كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى﴾ ؛ قرأ الأعمشُ وحمزة والكسائيُّ وخَلَفُ وقتادةُ :(فَنَادَاهُ)، وقرأ الباقون :(فَنَادَتْهُ)، وإذا تقدَّمَ الفعلُ فأنتَ فيه بالخيار ؛ إنْ شِئْتَ أنَّثْتَ ؛ وإنْ شئتَ ذكَّرْتَ.
ومعنى الآيةِ : فناداهُ جبريلُ عليه السلام وهو قائمٌ يُصَلِّي في المسجدِ بأنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بولدٍ اسْمُهُ يَحْيَى. والمرادُ بالملائكةِ هنا جِبْرِيْلَ وحدَه ؛ ونظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يامَرْيَمُ﴾[آل عمران: ٤٢] يعني جبريلَ وحدَهُ، وقَوْلُهُ :﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالْرُّوحِ﴾[النحل: ٢] يعني جبريلَ وحدَه، ﴿بِالْرُّوحِ﴾ أي بالوَحْي، يدلُّ عليه قراءةُ ابنِ مسعود :(فَنَادَاهُ جِبْرِيْلُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَاب).
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ والأعمشُ وحمزة :(إنَّ اللهَ) بكسر الألفِ على إضمار القول ؛ تقديرهُ : فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ فقالَتْ : إنَّ اللهَ، لأنَّ النداءَ قولٌ، وقرأ الباقون بالفتح بوقوعِ النِّداء عليه كأنَّهُ قالَ : فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ بأنَّ اللهَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُبَشِّرُكَ﴾ قرأ حمزةُ والكسائي (يُبَشُرُكَ) بفتح الياء وجزمِ الباء وضمِّ الشين، وقرأ الباقون بضمِّ الياءِ وفتح البَاء وتشديدِ الشِّين وكسرِها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً﴾ ؛ انتصبَ على الحالِ في قوله :﴿بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ يعني عيسَى عليه السلام ؛ أنَّ يَحيى مصدِّقاً بعيسى، وكانَ يَحيى أوَّلَ مَن صدَّق بعيسَى وشَهِدَ أنَّه كلمةُ اللهِ وروحُه، وكان يحيى أكبرَ من عيسى بثلاثِ سنين، وقيلَ : بستَّة أشهرٍ.
واختلفُوا في تسمية يَحيى بهذا الاسمِ ؛ فقالَ ابنُ عبَّاس :(لأنَّ اللهَ تَعَالَى حَيَى بهِ عُقْرَ أمِّهِ). وقالَ قتادةُ :(لأنَّ اللهَ أحْيَا قَلْبَهُ بالإيْمَانِ). وقيل : بالنبوَّة.
وقيل : إنَّ الله تعالى أحيَى قلبَه بالطاعةِ حتى لَم يَعْصِ ولَم يَهُمَّ بمعصيةٍ. قالَ ﷺ :" مَا مِنْ أحَدٍ يَلْقَى اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إلاَّ وَقَدْ هَمَّ بخَطِيَّةٍ أوْ عَمِلَهَا إلاَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا فَإنَّهُ لَمْ يَهُمَّ بهَا ولَمْ يَعْمَلْهَا " وقال بعضُهم : سُمِّي بذلكَ لأنه اسْتُشْهِدَ، والشهداءُ أحياءٌ عند ربهم يرزقون. قال ﷺ :" مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أنَّ عِيْسَى قَتَلَتْهُ امْرَأةٌ، وَقُتِلَ يَحْيَى قَبْلَ رَفْعِ عِيْسَى عليه السلام "
قوله تعالى :﴿بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ إنَّما سُمي عيسَى كَلِمَةً ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قالَ لهُ كُنْ مِن غيرِ أبٍ فكانَ، فوقعَ عليه اسمُ الكلمة. قولُه تعالى :﴿وَسَيِّداً﴾ السيِّدُ في اللغة وفي الحقيقةِ : مَنْ تَلْزَمُ طَاعَتُهُ وَيَجِبُ عَلَى النَّاسِ الاقْتِدَاءُ وَالْقَفَا بهِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَالْعِبَادَةِ. وقال الضحَّاكُ :(السَّيِّدُ : الْحَسَنُ الْخُلُقِ). وقال ابنُ جبير :(السَّيِّدُ : الَّذِي يُطِيْعُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ). وقال ابنُ المسيَّب :(السَّيِّدُ : الْفَقِيْهُ الْعَالِمُ). وقال سفيان :(هُوَ الَّذِي لاَ يَحْسِدُ)، وقال عكرمةُ :(هُوَ الَّّذِي لاَ يَغْضَبُ)، وقال ذُو النُّونِ :(الْحَسُودُ لاَ يَسُودُ)، وقال الخليلُ :(سَيِّداً أيْ مُطَاعاً)، وقيل : السيِّدُ : القانِعُ بما قَسَمَ اللهُ، وقيل : هو الرَّاضِي بقضاءِ الله، وقيل : المتوكِّلُ على اللهِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى