تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يخبر ربنا(١) أنه تقبلها من أمها نذيرة، وأنه ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ أي : جعلها شكلا مليحا ومنظرا بهيجا، ويَسر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم الخير والعلم والدين. ولهذا(٢) قال :﴿وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا﴾ وفي قراءة :﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ بتشديد الفاء ونصب زكريا على المفعولية، أي جعله كافلا لها.
قال ابن إسحاق : وما ذاك إلا أنها كانت يتيمة. وذكر غيره أن بني إسرائيل أصابتهم سَنَةُ جَدْب، فكفل زكريا مريم لذلك. ولا منافاة بين القولين. والله أعلم.
وإنما قدر الله كون زكريا كافلها لسعادتها، لتقتبس منه علما جما نافعًا وعملا صالحًا ؛ ولأنه كان زَوْجَ خالتها، على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير [ وغيرهما ](٣) وقيل : زوج أختها، كما ورد في الصحيح :" فإذا بِيحيى(٤) وعِيسَى، وَهُمَا ابْنَا الخَالَةِ "، وقد يُطْلق على ما ذكره ابن إسحاق ذلك أيضا تَوسُّعا، فعلى هذا كانت في حضانة خالتها. وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قضى في عمارة بنت حمَْزَةَ أن تكون في حضانة خالتها امرأة جعفر بن أبي طالب وقال :" الخَالَةُ بِمَنزلَةِ الأمِّ " (٥).
ثم أخبر تعالى عن سيادتها وجلالتها في محل عبادتها، فقال :﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، وإبراهيم النخَعيّ، والضحاك، وقتادة، والربيع بن أنس، وعطية العَوْفي، والسُّدِّي [ والشعبي ](٦) يعني وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. وعن مجاهد ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ أي : علما، أو قال : صحفًا فيها علم. رواه ابن أبي حاتم، والأول أصح، وفيه دلالة على كرامات الأولياء. وفي السنة لهذا نظائر كثيرة. فإذا رأى زكريا هذا عندها ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ أي : يقول من أين لك هذا ؟ ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا سَهْل بن زنْجَلة، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا عبد الله ابن لَهِيعَة، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر ؛ أن رسول الله ﷺ أقام أيامًا لم يَطْعَمْ طعاما، حتى شَقّ ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه فلم يجد عند واحدة منهن شيئًا، فأتى فاطمة فقال :" يا بُنَيَّة، هَلْ عِنْدَكِ شَيْء آكُلُهُ، فَإِنَّي جَائِع ؟ " فقالت : لا والله بأبي أنتَ وأمّي. فلما خَرَج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها فوضعته في جَفْنَةٍ لها، وقالت : والله لأوثرن بهذا رسول الله [ ﷺ ](٧) على نفسي ومن عندي. وكانوا جميعًا محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حَسَنا أو حُسَينا إلى رسول الله [ ﷺ ](٨) فرجع إليها فقالت له : بأبي وأمي(٩) قد أتى الله بشيء فخَبَّأتُه لك. قال :" هَلُمِّي يا بُنيَّة " قالت : فأتيته بالجفنة. فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزًا ولحمًا، فلما نظرَتْ إليها بُهِتتْ وعرفَتْ أنها بركة من الله، فحمدَت الله وصلَّت على نَبِيِّهِ، وقدّمَتْه إلى رسولِ الله ﷺ. فلما رآه حمد الله وقال :" مِنْ أيْنَ لَكِ هَذَا يَا بُنَية ؟ " فقالت(١٠) يا أبت، ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فحمد الله وقال :" الحَمْدُ للهِ الَّذي جَعَلَكِ - يا بُنَيّة - شَبيهَة بسيدةِ(١١) نِساء بَنيِ إسْرَائيلَ، فَإنَّها كَانَتْ إذَا رَزَقَهَا اللهُ شَيْئًا فَسُئِلَتْ عَنْهُ قَالَتْ :﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فبعث رسول الله ﷺ إلى عَلِي(١٢) ثم أكل رسولُ الله ﷺ وأكل علي، وفاطمة، وحسن، وحسين، وجميع أزواج النبيّ ﷺ وأهل بيته جميعًا حتى شبعوا. قالت : وبقيت الجفنة كما هي، فأوسعت ببقيتها(١٣) على جميع الجيران، وجعل الله فيها بركة وخيرا كثيرا(١٤).
١ في جـ، ر، أ، و: "تعالى"..
٢ في جـ، ر، أ، و: "فلهذا"..
٣ زيادة من و..
٤ في جـ، ر: "يحيى"..
٥ صحيح البخاري برقم (٢٦٩٩) وصحيح مسلم برقم (١٧٨٣)..
٦ زيادة من جـ، أ..
٧ زيادة من جـ، ر، أ، و..
٨ زيادة من أ، و..
٩ في جـ، ر، أ، و،: "بأبي أنت وأمي"..
١٠ في أ: "فقلت"..
١١ في ر: "سيدة"..
١٢ في أ: "وحملوا"..
١٣ في أ، و: "بقيتها"..
١٤ مسند أبي يعلى كما في المطالب العالية لابن حجر (٤/٧٤)، وفي إسناده عبد الله بن صالح متكلم فيه، وابن لهيعة ضعفه الجمهور..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى