تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
( فنادته الملائكة )، ويقرأ :" فناداه الملائكة " بالألف (١) واختلفوا في المنادى، منهم من قال : كان جبريل. ومنهم من قال : جمع من الملائكة ( وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك ) يقرأ " أن " بكسر الألف وفتحها (٢)، فمن قرأ بالكسر، فتقديره : فنادته الملائكة وقالوا : إن الله يبشرك، ومن قرأ بالفتح، فهو على النسق، ( يبشرك ) يقرأ مخففا ومشددا (٣)، وهما في المعنى سواء.
والبشارة : خبر سار يظهر أثره على بشرة الوجه، ( يبشرك بيحيى ) سماه يحيى قبل أن يولد، ( مصدقا بكلمة من الله ) قيل : مصدقا بكتاب الله وكلامه. وقيل : معناه مصدقا بعيسى، وهو كلمة الله فإن قال قائل :" كلمة الله " لا يكون مخلوقا، وقد أنكرنا على النصارى قولهم :" المسيح ابن الله "، وقولهم :" إن الله ثالث ثلاثة "، فكيف نعرف أن عيسى كلمة الله ؟ قيل : فيه ثلاثة أقوال :
أحدهما : أنه كلمة الله على معنى : أنه يكون بكلمة من الله حيث قال له :" كن فكان "، من غير سبب ولا علة، وصنع بشر وإلقاء نطفة.
الثاني : أنه كلمة الله على معنى : أنه يهتدى به، كما يهتدى بكلام الله.
والثالث : أن الله تعالى كان قد أخبر سائر الأنبياء، ووعدهم في كتبه أنه يخلق نبيا بلا أب، ووعد مريم أنه يولد لها ولد بلا أب، فلما تكوّن عيسى سماه كلمة ؛ لأنه حصل بتلك الكلمة، وذلك الوعد، وهو كما تقول العرب : أنشدني كلمتك، أي : قصيدتك، وقيل لحسان : إن الحوديرة أنشأ قصيدة، فقال : لعن الله كلمته، أي : قصيدته، فلما حصلت القصيدة بكلمته سمى ذلك كلمة.
قوله :( وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ) أما السيد : قال سعيد بن جبير : السيد : التقي، وقال مجاهد : هو الكريم، وقيل : هو العليم الذي لا يغضبه شيء، وقيل : هو الذي يفوق قومه في جميع خصال الخير.
والحصور : قال سعيد بن جبير ومجاهد والضحاك وعطاء وجماعة : هو الذي لا يأتي النساء، والحصور بمعنى : المحصور، وكان ممنوعا من النساء، وهو مثل قول الشاعر
فيها اثنتان وأربعون حلوبةسودا كَخَافِيةِ الغُرَابِ الأَسْحَمِ
فالحلوبة بمعنى : المحلوب، وقال سعيد بن المسيب : كان له مثل هدبة الثوب، وقد تزوج مع ذلك ؛ ليكون أغض لبصره، وقال الشعبي : الحصور العنّين، وفيه قول آخر : الحصور : هو الممتنع من الوطء مع القدرة عليه، وهذا يوافق قول الشافعي في مسألة التخلي لعبادة الله.
واختاروا هذا القول لوجهين : أحدهما : أنه يكون أقرب إلى استحقاق الثناء، لأن الكلام خرج مخرج الثناء.
والثاني : أنه يكون أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء ؛ لبعدهم عن الآفات.
١ - هي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف. انظر النشر (٢/٢٣٩)..
٢ - قرأ ابن عامر وحمزة بكسر الهمزة، وقرأ الباقون بالفتح. انظر المصدر السابق..
٣ - قرأ حمزة، والكسائي بفتح الياء، وفتح الشين وضمها، وقرأ الباقون بضم الياء، وتشديد الشين المكسورة. انظر المصدر السابق..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى