الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ : يجوز أن تكون الناقصة، وفي خبرها حينئذ وجهان :
أحدهما :" أنَّى " لأنها بمعنى كيف، أو بمعنى مِنْ أين : و " لي " على هذا تبيينٌ.
والثاني : أنَّ الخبرَ الجار و " كيف " منصوبٌ على الظرف.
ويجوزُ أَنْ تكونَ التامَّة فيكونُ الظرفُ والجار كلاهما متعلِّقَيْنِ ب " يكون " لأنه تام، أي : كيف يحدث لي غلام، ويجوز أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حال من " غلام " لأنه لو تأخَّر لكان صفةً له.
وقوله :﴿وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ﴾ جملةُ حاليةٌ، وفي موضع آخرَ ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ﴾ [مريم: ٨] لأنَّ ما بَلَغَكَ فقد بَلَغْتَه. وقيل : لأنَّ الحوادثَ تَطْلُب الإِنسانَ. وقيل : هو من المَقْلوب كقوله :
مثلُ القنافِذِ هَدَّاجون قد بَلَغَتْنجرانُ أو بُلِّغَتْ سَوْءاتِهِمْ هَجَرُ
ولا حاجةَ إليه.
وقدَّم في هذه السورة حالَ نفسه، وأخَّر حالَ امرأته، وفي مريم عَكَس، فقيل : صدرُ الآيات في مريم مطابِقٌ لهذا التركيبِ لأنه قَدَّمَ وَهْنَ عظمِه واشتعالَ شَيْبِه وخِيفَةَ مواليهِ من ورائه، وقال :﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً﴾ فلمَّا أعَاد ذِكْرهما في استفهامٍ آخر ذَكَر الكِبَر ليوافِق " عِتِيَّاً " رؤوسَ الآي، وهو باب مقصود في الفصاحة، والعطفُ بالواو لا يقتضي ترتيباً زمانياً، فلذلك لم يُبالَ بتقديم ولا تأخير.
والغلامُ : الفتيُّ السنِّ من الناسِ وهو الذي. . . شاربُه، وإطلاقُه على الطفلِ وعلى الكهلِ مجاز، أمَّا الطفلُ فللتفاؤل بما يَؤُول إليه، وأمَّا الكهلُ فباعتبارِ ما كانَ عليه. قالت ليلى الأخيلية :
شَفاها من الداءِ العُضالِ الذي بهاغلامٌ إذا هَزَّ القناةَ شَفاها
وقال بعضُهم : ما دام الولدُ في بطن أمه سُمِّي " جنيناً ". قال تعالى :
﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ [النجم: ٣٢]، سُمِّي بذلك لاجتنانِه في الرَّحمِ، فإذا وُلِد سُمِّي " صبياً " فإذا فُطِمَ سُمِّي " غُلاماً " إلى سبع سنين، ثم سُمِّي يافعاً إلى أن يَبْلُغَ عشر سنين، ثم يُطْلق عليه " حزَوَّر " إلى خمس عشرة، ثم يصير " قُمُدّاً " إلى خمسٍ وعشرين سنة، ثم، " عَنَطْنَطَا " إلى ثلاثين قال :
وبالجَعْدِ حتى صارَ جَعْداً عَنَطْنَطاًإذا قامَ ساوى غاربَ الفحلِ غارِبُهْ
ثم " حُمُلا " إلى أربعين ثم " كَهْلاً " إلى خمسين، ثم " شيخاً " إلى ثمانين ثم " هَمٌّ " بعد ذلك.
واشتقاق الغُلام من الغُلْمة والاغتِلام، وهو طَلَبُ النكاح، لَمَّا كان مسبَّباً عنه أُخِذَ منه لفظُه، ويقال :" اغتَلَم الفحلُ " أي : اشتدَّتْ شهوتُه إلى طَلَبِ النكاح، واغتلَم البحر أي : هاجَ وتلاطَمَتْ أمواجه مستعار منه، وقياسُه في القلةِ أَغْلِمة، وفي الكثرة : غِلْمان، وقد جُمع على غِلْمَة شذوذاً، وهل هذه الصيغةُ جمعُ تكسير أم اسم جمع ؟ قال الفراء :" يقال غلامٌ بيِّنُ الغُلومَة والغُلومِيَّة والغُلامِيَّة " قال :" والعربُ تجعلُ مصدرَ كلِّ اسمٍ ليسَ له فعلٌ معروفٌ على هذا المثالِ، فيقولون : عَبْدٌ بَيِّنُ العُبودة والعُبودِيَّة والعُبادِيَّة " يعني لم تتكلم العرب من هذا بِفِعْلٍ.
والكِبَرُ : مصدرُ كَبِرَ يكبَر كِبَراً أي : طَعَن في السن، قال :
صغيرَيْنِ نَرْعَى البَهْمَ يا ليتَ أَنَّناإلى اليومِ لم نَكْبَرْ ولم تَكْبَر البَهْمُ
قوله :﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ جملةٌ حاليةٌ : إمَّا من الياء في " لي " فتعدَّدُ الحالُ عند مَنْ يراه، وإمَّا من الياءِ في " بلغَنَي ". والعاقر : مَنْ لا يُولد له رجلاً كان أو امرأةً، مشتقاً من العَقْر وهو القتل، كأنهم تخيَّلوا فيه قَتْل أولادِه، والفعل بهذا المعنى لازمٌ، وأمَّا عَقَرْتُ بمعنى نَحَرْتُ فمتعدٍّ، قال تعالى :
﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، وقال :
١٢٦٨. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** عَقَرْتَ بعيري يا امرأ القيسِ فانْزِلِ
وقيل :" عاقِر " على النسب أي : ذاتُ عُقْر، وهي بمعنى مَفْعول أي : معقورة، ولذلك لم تُلْحَقْ تاءَ التأنيث.
والعُقر العَقْر بضم العين وفتحها : أصلُ الشيء، ومنه : عُقْر الدار وعُقْر الحوض، وفي الحديث :" ما غُزِي قومٌ قط في عُقر دارِهم إلا ذُلُّوا " وعَقَرْتُه : أَصَبْتُ عُقْره أي : أصلَه نحو : رَأَسْته أي : أصبتُ رأسَه، والعُقْر أيضاً : آخر الولد، وكذلك بيضةُ العُقْر، والعُقار : الخمرُ لأنها تَعْقِر العقلَ مجازاً وفي كلامهم :" رَفَعَ فلانٌ عقيرَتَه " أي : صوته، وذلك أنَّ رجلا عَقَر رجله فرفعَ صوتَه فاستُعير ذلك لكلِّ من رفَع صوَته. وقال بعضُهم :
" يُقال : عَقُرَتْ المرأةَ تَعْقُر عَقْراً وعقارةً " أنشد الفراء :
أرزامُ بابٍ عَقُرَتْ أَعْوامافَعَلَّقَتْ بُنَيَّها تَسْماما
ويقال : عَقَر الرجل وعَقُر وعَقِر إذا لم تَحْبَلْ زوجته فَجَعلوا الفعلَ المسندَ إلى الرجل أوسعَ من المسندِ إلى المرأة، قال الزجاج :" عاقِر " : بمعنى ذات عُقْر، قال :" لأنَّ فَعُلْتُ أسماءُ الفاعلين منه على فَعيلة نحو : طريفة وكريمة، وإنما " عاقر " على ذات عُقْر " قلت : وهذا نصٌّ في أن الفعلَ المسند للمرأةِ لا يُقال فيه إلا عَقُرت بضم القاف إذا لو جازَ فتحُها أو كسرُها لجاز منها " فاعِل " من غير تأويلٍ على النسب. ومن ورودِ
" عاقر " وصفاً للرجل قولُ عامر بن الطفيل :
لَبِئْسَ الفتى إنْ كنُت أعوَر عاقِراًجَباناً فما عُذْري لدى كلِّ مَحْضَرِ
قوله :﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ في الكافِ وجهان :
أحدهما : أنها في محلِّ نصب وفيه التخريجان المشهوران، أحدُهما وعليه أكثرُ المعربين أنها نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ تقديرُه : يفعلُ الله ما يشاء من الأفعالِ العجيبة مثلَ ذلك الفعلِ، وهو خَلْقُ الولدِ بين شيخٍ فانٍ وعجوزٍ عاقِرٍ.
والثاني : أنها في محلِّ نصبٍ على الحالِ من ضميرِ ذلك المصدر أي : يفعلُ الفعلَ حالَ كونه مِثلَ ذلك، وهو مذهبُ سيبويه وقد تقدَّم إيضاحُه.
والثاني : من وجهي الكاف أنَّها في محلِّ رفعٍ على أنها خبر مقدم، والجلالةُ مبتدأٌ مؤخرٌ، فقدَّره الزمخشري " على نحوِ هذه الصفة اللهُ "، ويفعل ما يشاء بيانٌ له، وقدَّره ابن عطية : كهذه القدرة المستغرَبة هي قدرة الله، وقدَّره الشيخ فقال :" وذلك على حَذْفِ مضافٍ أي : صُنْعُ اللهِ الغريبُ مثلُ ذلك الصنعِ، فيكون " يفعل ما يشاء " شرحاً للإِبهامِ الذي في اسم الإِشارة " فالكلامُ على الأول جملةٌ واحدةٌ وعلى الثاني جملتان.
وقال ابن عطية :" ويُحتمل أن تكونَ الإِشارةُ بذلك إلى حال زكريا وحالِ امرأته، كأنه قال : ربِّ على أيّ وجه يكونُ لنا غلامٌ ونحن بحالِ كذا ؟ فقال له : كما أنتما يكون لكما الغلامُ، والكلامُ تامٌّ على هذا التأويلِ في قوله :" كذلك " وقولُه :﴿اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ جملةٌ مبينة مقرِّرةٌ في النفس وقوعَ هذ الأمر المستغرب " انتهى. وعلى هذا الذي ذكرَه يكون " كذلك " متعلقاً بمحذوف، و " الله يفعل " جملةٌ منعقدةٌ من مبتدأ وخبرٍ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى