جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي فِي الْمِحْرَابِ أَنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ اللّهِ وَسَيّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مّنَ الصّالِحِينَ﴾
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة وبعض أهل الكوفة والبصرة :﴿فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ على التأنيث بالتاء، يراد بها : جمع الملائكة، وكذلك تفعل العرب في جماعة الذكور إذا تقدمت أفعالها أنثت أفعالها ولاسيما الأسماء التي في ألفاظها التأنيث كقولهم : جاءت الطلحات.
وقد قرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بالياء، بمعنى : فناداه جبريل فذكروه للتأويل، كما قد ذكرنا آنفا أنهم يؤنثون فعل الذكر للفظ، فكذلك يذكّرون فعل المؤنث أيضا للفظ. واعتبروا ذلك فيما أرى بقراءة يذكر أنها قراءة عبد الله بن مسعود، وهو ما :
حدثني به المثنى، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال : حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد أن قراءة ابن مسعود :«فناداه جبريل وهو قائم يصلي في المحراب ».
وكذلك تأوّل قوله :﴿فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ جَماعة مِنْ أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ وهو جبريل أو : قالت الملائكة، وهو جبريل ﴿أنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى﴾.
فإن قال قائل : وكيف جاز أن يقال على هذا التأويل :﴿فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ والملائكة جمع لا واحد ؟ قيل : ذلك جائز في كلام العرب بأن تخبر عن الواحد بمذهب الجمع، كما يقال في الكلام : خرج فلان على بغال البرد، وإنما ركب بغلاً واحدا، وركب السفن، وإنما ركب سفينة واحدة، وكما يقال : ممن سمعت هذا الخبر ؟ فيقال : من الناس، وإنما سمعه من رجل واحد¹ وقد قيل : إن منه قوله :﴿الّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾، والقائل كان فيما ذكر واحدا، وقوله :﴿وَإذَا مَسّ النّاسَ ضُرّ﴾، والناس بمعنى واحد، وذلك جائز عندهم فيما لم يقصد فيه قصد واحد.
وإنما الصواب من القول عندي في قراءة ذلك أنهما قراءتان معروفتان، أعني التاء والياء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وذلك أنه لا اختلاف في معنى ذلك باختلاف القرائين، وهما جميعا فصيحتان عند العرب، وذلك أن الملائكة إن كان مرادا بها جبريل كما روي عن عبد الله فإن التأنيث في فعلها فصيح في كلام العرب للفظها إن تقدمها الفعل، وجائز فيه التذكير لمعناها. وإن كان مرادا بها جمع الملائكة فجائز في فعلها التأنيث، وهو من قبلها للفظها، وذلك أن العرب إذا قدمت على الكثير من الجماعة فعلها أنثته، فقالت : قالت النساء، وجائز التذكير في فعلها بناء على الواحد إذا تقدم فعله، فيقال : قال الرجال.
وأما الصواب من القول في تأويله، فأن يقال : إن الله جلّ ثناؤه، أخبر أن الملائكة نادته، والظاهر من ذلك أنها جماعة من الملائكة دون الواحد وجبريل واحد، فلن يجوز أن يحمل تأويل القرآن إلا على الأظهر الأكثر من الكلام المستعمل في ألسن العرب، دون الأقلّ ما وجد إلى ذلك سبيل، ولم يضطرنا حاجة إلى صرف ذلك إلى أنه بمعنى واحد، فيحتاج له إلى طلب المخرج بالخفيّ من الكلام والمعاني.
وبما قلنا في ذلك من التأويل قال جماعة من أهل العلم، منهم قتادة والربيع بن أنس وعكرمة ومجاهد وجماعة غيرهم. وقد ذكرنا ما قالوا من ذلك فيما مضى.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَهُوَ قائمٌ يُصَلّي فِي المِحْرَابِ أنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى﴾.
وتأويل قوله ﴿وَهُوَ قائِمٌ﴾ : فنادته الملائكة في حال قيامه مصليا. فقوله :﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾ خبر عن وقت نداء الملائكة زكريا¹ وقوله :﴿يُصَلّي﴾ في موضع نصب على الحال من القيام، وهو رفع بالياء. وأما المحراب : فقد بينا معناه، وأنه مقدم المسجد.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله :﴿أنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ﴾، فقرأته عامّة القرّاء :﴿أنّ اللّهَ﴾ بفتح الألف من «أن » بوقوع النداء عليها بمعنى فنادته الملائكة بذلك. وقرأه بعض قرّاء أهل الكوفة :«إنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ » بكسر الألف بمعنى : قالت الملائكة : إن الله يبشرك، لأن النداء قول¹ وذكروا أنها في قراءة عبد الله :«فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب يا زكريا إن الله يبشرك »¹ قالوا : إذا بطل النداء أن يكون عاملاً في قوله :«يا زكريا »، فباطل أيضا أن يكون عاملاً في «إن ».
والصواب من القراءة في ذلك عندنا :﴿أنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ﴾ بفتح أن بوقوع النداء عليه، بمعنى : فنادته الملائكة بذلك، وليست العلة التي اعتلّ بها القارئون بكسر إن، من أن عبد الله كان يقرؤها كذلك، وذلك أن عبد الله إن كان قرأ ذلك كذلك، فإنما قرأها بزعمهم. وقد اعترض ب«يا زكريا » بين «إن » وبين قوله :«فنادته »، وإذا اعترض به بينهما، فإن العرب تعمل حينئذ النداء في «أنّ »، وتبطله عنها. أما الإبطال، فإنه بطل عن العمل في المنادى قبله، فأسلكوا الذي بعده مسلكه في بطول عمله. وأما الإعمال، فلأن النداء فعل واقع كسائر الأفعال. وأما قراءتنا فليس نداء زكريا ب«يا زكريا »، معترضا به بين «أن » وبين قوله :«فنادته »، وإذا لم يكن ذلك بينهما، فالكلام الفصيح من كلام العرب إذ نصبت بقول : ناديت اسم المنادى، وأوقعوه عليه أن يوقعوه كذلك على «أنّ » بعده وإن كان جائزا إبطال عمله، فقوله :«نادته »، قد وقع على مكنيّ زكريا¹ فكذلك الصواب أن يكون واقعا على «أنّ » وعاملاً فيها، مع أن ذلك هو القراءة المستفيضة في قراءة أمصار الإسلام، ولا يعترض بالشاذّ على الجماعة التي تجيء مجيء الحجة.
وما قوله :﴿يُبَشّرُكَ﴾ فإن القرّاء اختلفت في قراءته، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة :﴿أنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ﴾ بتشديد الشين وضمّ الياء على وجه تبشير الله زكريا بالولد، من قول الناس : بشّرت فلانا البشرى بكذا وكذا، أي أتته بشارات البشرى بذلك.
وقرأ ذلك جماعة من قرّاء الكوفة وغيرهم :«أنّ اللّهَ يَبْشُرُكَ » بفتح الياء وضمّ الشين وتخفيفها، بمعنى : أن الله يسرّك بولد يهبه لك، من قول الشاعر :
| بَشَرْتُ عِيالي إذْ رأيْتُ صَحِيفَةً | أتَتْكَ مِنَ الحَجّاجِ يُتْلَى كِتابُها |
| وإذَا رأيْتُ الباهِشِينَ إلى العُلا | غُبْرا أكُفّهُمْ بقاعٍ مُمْحِلِ |
| فأعِنْهُمُ وَابْشَرْ بِمَا بَشِرُوا بِهِ | وَإذَا هُمُ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلِ |
وقد رُوي عن حميد بن قيس أنه كان يقرأ :«يُبْشِركَ » بضم الياء وكسر الشين وتخفيفها. وقد :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن معاد الكوفي، قال : من قرأ «يبشّرهم » مثقلة، فإنه من البشارة، ومن قرأ «يَبْشُرُهم » مخففة بنصب الياء، فإنه من السرور، يسرّهم.
والقراءة التي هي القراءة عندنا في ذلك ضم الياء وتشديد الشين، بمعنى التبشير، لأن ذلك هي اللغة السائرة، والكلام المستفيض المعروف في الناس، مع أن جميع قرّاء الأمصار مجمعون في قراءة :﴿فبم تبشّرون﴾ على التشديد. والصواب في سائر ما في القرآن من نظائره أن يكون مثله في التشديد وضم الياء.
وأما ما رُوي عن معاذ الكوفي من الفرق بين معنى التخفيف والتشديد في ذلك، فلم نجد أهل العلم بكلام العرب يعرفونه من وجه صحيح، فلا معنى لما حكي من ذلك عنه، وقد قال جرير بن عطية :
| يا بِشْرُ حُقّ لِبشْرِكَ التّبْشِيرُ | هَلاّ غَضِبتَ لَنا وأنْتَ أمِيرُ |
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة قوله :﴿أنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى﴾ قال : بشرته الملائكة بذلك.
( وأما قوله :﴿بِيَحْيَى﴾ فإنه اسم أصله يَفْعَل، من قول القائل : حي فلان فهو يحيا، وذلك إذا عاش فيحيى «يَفْعَل » من قولهم «حيي ». وقيل : إن الله جلّ ثناؤه سماه بذلك لأنه يتأوّل اسمه أحياه بالإيمان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿أنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى﴾ يقول : عبد أحياه الله بالإيمان.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة قوله :﴿أنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى﴾ قال : إنّمَا سمي يحيى، لأن الله أحياه بالإيمان.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ﴾.
يعني بقوله جلّ ثناؤه : إن الله يبشرك يا زكريا بيحيى ابنا لك، ﴿مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ الله﴾ يعني بعيسى ابن مريم. ونصب قوله
«مصدّقا » على القطع من يحيى، لأن «مصدقا » نعت له وهو نكرة، و«يحيى » غير نكرة.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطفاوي، قال : حدثنا محمد بن ربيعة، قال : حدثنا النضر بن عربيّ، عن مجاهد قال : قالت امرأة زكريا لمريم : إني أجد الذي في بطني يتحرّك للذي في بطنك، قال : فوضعت امرأة زكريا يحيى، ومريم عيسى. ولذا قال :﴿مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ﴾ قال يحيى : مصدّق بعيسى.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن الرقاشي في قول الله :﴿يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ﴾ قال : مصدّقا بعيسى ابن مريم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا سليمان، قال : حدثنا أبو هلال، قال : حدثنا قتادة في قوله :﴿مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ﴾ قال : مصدّقا بعيسى.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ﴾ يقول : مصدّق بعيسى ابن مريم، وعلى سننه ومنهاجه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ﴾ يعني عيسى ابن مريم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة :﴿مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ﴾ يقول : مصدّقا بعيسى ابن مريم، يقول : على سننه ومنهاجه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع :﴿مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ﴾ قال : كان أوّل رجل صدّق عيسى وهو كلمة من الله ورو