جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي فِي الْمِحْرَابِ أَنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ اللّهِ وَسَيّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مّنَ الصّالِحِينَ﴾
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة وبعض أهل الكوفة والبصرة :﴿فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ على التأنيث بالتاء، يراد بها : جمع الملائكة، وكذلك تفعل العرب في جماعة الذكور إذا تقدمت أفعالها أنثت أفعالها ولاسيما الأسماء التي في ألفاظها التأنيث كقولهم : جاءت الطلحات.
وقد قرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بالياء، بمعنى : فناداه جبريل فذكروه للتأويل، كما قد ذكرنا آنفا أنهم يؤنثون فعل الذكر للفظ، فكذلك يذكّرون فعل المؤنث أيضا للفظ. واعتبروا ذلك فيما أرى بقراءة يذكر أنها قراءة عبد الله بن مسعود، وهو ما :
حدثني به المثنى، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال : حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد أن قراءة ابن مسعود :«فناداه جبريل وهو قائم يصلي في المحراب ».
وكذلك تأوّل قوله :﴿فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ جَماعة مِنْ أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ وهو جبريل أو : قالت الملائكة، وهو جبريل ﴿أنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى﴾.
فإن قال قائل : وكيف جاز أن يقال على هذا التأويل :﴿فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ والملائكة جمع لا واحد ؟ قيل : ذلك جائز في كلام العرب بأن تخبر عن الواحد بمذهب الجمع، كما يقال في الكلام : خرج فلان على بغال البرد، وإنما ركب بغلاً واحدا، وركب السفن، وإنما ركب سفينة واحدة، وكما يقال : ممن سمعت هذا الخبر ؟ فيقال : من الناس، وإنما سمعه من رجل واحد¹ وقد قيل : إن منه قوله :﴿الّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾، والقائل كان فيما ذكر واحدا، وقوله :﴿وَإذَا مَسّ النّاسَ ضُرّ﴾، والناس بمعنى واحد، وذلك جائز عندهم فيما لم يقصد فيه قصد واحد.
وإنما الصواب من القول عندي في قراءة ذلك أنهما قراءتان معروفتان، أعني التاء والياء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وذلك أنه لا اختلاف في معنى ذلك باختلاف القرائين، وهما جميعا فصيحتان عند العرب، وذلك أن الملائكة إن كان مرادا بها جبريل كما روي عن عبد الله فإن التأنيث في فعلها فصيح في كلام العرب للفظها إن تقدمها الفعل، وجائز فيه التذكير لمعناها. وإن كان مرادا بها جمع الملائكة فجائز في فعلها التأنيث، وهو من قبلها للفظها، وذلك أن العرب إذا قدمت على الكثير من الجماعة فعلها أنثته، فقالت : قالت النساء، وجائز التذكير في فعلها بناء على الواحد إذا تقدم فعله، فيقال : قال الرجال.
وأما الصواب من القول في تأويله، فأن يقال : إن الله جلّ ثناؤه، أخبر أن الملائكة نادته، والظاهر من ذلك أنها جماعة من الملائكة دون الواحد وجبريل واحد، فلن يجوز أن يحمل تأويل القرآن إلا على الأظهر الأكثر من الكلام المستعمل في ألسن العرب، دون الأقلّ ما وجد إلى ذلك سبيل، ولم يضطرنا حاجة إلى صرف ذلك إلى أنه بمعنى واحد، فيحتاج له إلى طلب المخرج بالخفيّ من الكلام والمعاني.
وبما قلنا في ذلك من التأويل قال جماعة من أهل العلم، منهم قتادة والربيع بن أنس وعكرمة ومجاهد وجماعة غيرهم. وقد ذكرنا ما قالوا من ذلك فيما مضى.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَهُوَ قائمٌ يُصَلّي فِي المِحْرَابِ أنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى﴾.
وتأويل قوله ﴿وَهُوَ قائِمٌ﴾ : فنادته الملائكة في حال قيامه مصليا. فقوله :﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾ خبر عن وقت نداء الملائكة زكريا¹ وقوله :﴿يُصَلّي﴾ في موضع نصب على الحال من القيام، وهو رفع بالياء. وأما المحراب : فقد بينا معناه، وأنه مقدم المسجد.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله :﴿أنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ﴾، فقرأته عامّة القرّاء :﴿أنّ اللّهَ﴾ بفتح الألف من «أن » بوقوع النداء عليها بمعنى فنادته الملائكة بذلك. وقرأه بعض قرّاء أهل الكوفة :«إنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ » بكسر الألف بمعنى : قالت الملائكة : إن الله يبشرك، لأن النداء قول¹ وذكروا أنها في قراءة عبد الله :«فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب يا زكريا إن الله يبشرك »¹ قالوا : إذا بطل النداء أن يكون عاملاً في قوله :«يا زكريا »، فباطل أيضا أن يكون عاملاً في «إن ».
والصواب من القراءة في ذلك عندنا :﴿أنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ﴾ بفتح أن بوقوع النداء عليه، بمعنى : فنادته الملائكة بذلك، وليست العلة التي اعتلّ بها القارئون بكسر إن، من أن عبد الله كان يقرؤها كذلك، وذلك أن عبد الله إن كان قرأ ذلك كذلك، فإنما قرأها بزعمهم. وقد اعترض ب«يا زكريا » بين «إن » وبين قوله :«فنادته »، وإذا اعترض به بينهما، فإن العرب تعمل حينئذ النداء في «أنّ »، وتبطله عنها. أما الإبطال، فإنه بطل عن العمل في المنادى قبله، فأسلكوا الذي بعده مسلكه في بطول عمله. وأما الإعمال، فلأن النداء فعل واقع كسائر الأفعال. وأما قراءتنا فليس نداء زكريا ب«يا زكريا »، معترضا به بين «أن » وبين قوله :«فنادته »، وإذا لم يكن ذلك بينهما، فالكلام الفصيح من كلام العرب إذ نصبت بقول : ناديت اسم المنادى، وأوقعوه عليه أن يوقعوه كذلك على «أنّ » بعده وإن كان جائزا إبطال عمله، فقوله :«نادته »، قد وقع على مكنيّ زكريا¹ فكذلك الصواب أن يكون واقعا على «أنّ » وعاملاً فيها، مع أن ذلك هو القراءة المستفيضة في قراءة أمصار الإسلام، ولا يعترض بالشاذّ على الجماعة التي تجيء مجيء الحجة.
وما قوله :﴿يُبَشّرُكَ﴾ فإن القرّاء اختلفت في قراءته، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة :﴿أنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ﴾ بتشديد الشين وضمّ الياء على وجه تبشير الله زكريا بالولد، من قول الناس : بشّرت فلانا البشرى بكذا وكذا، أي أتته بشارات البشرى بذلك.
وقرأ ذلك جماعة من قرّاء الكوفة وغيرهم :«أنّ اللّهَ يَبْشُرُكَ » بفتح الياء وضمّ الشين وتخفيفها، بمعنى : أن الله يسرّك بولد يهبه لك، من قول الشاعر :
| بَشَرْتُ عِيالي إذْ رأيْتُ صَحِيفَةً | أتَتْكَ مِنَ الحَجّاجِ يُتْلَى كِتابُها |
| وإذَا رأيْتُ الباهِشِينَ إلى العُلا | غُبْرا أكُفّهُمْ بقاعٍ مُمْحِلِ |
| فأعِنْهُمُ وَابْشَرْ بِمَا بَشِرُوا بِهِ | وَإذَا هُمُ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلِ |
وقد رُوي عن حميد بن قيس أنه كان يقرأ :«يُبْشِركَ » بضم الياء وكسر الشين وتخفيفها. وقد :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن معاد الكوفي، قال : من قرأ «يبشّرهم » مثقلة، فإنه من البشارة، ومن قرأ «يَبْشُرُهم » مخففة بنصب الياء، فإنه من السرور، يسرّهم.
والقراءة التي هي القراءة عندنا في ذلك ضم الياء وتشديد الشين، بمعنى التبشير، لأن ذلك هي اللغة السائرة، والكلام المستفيض المعروف في الناس، مع أن جميع قرّاء الأمصار مجمعون في قراءة :﴿فبم تبشّرون﴾ على التشديد. والصواب في سائر ما في القرآن من نظائره أن يكون مثله في التشديد وضم الياء.
وأما ما رُوي عن معاذ الكوفي من الفرق بين معنى التخفيف والتشديد في ذلك، فلم نجد أهل العلم بكلام العرب يعرفونه من وجه صحيح، فلا معنى لما حكي من ذلك عنه، وقد قال جرير بن عطية :
| يا بِشْرُ حُقّ لِبشْرِكَ التّبْشِيرُ | هَلاّ غَضِبتَ لَنا وأنْتَ أمِيرُ |
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة قوله :﴿أنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى﴾ قال : بشرته الملائكة بذلك.
( وأما قوله :﴿بِيَحْيَى﴾ فإنه اسم أصله يَفْعَل، من قول القائل : حي فلان فهو يحيا، وذلك إذا عاش فيحيى «يَفْعَل » من قولهم «حيي ». وقيل : إن الله جلّ ثناؤه سماه بذلك لأنه يتأوّل اسمه أحياه بالإيمان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿أنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى﴾ يقول : عبد أحياه الله بالإيمان.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة قوله :﴿أنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى﴾ قال : إنّمَا سمي يحيى، لأن الله أحياه بالإيمان.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ﴾.
يعني بقوله جلّ ثناؤه : إن الله يبشرك يا زكريا بيحيى ابنا لك، ﴿مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ الله﴾ يعني بعيسى ابن مريم. ونصب قوله
«مصدّقا » على القطع من يحيى، لأن «مصدقا » نعت له وهو نكرة، و«يحيى » غير نكرة.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطفاوي، قال : حدثنا محمد بن ربيعة، قال : حدثنا النضر بن عربيّ، عن مجاهد قال : قالت امرأة زكريا لمريم : إني أجد الذي في بطني يتحرّك للذي في بطنك، قال : فوضعت امرأة زكريا يحيى، ومريم عيسى. ولذا قال :﴿مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ﴾ قال يحيى : مصدّق بعيسى.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن الرقاشي في قول الله :﴿يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ﴾ قال : مصدّقا بعيسى ابن مريم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا سليمان، قال : حدثنا أبو هلال، قال : حدثنا قتادة في قوله :﴿مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ﴾ قال : مصدّقا بعيسى.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ﴾ يقول : مصدّق بعيسى ابن مريم، وعلى سننه ومنهاجه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ﴾ يعني عيسى ابن مريم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة :﴿مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ﴾ يقول : مصدّقا بعيسى ابن مريم، يقول : على سننه ومنهاجه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع :﴿مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ﴾ قال : كان أوّل رجل صدّق عيسى وهو كلمة من الله ورو
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
وأما قوله:"إنك سميع الدعاء"، فإن معناه: إنك سامع الدعاء، غير أنّ"سميع"، أمدَحُ، وهو بمعنى: ذو سمع له. (٢)
* * *
وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معناه: إنك تَسمعَ ما تُدْعى به.
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الآية، فعند ذلك دعا زكريا ربه فقال: رب هب لي من عندك ولدًا مباركًا، إنك ذو سَمعٍ دُعاءَ من دَعاك.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعضُ أهل الكوفة والبصرة:"فنادته الملائكة" على التأنيث بالتاء، يراد بها: جمع"الملائكة". وكذلك تفعل العرب في جماعة الذّكور إذا تقدّمت أفعالها، أنَّثت أفعالها، ولا سيما الأسماء التي في ألفاظها التأنيث، كقولهم: جاءَت الطَّلحات".
* * *
وقد قرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بالياء، (٣) بمعنى فناداه جبريل، فذكروه للتأويل، كما قد ذكرنا آنفًا أنهم يُؤنثون فعل الذّكر للفظ، (٤) فكذلك يذكِّرون
(٢) انظر تفسير"سميع" فيما سلف ٢: ١٤٠، ٣٧٧، ٥٤٠ / ٣: ٣٩٩ / ٤: ٤٨٨.
(٣) يعني قراءة من قرأ"فناداه" ممالة، ورسمها في المصحف عندئذ"فناديه" بالياء، وهي قراء حمزة والكسائي.
(٤) انظر ص: ٣٦٢.
٦٩٤٥ - حدثني به المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، أنّ قراءة ابن مسعود: (فَنَادَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ).
* * *
وكذلك تأوّل قوله:"فنادته الملائكة" جماعةٌ من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٦٩٤٦ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فنادته الملائكة"، (١) وهو جبريل = أو: قالت الملائكة، وهو جبريل ="أنّ الله يُبشرك بيَحيى".
* * *
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف جاز أن يقال على هذا التأويل:"فنادته الملائكة"، و"الملائكة" جمع لا واحد؟ قيل: ذلك جائز في كلام العرب، بأن تخبر عن الواحد بمذهب الجمع، كما يقال في الكلام:"خرج فلان على بغال البُرُد"، وإنما ركب بغلا واحدًا ="وركب السفن"، وإنما ركب سفينةً واحدة. وكما يقال:"ممن سمعتَ هذا الخبر"؟ فيقال:"من الناس"، وإنما سمعه من رجل واحد. وقد قيل إنّ منه قوله: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) [سورة آل عمران: ١٧٣]، والقائلُ كانَ = فيما كان ذُكر - واحدًا = (٢) وقوله: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ)
(٢) انظر ما سلف ١: ٢٩٢، ٢٩٣ / ٤: ١٩١.
* * *
قال أبو جعفر: وإنما الصواب من القول عندي في قراءة ذلك، أنهما قراءتان معروفتان = أعني"التاء" و"الياء" = فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وذلك أنه لا اختلافَ في معنى ذلك باختلاف القراءتين، وهما جميعًا فصيحتان عند العرب، وذلك أنّ"الملائكة" إن كان مرادًا بها جبريل، كما روى عن عبد الله، فإن التأنيث في فعلها فصيحٌ في كلام العرب للفظها، إن تقدمها الفعل. وجائز فيه التذكير لمعناها.
وإن كان مرادًا بها جمع"الملائكة"، فجائز في فعلها التأنيث، وهو من قَبلها، للفظها. (٢) وذلك أن العرب إذا قدّمت على الكثير من الجماعة فعلها، أنثته، فقالت:"قالت النساء". وجائز التذكير في فعلها، بناءً على الواحد، إذا تقدم فعله، فيقال:"قال الرجال".
* * *
وأما الصّواب من القول في تأويله، فأنْ يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر أنّ الملائكة نادته. والظاهرُ من ذلك، أنها جماعة من الملائكة دون الواحد، وجبريلُ واحد.
ولا يجوز أن يحمل تأويل القرآن (٣) إلا على الأظهر الأكثر من الكلام المستعمل في ألسن العرب، دون الأقل = ما وُجِد إلى ذلك سبيل. ولم تَضطَّرنا حاجةٌ إلى صرف ذلك إلى أنه بمعنى واحد، فيحتاج له إلى طلب المخرج بالخفيّ من الكلام والمعاني.
وبما قلنا في ذلك من التأويل قال جماعة من أهل العلم، منهم: قتادة، والربيع
(٢) في المطبوعة: "وهو من قبلها" والصواب من المخطوطة.
(٣) في المخطوطة والمطبوعة: "فلن يجوز... "، والأشبه بالصواب ما أثبت.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾
قال أبو جعفر: وتأويل قوله:"وهو قائم:" فنادته الملائكة في حال قيامه مصلِّيًا. فقوله:"وهو قائم"، خبر عن وقت نداء الملائكة زكريا.
وقوله:"يُصَلي" في موضع نصب على الحال من"القيام"، وهو رفع بالياء.
* * *
وأما"المحراب"، فقد بينا معناه، وأنه مقدّم المسجد. (٢)
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله:"أنّ اللهَ يبشرك".
فقرأته عامة القرأة: (أَنَّ اللَّهَ) بفتح"الألف" من"أن"، بوقوع"النداء" عليها، بمعنى: فنادته الملائكة بذلك.
* * *
وقرأه بعض قرأة أهل الكوفة: (إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ) بكسر"الألف"، بمعنى: قالت الملائكة: إنّ الله يبشرك، لأن النداء قولٌ. وذكروا أنها في قراءة عبد الله: (فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ يَا زَكَرِيَّا إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ) قالوا: وإذا بطل النداء أن يكون عاملا في قوله:"يا زكريا"، فباطلً أيضًا
(٢) انظر ما سلف قريبًا ص: ٣٥٧، ٣٥٨.
* * *
والصواب من القراءة في ذلك عندنا:"أنّ الله يبشرك" بفتح"أن" بوقوع النداء عليه، بمعنى: فنادته الملائكة بذلك.
وليست العلة التي اعتلّ بها القارئون بكسر"إن" = منْ أنّ عبد الله كان يقرؤها كذلك، فقرأوها كذلك = [لهم بعلة] (١) وذلك أن عبد الله إنْ كان قرأ ذلك كذلك، فإنما قرأها بزعمهم، وقد اعترض بنداء زكريا بين"إن" وبين قوله:"فنادته"، (٢) وإذا اعترض به بينهما، فإن العرَب تعمل حينئذ النداء في"أنّ"، وتبطله عنها. أما الإبطال، فلأنه بطل عن العمل في المنادى قبله، (٣) فأسلكوا الذي بعده مسلكه في بطول عمله. وأما الإعمال، فلأن النداء فعل واقعٌ. كسائر الأفعال. (٤)
وأما قراءتنا، (٥) فليس نداء زكريا ب"يا زكريا" معترضًا به بين"أن" وبين قوله:"فنادته". وإذا لم يكن ذلك بينهما، فالكلامُ الفصيح من كلام العرب إذا نصبتْ بقوْلِ:"ناديت" اسمَ المنادِى وأوقعوه عليه، أن يوقعوه كذلك على"أنّ" بعده. وإن كان جائزًا إبطالُ عمله، فقوله:"نادته"، قد وَقع على مكنيّ"زكريا"، (٦) فكذلك الصواب أن يكون واقعًا على"أن" وعاملا فيها. (٧)
(٢) في المطبوعة: "وقد اعترض بيا زكريا" وفي المخطوطة: "بهذا زكريا"، وصواب قراءتها ما أثبت. وفي المخطوطة أيضًا"فناداه"، مكان"فنادته".
(٣) في المطبوعة: "فإنه بطل عن العمل"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الصواب.
(٤) الفعل الواقع: هو الفعل المتعدي، كما سلف، فانظر فهرس المصطلحات فيما سلف، والوقوع هو التعدي.
(٥) في المخطوطة: "وأما قراءتها"، والصواب ما في المطبوعة.
(٦) الفعل الواقع: هو الفعل المتعدي، كما سلف، فانظر فهرس المصطلحات فيما سلف، والوقوع هو التعدي.
(٧) انظر تفصيل ما أجمله الطبري في معاني القرآن للفراء ١: ٢١٠، ٢١١.
* * *
وأما قوله:"يبشرك"، فإن القرأة اختلفت في قراءته.
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والبصرة: (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ) بتشديد"الشين" وضم"الياء"، على وجه تبشير الله زكريا بالولد، من قول الناس:"بشَّرتْ فلانًا البُشَراء بكذا وكذا"، أي: أتته بشارات البُشراء بذلك. (١)
* * *
وقرأ ذلك جماعة من قرأة الكوفة وغيرهم: (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ)، بفتح"الياء" وضم"الشين" وتخفيفها، بمعنى: أن الله يَسرّك بولد يَهَبُه لك، من قول الشاعر: (٢)
| بَشَرْتُ عِيَالِي إِذْ رَأَيْتُ صَحِيفَةً | أَتَتْكَ مِنَ الحَجَّاجُ يُتْلَى كِتَابُهَا (٣) |
| وَإذَا رَأَيْتَ البَاهِشِينَ إلَى العُلَى | غُبْرًا أَكُفُّهُمُ بِقَاعٍ مُمْحِلِ (٥) |
(٢) لم أعرف قائله.
(٣) معاني القرآن للفراء، وقال: "أنشدني بعض العرب".
(٤) هو عبد قيس بن خفاف البرجمي.
(٥) الأصمعيات رقم: ٨٧، والمفضليات رقم: ١١٦، ولسان العرب (كرب) (بشر) (يسر)، ومعاني القرآن للفراء ١: ٢١٢، وغيرها من المراجع. وهي نصيحته إلى ولده جبيل، وهي من حكيم الشعر.
بهش إلى الشيء: فرح به فأسرع إليه، وروايتهم"إلى الندى"، وهو الكرم. والقاع: أرض سهلة مستوية تنفرج عنها الجبال والآكام، ولا حصى فيها ولا حجارة ولا تنبت الشجر. والممحل: المجدب. يقول: إذا رأيت الكرام الأسخياء، قد أجهدتهم السنة والقحط والجدب حتى اغبرت أيديهم من قلة ما يجدون، وكثرة ما بذلوا في معونة الناس.. فأعنهم.
| فَأَعِنْهُمُ، وَابْشَرْ بِمَا بَشِرُوا بِهِ، | وَإذَا هُمُ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فَانْزِلِ (١) |
* * *
وقد روي عن حميد بن قيس أنه كان يقرأ: (يبشرك)، بضم"الياء" وكسر"الشين" وتخفيفها. وقد:-
٦٩٤٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن معاذ الكوفيّ قال: من قرأ: (يُبَشِّرُهُمْ) مثقلة، فإنه من البشارة، ومن قرأ: (يَبْشُرُهُمْ)، مخففة، بنصب"الياء"، فإنه من السرور، يسرُّهم.
* * *
قال أبو جعفر: والقراءة التي هي القراءة عندنا في ذلك، ضم"الياء" وتشديد"الشين"، بمعنى التبشير. لأن ذلك هي اللغة السائرةُ والكلامُ المستفيض المعروف في الناس، مع أن جميع قرأة الأمصار مجمعون في قراءة: (فَبِمَ تُبِشِّرُون) [سورة الحجر: ٥٤]، على التشديد. والصواب في سائر ما في القرآن من نظائره، أنْ يكون مثله في التشديد وضم"الياء".
* * *
(٢) انظر تفسير: "بشرى" و"بشر" فيما سلف ١: ٣٨٣ / ٢: ٣٩٣، / ٣: ٢٢١ / ٦: ٢٨٧.
| يَا بِشْرُ حُقَّ لِوَجْهِكَ التَّبْشِيرُ | هَلا غَضِبْتَ لَنَا؟ وَأَنْتَ أَمِيرُ! (١) |
* * *
٦٩٤٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله:"إن الله يبشرك بيحيى"، قال: بشرته الملائكة بذلك.
* * *
وأما قوله:"بيحيى"، فإنه اسم، أصله"يفعل"، من قول القائل:"حيي فلانٌ فهو يحيَى"، وذلك إذا عاش."فيحيى""يفعل" من قولهم"حيي".
وقيل: إن الله جل ثناؤه سماه بذلك، لأنه يتأوّل اسمه: أحياه بالإيمان.
ذكر من قال ذلك:
٦٩٤٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"أنّ الله يبشرُك بيحيى"، يقول: عبدٌ أحياه الله بالإيمان.
٦٩٥٠- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي
كان في المطبوعة: "حق لبشرك التبشير"، وهو من سهو الناشر، كما سلف من سهوه، والصواب في المخطوطة وسائر المراجع.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: (١) أن الله يبشرك يا زكريا بيحيى ابنًا لك، ="مصدّقًا بكلمة من الله"، يعني: بعيسى ابن مريم.
* * *
ونصب قوله:"مصدقًا" على القطع من"يحيى"، (٢) لأنّ"مصدقًا" نعتٌ له، وهو نكرة، و"يحيى" غير نكرة.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٦٩٥١ - حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطفاوي قال، حدثنا محمد بن ربيعة قال، حدثنا النضر بن عربيّ، عن مجاهد قال: قالت امرأة زكريا لمريم: إني أجد الذي في بطني يتحرّك للذي في بطنك! قال: فوضعت امرأةُ زكريا يحيى، ومريمُ عيسى، ولذا قال:"مصدِّقًا بكلمة من الله"، قال: يحيى مصدّق بعيسى.
٦٩٥٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن الرقاشي في قول الله:"يبشرك بيحيى مصدّقًا بكلمة من الله"، قال: مصدّقًا بعيسى ابن مريم.
(٢) القطع: الحال، كما سلف مرارًا، آخرها ص: ٣٢٧ تعليق ٢، والمراجع هناك.
٦٩٥٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سليمان قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة في قوله:"مصدقًا بكلمة من الله"، قال: مصدقًا بعيسى.
٦٩٥٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"مصدقًا بكلمة من الله"، يقول: مصدّقًا بعيسى ابن مريم، وعلى سُنَّته ومنهاجه. (١)
٦٩٥٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"مصدقًا بكلمة من الله"، يعني: عيسى ابن مريم.
٦٩٥٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة:"مصدقًا بكلمة من الله"، يقول: مصدقًا بعيسى ابن مريم، يقول على سننه ومنهاجه.
٦٩٥٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"مصدقًا بكلمة من الله"، قال: كان أوّلَ رجل صدَّق عيسى، وهو كلمة من الله ورُوحٌ.
٦٩٥٩ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"مصدقًا بكلمة من الله"، يصدق بعيسى.
٦٩٦٠ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"إنّ الله يبشرك بيحيى مصدقًا بكلمة من الله"، كان يحيى أول من صدق بعيسى وشهدَ أنه كلمة من الله، وكان يحيى ابن خالة عيسى، وكان أكبر من عيسى.
٦٩٦٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، أخبرني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: قوله:"مصدقًا بكلمة من الله"، قال: كان عيسى ويحيى ابنَيْ خالة، وكانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجدُ للذي في بطنك! فذلك تصديقه بعيسى: سُجوده في بطن أمه. وهو أول من صدق بعيسى وكلمة عيسى، ويحيى أكبر من عيسى. (١)
٦٩٦٣ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"أن الله يبشرك بيحيى مصدقًا بكلمة من الله"، قال: الكلمة التي صدق بها: عيسى.
٦٩٦٤ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لقيت أمّ يحيى أمّ عيسى، وهذه حامل بيحيى، وهذه حامل بعيسى، فقالت امرأة زكريا: يا مريم، استشعرتُ أنِّي حبلى! قالت مريم: استشعرت أني أيضًا حبلى! قالت امرأة زكريا: فإني وجدتُ ما في بطني يسجُد لما في بطنك! فذلك قوله:"مصدّقًا بكلمة من الله".
٦٩٦٥- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قول الله:"أنّ الله يبشرك بيحيى مصدقًا بكلمة من الله"، قال: مصدّقًا بعيسى ابن مريم.
* * *
قال أبو جعفر: وقد زعم بعض أهل العلم بلغات العرب من أهل البصرة، (٢)
(٢) هو أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه مجاز القرآن ١: ٩١.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَسَيِّدًا﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"وسيدًا"، وشريفًا في العلم والعبادة.
* * *
ونصب"السيد" عطفًا على قوله:"مصدقًا".
* * *
وتأويل الكلام: أن الله يبشرك بيحيى مصدّقًا بهذا، وسيدًا.
* * *
"والسيد""الفيعل" من قول القائل:"سادَ يسود"، (٢) كما:-
٦٩٦٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وسيدًا" إي والله، لسيدٌ في العبادة والحلم والعلِم والوَرَع.
٦٩٦٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مسلم قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة في قوله:"وسيدًا"، قال: السيدُ، لا أعلمه إلا قال: في العلم والعبادة.
(٢) انظر ما سلف ٣: ٣١٩.
٦٩٦٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير،"وسيدًا"، قال: الحليم.
٦٩٧٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير:"وسيدًا"، قال: السيد التقىّ.
٦٩٧١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"وسيدا"، قال: السيد الكريم على الله.
٦٩٧٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال: زعم الرّقاشي أنّ السيد، الكريم على الله.
٦٩٧٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قول الله عز وجل:"وسيدًا"، قال: السيد الحليم التقي.
٦٩٧٤ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وسيدًا"، قال: يقول: تقيًّا حليما.
٦٩٧٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان في قوله:"وسيدًا"، قال: حليما تقيًّا.
٦٩٧٦ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد في قوله:"وسيدًا"، قال: السيد: الشريف.
٦٩٧٧ - حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال: حدثنا بقية بن الوليد،
٦٩٧٨ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال: حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"وسيدًا"، قال، يقول: حليما تقيًّا.
٦٩٧٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة:"وسيدًا"، قال: السيد الذي لا يغلبُه الغضب.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك: ممتنعًا من جماع النساء، من قول القائل:"حَصِرْتُ من كذا أحْصَر"، إذا امتنع منه. ومنه قولهم:"حَصِرَ فلان في قراءته"، إذا امتنع من القراءة فلم يقدر عليها. وكذلك"حَصْرُ العدوّ"، حَبْسهم الناسَ ومنعهم إياهم التصرف، ولذلك قيل للذي لا يُخرج مع ندمائه شيئًا،"حَصُور"، كما قال الأخطل:
| وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكَأْسِ نَادَمَنِي | لا بِالَحصُورِ وَلا فِيهَا بِسَوَّارِ (١) |
| وَلَقَدْ تَسَاقَطَنِي الوُشَاةُ، فَصَادَفُوا | حَصِرًا بِسِرِّكِ يَا أُمَيْمَ ضَنِينَا (١) |
* * *
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٦٩٨٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن خلف قال، حدثنا حماد بن شعيب، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله في قوله:"وسيدًا وحصورًا"، قال: الحصور، الذي لا يأتي النساء.
٦٩٨١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال: حدثني ابن العاص: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنبٌ، إلا ما كان من يحيى بن زكريا. قال: ثم دلَّى رسول الله ﷺ يدَه إلى الأرض، فأخذ عُوَيْدًا صغيرًا، ثم قال: وذلك أنه لم يكن له ما للرجال إلا مثل هذا العود، وبذلك سماه الله"سيدًا وحصُورًا". (٢)
| كَيْفَ يَرْجُونَ سِقَاطِي، بَعْدَ مَا | جَلَّلَ الرأسَ مشيبٌ وصَلَعْ |
(٢) الأثر: ٦٩٨١- انظر التعليق على الأثر: ٦٩٨٣.
٦٩٨٣ - حدثنا أحمد بن الوليد القرشي قال، حدثنا عمر بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: قال ابن العاص - إما عبد الله، وإما أبوه -: ما أحد يلقى الله إلا وهو ذو ذنب، إلا يحيى بن زكريا. قال وقال سعيد بن المسيب:"وسيدًا وحصورًا"، قال: الحصور، الذي لا يغشى النساء، ولم يكن ما معه إلا مثل هُدْبة الثوب. (١)
٦٩٨٤ - حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال، حدثنا بقية بن الوليد، عن عبد الملك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله:"وحصورًا" قال: الحصور الذي لا يشتهي النساء. ثم ضرب بيده إلى الأرض فأخذ نواة فقال: ما كان معه إلا مثل هذه.
٦٩٨٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: الحصور، الذي لا يأتي النساء.
٦٩٨٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد مثله.
٦٩٨٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد مثله.
٦٩٨٨ - حدثني عبد الرحمن بن الأسود قال، حدثنا محمد بن ربيعة قال،
٦٩٨٩ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: الحصور: لا يقرَبُ النساء.
٦٩٩٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال: زعم الرقاشي:"الحصور" الذي لا يقرب النساء.
٦٩٩١ - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك:"الحصور"، الذي لا يولد له، وليس له ماء.
٦٩٩٢ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وحصورًا"، قال: هو الذي لا ماء له.
٦٩٩٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا سويد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وحصورًا"، كنا نُحدّث أن الحصور الذي لا يقرب النساء.
٦٩٩٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سليمان قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة في قوله:"وسيدًا وحصورًا"، قال: الحصور الذي لا يأتي النساء.
٦٩٩٥ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة مثله.
٦٩٩٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة مثله.
٦٩٩٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: الحصور الذي لا ينزل الماء.
٦٩٩٨ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد:"وحصورًا"، قال: الحصور الذي لا يأتي النساء.
٧٠٠٠ - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن:"وحصورًا"، قال: لا يقرب النساء.
* * *
وأمّا قوله:"ونبيًّا من الصالحين" فإنه يعني: رسولا لربه إلى قومه، ينبئهم عنه بأمره ونهيه، وحلاله وحرامه، ويبلِّغهم عنه ما أرسله به إليهم.
* * *
ويعني بقوله:"من الصّالحين"، من أنبيائه الصالحين. (١)
* * *
وقد دللنا فيما مضى على معنى"النبوّة" وما أصلها، بشواهد ذلك والأدلة الدالة على الصحيح من القول فيه، بما أغنى عن إعادته. (٢)
* * *
(٢) انظر تفسير"النبي" فيما سلف ٢: ١٤٠-١٤٢.
هذا، وعند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا، وكتب هنا ما نصه:
"يتلُوُه، إن شاء الله، القولُ في تأويل قوله:
﴿قال ربّ أنّى يكون لي غلامٌ وقد بلغني الكِبَر وامرأتي عاقر﴾.
والحمد لله وحده على إحسانه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلَّم".
ثم يتلوه ما نصه:
"بسم الله الرحمن الرحيم
ربّ يسّر
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري".