البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
النداء : رفع الصوت، وفلان أندى صوتاً، أي أرفع، ودار الندوة لأنهم كانوا ترتفع أصواتهم بها، والمنتدى والنادي مجتمع القوم منه، ويقال : نادى مناداة ونِداء ونُداء، بكسر النون وضمها قيل : فبالكسر المصدر، وبالضم اسم، وأكثر ما جاءت الأصوات على الضم : كالدُعاء والرُغاء والصُراخ وقال يعقوب : يمد مع كسر النون، ويقصر مع ضمها.
والندى : المطر، يقال منه ندى يندى ندى.
يحيي : اسم أعجمي امتنع الصرف للعجمة والعلمية، وقيل : هو عربي، وهو فعل مضارع من : حيى، سمي به فامتنع الصرف للعلمية ووزن الفعل، وعلى القولين يجمع على : يحيون، بحذف الألف وفتح ما قبلها على مذهب الخليل، وسيبويه ونقل عن الكوفيين : إن كان عربياً فتحت الياء، وإن كان أعجمياً ضمت الياء.
سيد : فيعل من : ساد، أي : فاق في الشرف، وتقدم الكلام في نظير هذا، وجمعه على : فعلة، فقالوا : سادة، شاذ وقال الراغب : هو السايس بسواد الناس، أي : معظمهم، ولهذا يقال : سيد العبد، ولا يقال سيد الثوب. انتهى.
الحصور : فعول من الحصر، وهو للمبالغة من حاصر وقيل : فعول بمعنى مفعول، أي محصور، وهو في الآية بمعنى الذي لا يأتي النساء.
﴿فنادته الملائكة﴾ قيل : النداء يستعمل في التبشير وفيما ينبغي أن يسرع به وينهى إلى نفس السامع ليسر به، فلم يكن هذا إخباراً من الملائكة على عرف الوحي، بل نداءً كما نادى الرجل الأنصاري : كعب بن مالك، من أعلى الجبل.
قاله ابن عطية، وغيره.
ولا يظهر ذلك، بل المناداة تكون لتبشير ولتحزين ولغير ذلك، كما جاء.
« يا أهل النار خلود بلا موت » وجاء :﴿يا هامان ابن لي صرحاً﴾ وإنما فهمت البشارة في الآية من قولهم ﴿إن الله يبشرك﴾ لا إن لفظ نادته يدل على ذلك، لا بالوضع ولا بالاستعمال.
ويحتمل أن يكون نداؤهم إياه على سبيل الوحي، أي : أوحي إليهم بأن ينادوه، أو يكون نادوه من تلقاء أنفسهم، كما يقال لك : بلغ زيداً كذا وكذا، فتقول له : يا زيد جرى كذا وكذا.
وهما قولان للمفسرين.
وفي الكلام حذف تقديره : فتقبل الله دعاءه، ووهب له يحيى، وبعث إليه الملائكة بذلك، فنادته.
وذكر أنه كان بين دعائه والإستجابة له أربعون سنة، والظاهر خلاف ذلك.
والظاهر أن مناديه جماعة من الملائكة لصيغة اللفظ، وقد بعث تعالى ملائكة إلى قوم لوط وإلى إبراهيم وفي غير ما قصة.
وذكر الجمهور أن المنادي هو جبريل وحده، ويؤيده قراءة عبد الله ومصحفه : فناداه جبريل وهو قائم.
وقال الزمخشري : وإنما قيل الملائكة على قولهم : فلان يركب الخيل، يعني : إن الذي ناداه هو من جنس الملائكة، لا يريد خصوصية الجمع، كما أن قولهم : فلان يركب الخيل لا يريد خصوصية الجمع، إنما يريد مركوبه من هذا الجنس.
وخرج عليه الذين قال لهم الناس، وهو نعيم بن مسعود.
وقال الفضل : الرئيس يخبر عنه أخبار الجمع لاجتماع أصحابه معه، أو لاجتماع الصفات الجميلة فيه، المتفرقة في غيره.
فعبر عنه بالكثرة لذلك.
قيل : وجبريل رئيس الملائكة.
وقرأ حمزة، والكسائي : فناداه، ممالة وباقي السبعة : فنادته، بتاء التأنيث و : الملائكة، جمع تكسير، فيجوز أن يلحق العلامة، وإن لا يلحق.
تقول : قام الرجال، وقامت الرجال.
وإلحاق العلامة قيل.
أحسن، ألا ترى : إذ قالت الملائكة ؟ ولما جاءت رسلنا ؟ ومحسِّن الحذف هنا الفصل بالمفعول.
﴿وهو قائم يصلي في المحراب﴾ ذكر البغوي أن زكريا كان الحبر الكبير الذي يقرب القربان، ويفتح باب المذبح، فلا يدخلون حتى يؤذن.
فبينما هو قائم يصلي في المحراب، يعنى المسجد عند المذبح، والناس ينتظرون أن يؤذن لهم في الدخول، إذا هو برجل عليه ثياب بيض، ففزع منه، فناداه، وهو جبريل : يا زكريا ! إن الله يبشرك.
وقيل : المحراب موقف الإمام من المسجد، وهو قول جمهور المفسرين.
وقيل : القبلة.
والظاهر أن المحراب هو المحراب الذي قبله في قوله :﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب﴾ ففي المكان الذي رأى فيه خرق العادة، فيه دعا، وفيه جاءته البشارة.
وهذا يدل على مشروعية الصلاة في شريعتهم.
وقيل : الصلاة هنا الدعاء، وفي الآية دليل على جواز نداء المتلبس بالصلاة وتكليمه، وإن كان في ذلك شغل له عن صلاته.
وهذه الجملة في موضع نصب على الحال من ضمير المفعول، أو من الملائكة، و : يصلي، يحتمل أن يكون صفة : لقائم، ويحتمل أن يكون حالاً من الضمير المستكن في : قائم، أو : من ضمير المفعول، على مذهب من جوّز حالين من ذي حال واحد، ويحتمل أن يكون خبراً ثانياً : لهو، على مذهب من يجيز تعداد الأخبار لمبتدأ واحد، وإن لم تكن في معنى خبر واحد.
ويتعلق : في المحراب، بقوله : يصلي، ولا يجوز أن يتعلق : بقائم، في وجه من احتمالات إعراب : يصلي، إلا في وجه واحد، وهو أن يكون : يصلي، حالاً من الضمير الذي استكن في : قائم، فيجوز.
لأنه إذ ذاك يتحد العامل فيه وفي : يصلى، وهو : قائم، لأن العامل إذ ذاك في الحال هو : قائم، إذ هو العامل في ذي الحال، وبه يتعلق المجرور.
وفي قوله :﴿قائم يصلي في المحراب﴾ قالوا : دلالة على جواز قيام الإمام في محرابه، وقد كرهه أبو حنيفة، وقال : كان ذلك شرعاً لمن قبلنا.
ورقق وَرش راء : المحراب، وأمال الراء ابن ذكوان إذا كان : المحراب، مجروراً ونسب ذلك أبو علي إلى ابن عامر.
ولم يقيد بالجر.
﴿ان الله يبشرك بيحيى﴾ قرأ ابن عامر، وحمزة : إن الله، بكسر الهمزة.
فعند البصريين الكسر على إضمار القول، أي : وقالت.
وعند الكوفيين لا إضمار، لأن غير القول مما هو في معناه : كالنداء والدعاء، يجري مجرى القول في الحكاية، فكسرت بنادته، لأن معناه قالت له.
وقرأ الباقون بفتح الهمزة، وهو معمول لباء محذوفة في الأصل، أي بتبشير :
وحين حذفت فالموضع نصب بالفعل أو جر بالباء المحذوفة، قولان قد تقدما في غير ما موضع من هذا الكتاب.
وقرأ عبد الله : يا زكريا إن الله.
فقوله : يا زكرياء، هو معمول النداء.
فهو في موضع نصب، ولا يجوز فتح : إن، على هذه القراءة، لأن الفعل قد استوفى مفعوليه، وهما : الضمير والمنادى.
وتبليغ البشارة على لسان الرسول إلى المرسل إليه ليست بشارة من الرسول، بل من المرسل.
ألا ترى إضافة ذلك إليه في قوله : يبشرك ؟ وقد قال في سورة مريم :﴿يا زكريا إنا نبشرك﴾ فأسند ذلك إليه تعالى.
وقرأ حمزة، والكسائي : يبشرك، في الموضعين في قصة زكريا وقصة مريم، وفي الإسراء، وفي الكهف، وفي الشورى، من : بشر، مخففاً.
وافقهما ابن كثير، وأبو عمرو في الشورى، زاد حمزة في الحجر : ألا فبم تبشرون، ومريم وقرأ الباقون : يبشر، من بشر المضعف العين وقرأ عبد الله يبشر في جميع القرآن من أبشر، وهي لغىً ثلاث ذكرها غير واحد من اللغويين وقال الشاعر :
وقال الآخر :
بيحيى، متعلق بقوله : نبشرك، والمعنى : بولادة يحيى منك ومن امرأتك، فإن كان أعجمياً فمنع صرفه للعلمية والعجمة، وإن كان عربياً فللعلمية ووزن الفعل، كيعمر.
وقد ذكرنا هذا.
وهذا الذي عليه كثير من المفسرين لاحظوا فيه معنى الاشتقاق من الحياة.
قال قتادة : سماه الله يحيى لأنه أحياه بالإيمان.
وقال الحسن بن المفضل : حيي بالعصمة والطاعة وقال أبو القاسم بن حبيب : سمي يحيى لأنه استشهد، والشهداء أحياء روي في الحديث :« من هوان الدنيا على الله أن يحيى بن زكريا قتلته امرأة » وقال مقاتل : سمي يحيى لأنه أحياه بين شيخ وعجوز وقال الزجاج : حي بالعلم والحكمة التي أوتيها وقال ابن عباس : ان الله أحيا به عقر أمّه وقيل : معناه يموت فسمي يحيى تفاؤلاً، كالمفازة والسليم وقيل : لأن الله أحيا به الناس بالهدى.
﴿مصدقا بكلمة من الله﴾ الجمهور على أن الكلمة هو عيسى، وسيأتي لم سمي كلمة، قاله ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدّي وغيرهم.
قال الربيع، وغيره : كان يحيى أوّل من صدق بعيسى وشهد أنه كلمة من الله، وكان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر، قاله الأكثرون وقيل : بثلاث سنين، وقتل قبل رفع عيسى، وكانت أمّ يحيى تقول لمريم : إني لأجد الذي في بطني يتحرك، وفي رواية : يسجد، وفي رواية : يومي برأسه لما في بطنك، فذلك تصديقه، وهو أول التصديق.
وقال أبو عبيدة، وغيره ﴿بكلمة من الله﴾ أي : بكتاب من الله التوراة والإنجيل وغيرهما، أوقع المفرد موقع الجمع، فالكلمة اسم جنس، وقد سمت العرب القصيدة كلمة روي أن الحويدرة ذكر لحسان، فقال : لعن الله كلمته، أي قصيدته.
وفي الحديث :« أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد :
وقيل معنى :﴿بكلمة من الله﴾ هنا أي : بوعد من الله، وقرأ أبو السمال العدوي : بكلمة، بكسر الكاف وسكون اللام في جميع القرآن، وهي لغة فصيحة مثل : كتف وكتف، ووجهه أنه أتبع فاء الكلمة لعينها، فيقل اجتماع كسرتين، فسكن العين.
ومنهم من يسكنها مع فتح الفاء استثقالاً للكسرة في العين.
وانتصب : مصدّقاً، على الحال قال ابن عطية : وهي حال مؤكدة بحسب حال هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
﴿وسيدا﴾ قال ابن عباس : السيد الكريم وقال قتادة : الحليم، ومنه قول الشاعر :
وقال عكرمة : من لا يغلبه الغضب وقال الضحاك : الحسن الخلق وقال سالم : التقي وقال ابن زيد : الشريف وقال ابن المسيب : الفقيه العالم وقال أحمد بن عاصم : الراضي بقضاء الله وقال الخليل : المطاع الفائق أقرانه.
وقال أبو بكر الورّاق : المتوكل وقال الترمذي : العظيم الهمة وقال الثوري : السيد مَن لا يحسد من قولهم : الحسود لا يسود وقال أبو إسحاق : السيد الذي يفوق في الخير قومه.
وقال بعض أهل اللغة : السيد المالك الذي تجب طاعته.
ولهذا قيل للزوج : سيد وقيل : سيد الغلام، وقال سلمة عن الفراء : السيد المالك، والسيد الرئيس، والسيد الحكيم، والسيد السخي.
وجاء في الحديث :« السيد من أعطى مالاً ورزق سماحاً، فأدنى الفقراء، وقلت شكايته في الناس » وفي معناه : من بذل معروفه وكف أذاه وقال في الحديث بني سلمة وقد سألهم من سيدكم فقالوا الجدّ بن قيس على بخله فقال عليه السلام :« وأي داء أدوى من البخل ؟ سيدكم عمرو بن الجموح » وسمى أيضاً سعد بن معاذ سيداً في قوله :« قوموا إلى سيدكم ».
أي رئيسكم والمطاع فيكم.
« وسمي الحسن بن علي : سيداً.
في قوله :» إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين «
وقال الزمخشري : السيد الذي يسود قومه أي يفوقها في الشرف.
وكان يحيى قائماً لقومه، قائماً للناس كلهم في أنه لم يرتكب سيئة قط، ويا لها من سيادة ؟ ! انتهى كلامه.
وقال ابن عطية ما ملخصه : خصه الله بذكر السؤدد، وهو الاعتمال في رضا الناس على أشرف الوجوه دون أن يوقع في باطل، وتفضيله : بذل الندى وهو الكرم، وكف الأذى وهي العفة في الفرج واليد واللسان، واحتمال ا
والندى : المطر، يقال منه ندى يندى ندى.
يحيي : اسم أعجمي امتنع الصرف للعجمة والعلمية، وقيل : هو عربي، وهو فعل مضارع من : حيى، سمي به فامتنع الصرف للعلمية ووزن الفعل، وعلى القولين يجمع على : يحيون، بحذف الألف وفتح ما قبلها على مذهب الخليل، وسيبويه ونقل عن الكوفيين : إن كان عربياً فتحت الياء، وإن كان أعجمياً ضمت الياء.
سيد : فيعل من : ساد، أي : فاق في الشرف، وتقدم الكلام في نظير هذا، وجمعه على : فعلة، فقالوا : سادة، شاذ وقال الراغب : هو السايس بسواد الناس، أي : معظمهم، ولهذا يقال : سيد العبد، ولا يقال سيد الثوب. انتهى.
الحصور : فعول من الحصر، وهو للمبالغة من حاصر وقيل : فعول بمعنى مفعول، أي محصور، وهو في الآية بمعنى الذي لا يأتي النساء.
﴿فنادته الملائكة﴾ قيل : النداء يستعمل في التبشير وفيما ينبغي أن يسرع به وينهى إلى نفس السامع ليسر به، فلم يكن هذا إخباراً من الملائكة على عرف الوحي، بل نداءً كما نادى الرجل الأنصاري : كعب بن مالك، من أعلى الجبل.
قاله ابن عطية، وغيره.
ولا يظهر ذلك، بل المناداة تكون لتبشير ولتحزين ولغير ذلك، كما جاء.
« يا أهل النار خلود بلا موت » وجاء :﴿يا هامان ابن لي صرحاً﴾ وإنما فهمت البشارة في الآية من قولهم ﴿إن الله يبشرك﴾ لا إن لفظ نادته يدل على ذلك، لا بالوضع ولا بالاستعمال.
ويحتمل أن يكون نداؤهم إياه على سبيل الوحي، أي : أوحي إليهم بأن ينادوه، أو يكون نادوه من تلقاء أنفسهم، كما يقال لك : بلغ زيداً كذا وكذا، فتقول له : يا زيد جرى كذا وكذا.
وهما قولان للمفسرين.
وفي الكلام حذف تقديره : فتقبل الله دعاءه، ووهب له يحيى، وبعث إليه الملائكة بذلك، فنادته.
وذكر أنه كان بين دعائه والإستجابة له أربعون سنة، والظاهر خلاف ذلك.
والظاهر أن مناديه جماعة من الملائكة لصيغة اللفظ، وقد بعث تعالى ملائكة إلى قوم لوط وإلى إبراهيم وفي غير ما قصة.
وذكر الجمهور أن المنادي هو جبريل وحده، ويؤيده قراءة عبد الله ومصحفه : فناداه جبريل وهو قائم.
وقال الزمخشري : وإنما قيل الملائكة على قولهم : فلان يركب الخيل، يعني : إن الذي ناداه هو من جنس الملائكة، لا يريد خصوصية الجمع، كما أن قولهم : فلان يركب الخيل لا يريد خصوصية الجمع، إنما يريد مركوبه من هذا الجنس.
وخرج عليه الذين قال لهم الناس، وهو نعيم بن مسعود.
وقال الفضل : الرئيس يخبر عنه أخبار الجمع لاجتماع أصحابه معه، أو لاجتماع الصفات الجميلة فيه، المتفرقة في غيره.
فعبر عنه بالكثرة لذلك.
قيل : وجبريل رئيس الملائكة.
وقرأ حمزة، والكسائي : فناداه، ممالة وباقي السبعة : فنادته، بتاء التأنيث و : الملائكة، جمع تكسير، فيجوز أن يلحق العلامة، وإن لا يلحق.
تقول : قام الرجال، وقامت الرجال.
وإلحاق العلامة قيل.
أحسن، ألا ترى : إذ قالت الملائكة ؟ ولما جاءت رسلنا ؟ ومحسِّن الحذف هنا الفصل بالمفعول.
﴿وهو قائم يصلي في المحراب﴾ ذكر البغوي أن زكريا كان الحبر الكبير الذي يقرب القربان، ويفتح باب المذبح، فلا يدخلون حتى يؤذن.
فبينما هو قائم يصلي في المحراب، يعنى المسجد عند المذبح، والناس ينتظرون أن يؤذن لهم في الدخول، إذا هو برجل عليه ثياب بيض، ففزع منه، فناداه، وهو جبريل : يا زكريا ! إن الله يبشرك.
وقيل : المحراب موقف الإمام من المسجد، وهو قول جمهور المفسرين.
وقيل : القبلة.
والظاهر أن المحراب هو المحراب الذي قبله في قوله :﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب﴾ ففي المكان الذي رأى فيه خرق العادة، فيه دعا، وفيه جاءته البشارة.
وهذا يدل على مشروعية الصلاة في شريعتهم.
وقيل : الصلاة هنا الدعاء، وفي الآية دليل على جواز نداء المتلبس بالصلاة وتكليمه، وإن كان في ذلك شغل له عن صلاته.
وهذه الجملة في موضع نصب على الحال من ضمير المفعول، أو من الملائكة، و : يصلي، يحتمل أن يكون صفة : لقائم، ويحتمل أن يكون حالاً من الضمير المستكن في : قائم، أو : من ضمير المفعول، على مذهب من جوّز حالين من ذي حال واحد، ويحتمل أن يكون خبراً ثانياً : لهو، على مذهب من يجيز تعداد الأخبار لمبتدأ واحد، وإن لم تكن في معنى خبر واحد.
ويتعلق : في المحراب، بقوله : يصلي، ولا يجوز أن يتعلق : بقائم، في وجه من احتمالات إعراب : يصلي، إلا في وجه واحد، وهو أن يكون : يصلي، حالاً من الضمير الذي استكن في : قائم، فيجوز.
لأنه إذ ذاك يتحد العامل فيه وفي : يصلى، وهو : قائم، لأن العامل إذ ذاك في الحال هو : قائم، إذ هو العامل في ذي الحال، وبه يتعلق المجرور.
وفي قوله :﴿قائم يصلي في المحراب﴾ قالوا : دلالة على جواز قيام الإمام في محرابه، وقد كرهه أبو حنيفة، وقال : كان ذلك شرعاً لمن قبلنا.
ورقق وَرش راء : المحراب، وأمال الراء ابن ذكوان إذا كان : المحراب، مجروراً ونسب ذلك أبو علي إلى ابن عامر.
ولم يقيد بالجر.
﴿ان الله يبشرك بيحيى﴾ قرأ ابن عامر، وحمزة : إن الله، بكسر الهمزة.
فعند البصريين الكسر على إضمار القول، أي : وقالت.
وعند الكوفيين لا إضمار، لأن غير القول مما هو في معناه : كالنداء والدعاء، يجري مجرى القول في الحكاية، فكسرت بنادته، لأن معناه قالت له.
وقرأ الباقون بفتح الهمزة، وهو معمول لباء محذوفة في الأصل، أي بتبشير :
وحين حذفت فالموضع نصب بالفعل أو جر بالباء المحذوفة، قولان قد تقدما في غير ما موضع من هذا الكتاب.
وقرأ عبد الله : يا زكريا إن الله.
فقوله : يا زكرياء، هو معمول النداء.
فهو في موضع نصب، ولا يجوز فتح : إن، على هذه القراءة، لأن الفعل قد استوفى مفعوليه، وهما : الضمير والمنادى.
وتبليغ البشارة على لسان الرسول إلى المرسل إليه ليست بشارة من الرسول، بل من المرسل.
ألا ترى إضافة ذلك إليه في قوله : يبشرك ؟ وقد قال في سورة مريم :﴿يا زكريا إنا نبشرك﴾ فأسند ذلك إليه تعالى.
وقرأ حمزة، والكسائي : يبشرك، في الموضعين في قصة زكريا وقصة مريم، وفي الإسراء، وفي الكهف، وفي الشورى، من : بشر، مخففاً.
وافقهما ابن كثير، وأبو عمرو في الشورى، زاد حمزة في الحجر : ألا فبم تبشرون، ومريم وقرأ الباقون : يبشر، من بشر المضعف العين وقرأ عبد الله يبشر في جميع القرآن من أبشر، وهي لغىً ثلاث ذكرها غير واحد من اللغويين وقال الشاعر :
| بَشَرْتُ عِيالي إِذ رأيتُ صحيفة | أتتك من الحجاج يتُلى كتابها |
| يا بشر حق لوجهك التَّبشير | هلا غضبت لنا وأنت أمير |
وقد ذكرنا هذا.
وهذا الذي عليه كثير من المفسرين لاحظوا فيه معنى الاشتقاق من الحياة.
قال قتادة : سماه الله يحيى لأنه أحياه بالإيمان.
وقال الحسن بن المفضل : حيي بالعصمة والطاعة وقال أبو القاسم بن حبيب : سمي يحيى لأنه استشهد، والشهداء أحياء روي في الحديث :« من هوان الدنيا على الله أن يحيى بن زكريا قتلته امرأة » وقال مقاتل : سمي يحيى لأنه أحياه بين شيخ وعجوز وقال الزجاج : حي بالعلم والحكمة التي أوتيها وقال ابن عباس : ان الله أحيا به عقر أمّه وقيل : معناه يموت فسمي يحيى تفاؤلاً، كالمفازة والسليم وقيل : لأن الله أحيا به الناس بالهدى.
﴿مصدقا بكلمة من الله﴾ الجمهور على أن الكلمة هو عيسى، وسيأتي لم سمي كلمة، قاله ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدّي وغيرهم.
قال الربيع، وغيره : كان يحيى أوّل من صدق بعيسى وشهد أنه كلمة من الله، وكان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر، قاله الأكثرون وقيل : بثلاث سنين، وقتل قبل رفع عيسى، وكانت أمّ يحيى تقول لمريم : إني لأجد الذي في بطني يتحرك، وفي رواية : يسجد، وفي رواية : يومي برأسه لما في بطنك، فذلك تصديقه، وهو أول التصديق.
وقال أبو عبيدة، وغيره ﴿بكلمة من الله﴾ أي : بكتاب من الله التوراة والإنجيل وغيرهما، أوقع المفرد موقع الجمع، فالكلمة اسم جنس، وقد سمت العرب القصيدة كلمة روي أن الحويدرة ذكر لحسان، فقال : لعن الله كلمته، أي قصيدته.
وفي الحديث :« أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد :
| ألا كل شيء ما خلا الله باطل | وكل نعيم لا محالة زائل » |
ومنهم من يسكنها مع فتح الفاء استثقالاً للكسرة في العين.
وانتصب : مصدّقاً، على الحال قال ابن عطية : وهي حال مؤكدة بحسب حال هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
﴿وسيدا﴾ قال ابن عباس : السيد الكريم وقال قتادة : الحليم، ومنه قول الشاعر :
| سيد لا تحل حبوته | بوادر الجاهلين إن جهلوا |
وقال أبو بكر الورّاق : المتوكل وقال الترمذي : العظيم الهمة وقال الثوري : السيد مَن لا يحسد من قولهم : الحسود لا يسود وقال أبو إسحاق : السيد الذي يفوق في الخير قومه.
وقال بعض أهل اللغة : السيد المالك الذي تجب طاعته.
ولهذا قيل للزوج : سيد وقيل : سيد الغلام، وقال سلمة عن الفراء : السيد المالك، والسيد الرئيس، والسيد الحكيم، والسيد السخي.
وجاء في الحديث :« السيد من أعطى مالاً ورزق سماحاً، فأدنى الفقراء، وقلت شكايته في الناس » وفي معناه : من بذل معروفه وكف أذاه وقال في الحديث بني سلمة وقد سألهم من سيدكم فقالوا الجدّ بن قيس على بخله فقال عليه السلام :« وأي داء أدوى من البخل ؟ سيدكم عمرو بن الجموح » وسمى أيضاً سعد بن معاذ سيداً في قوله :« قوموا إلى سيدكم ».
أي رئيسكم والمطاع فيكم.
« وسمي الحسن بن علي : سيداً.
في قوله :» إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين «
وقال الزمخشري : السيد الذي يسود قومه أي يفوقها في الشرف.
وكان يحيى قائماً لقومه، قائماً للناس كلهم في أنه لم يرتكب سيئة قط، ويا لها من سيادة ؟ ! انتهى كلامه.
وقال ابن عطية ما ملخصه : خصه الله بذكر السؤدد، وهو الاعتمال في رضا الناس على أشرف الوجوه دون أن يوقع في باطل، وتفضيله : بذل الندى وهو الكرم، وكف الأذى وهي العفة في الفرج واليد واللسان، واحتمال ا