بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
﴿فَنَادَتْهُ الملائكة وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي فِي المحراب﴾ قرأ حمزة والكسائي بالياء، أي جبريل عليه السلام وإنما صار مذكراً على معنى الجنس، كما يقال : فلان ركب السفن، وإنما ركب سفينة واحدة، وقرأ الباقون، ﴿فنادته﴾ على معنى التأنيث، لأن اللفظ لفظ الجماعة، والمراد به أيضاً جبريل ﴿إنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى﴾ قرأ حمزة وابن عامر :﴿إن الله يبشرك﴾، بكسر الألف، ومعناه : فنادته الملائكة. وقالوا له : إن الله يبشرك. وقرأ الباقون بالنصب، ومعناه : فنادته الملائكة، بأن الله يبشرك ﴿بيحيى﴾ قال مقاتل : اشتق اسمه من اسم الله تعالى، والله تعالى حي، فسماه الله تعالى يحيى، ويقال : لأنه أحيا به رحم أمه. ويقال : لأنه حي به المجالس. ويقال غير ذلك ﴿بيحيى﴾، بأن الله يحييه، فيكون حياً عند الله أبداً، لأنه شهيد قال الله تعالى :﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ في سَبِيلِ الله أمواتا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ثم قال تعالى :﴿مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله﴾ يعني بعيسى عليه السلام وكان يحيى أول من صدق بعيسى عليهما السلام، وهو ابن ثلاث سنين، فشهد له أنه كلمة الله وروحه، فلما شهد بذلك يحيى، عجب بنو إسرائيل لصغره، فلما شهد سمع زكريا شهادته، فقام إلى عيسى، فضمه إليه، وهو في خرقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين. وقال بعضهم صدقه وهو في بطن أمه، كانت أم يحيى عند مريم، إذ سجد يحيى بالتحية لعيسى، وكل واحد منهما كان في بطن أمه، وذلك قوله ﴿مصدقاً بكلمة من الله﴾ ﴿وَسَيّدًا﴾ يعني حكيماً ﴿وَحَصُورًا﴾ يعني لا يأتي النساء، وهو قول الكلبي. وقال سعيد بن جبير : السيد الذي يملك غضبه، والحصور الذي لا يأتي النساء.
وقال مقاتل : يعني لا ماء له، يعني أن يحيى لم يكن له ماء في الصلب. وقال بعضهم : هذا لا يصح، لأن العنة عيب بالرجال، والنبي لا يكن معيباً، ولكن معناه أنه كان مانعاً نفسه من الشهوات، لأن الذي يمنع نفسه من الشهوات مع قدرته، كانت فضيلته أكثر من الذي لا قدرة له، ثم قال تعالى :﴿وَنَبِيّا مّنَ الصالحين﴾ يعني أن يحيى كان نبياً من الصالحين، فلما بشره جبريل بذلك ﴿قَالَ رَبّ أنى يَكُونُ لِي غلام﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى