والبزار عن عائشة. "مجمع الزوائد" ٤/٥٧-٥٩. ومعنى يعق عن المولود: يذبح ذبيحة يوم سبوعه، وتسمى هذه الذبيحة: عقيقة..
٦ - رواه ابن عساكر عن أبي هريرة ولفظه: (سموا أسقاطكم) الحديث. الجامع الصغير ٢/٢٥..
٧ - مريم: قيل: إنه اسم عبراني معناه: العابدة، وقيل: عربي جاء شاذا كمدين وقياسه: مرام كمنال، ومعناه في العربية: التي تغازل الفتيان. قال الراجز:
قلت لزيد لم تصله مريمه..
٨ - أخرجه البخاري عن أبي هريرة. الجامع الصغير ٢٢/٢٣٤- وقال عنه الزمخشري: "الله أعلم بصحته" (الكشاف ١/٤٢٦).