فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿قَالَ رَبّ أنى يَكُونُ لِي غلام﴾ ظاهر هذا أن الخطاب منه لله سبحانه، وإن كان الخطاب الواصل إليه هو بواسطة الملائكة، وذلك لمزيد التضرّع، والجدّ في طلب الجواب، عن سؤاله، وقيل : إنه أراد بالربّ جبريل، أي : يا سيدي، قيل : وفي معنى هذا الاستفهام، وجهان : أحدهما أنه سأل هل يرزق هذا الولد من امرأته العاقر، أو من غيرها ؟ وقيل : معناه بأيّ سبب استوجب هذا، وأنا، وامرأتي على هذه الحال ؟ والحاصل أنه استبعد حدوث الولد منهما مع كون العادة قاضية بأنه لا يحدث من مثلهما ؛ لأنه كان يوم التبشير كبيراً، قيل : في تسعين سنة، وقيل : ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته في ثمان وتسعين سنة، ولذلك قال :﴿وََقَدْ بَلَغَنِي الكبر﴾ أي : والحال ذلك، جعل الكبر، كالطالب له لكونه طليعة من طلائع الموت، فأسند الفعل إليه. والعاقر : التي لا تلد، أي : ذات عقر على النسب، ولو كان على الفعل لقال عقيرة، أي : بها عقر يمنعها من الولد، وإنما وقع منه هذا الاستفهام بعد دعائه بأن يهب الله له ذرية طيبة، ومشاهدته لتلك الآية الكبرى في مريم استعظاماً لقدرة الله سبحانه لا لمحض الاستبعاد، وقيل : إنه قد مرّ بعد دعائه إلى وقت يشاء ربه أربعون سنة، وقيل : عشرون سنة، فكان الاستبعاد من هذه الحيثية.
قوله :﴿كذلك الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾ أي : يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل، وهو : إيجاد الولد من الشيخ الكبير، والمرأة العاقر، والكاف في محل نصب نعتاً لمصدر محذوف، والإشارة إلى مصدر يفعل، أو الكاف في محل رفع على أنها خبر، أي : على هذا الشأن العجيب شأن الله، ويكون قوله :﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾ بياناً له، أو الكاف في محل نصب على الحال، أي : يفعل الله الفعل كائناً مثل ذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال : لما رأى زكريا ذلك، يعني فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، عند مريم قال : إن الذي أتى بهذا مريم في غير زمانه قادر أن يرزقني ولداً، فذلك حين دعا ربه. وأخرج ابن عساكر، عن الحسن نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي :﴿ذُرّيَّةً طَيّبَةً﴾ يقول : مباركة.
وأخرج ابن جرير، عن عبد الرحمن بن أبي حماد قال : في قراءة ابن مسعود :«فناداه جبريل، وهو قائم يصلي في المحراب»، وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي أنه قال :﴿فَنَادَتْهُ الملائكة﴾ أي : جبريل. وأخرج ابن المنذر، عن السدي قال : المحراب المصلى. وقد أخرج الطبراني، والبيهقي، عن ابن عمرو أن النبيّ ﷺ قال :«اتقوا هذه المذابح» يعني : المحاريب. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، عن موسى الجهني قال : قال رسول الله ﷺ :«لا تزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى» وقد رويت كراهة ذلك عن جماعة من الصحابة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة ؛ قال : إنما سمي يحيى ؛ لأن الله أحياه بالإيمان. وأخرجوا، عن ابن عباس قال :﴿مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ منَ الله﴾ قال : عيسى بن مريم هو : الكلمة. وأخرج ابن جرير، من طريق ابن جريج، عنه قال : كان يحيى، وعيسى ابني الخالة، وكانت أم يحيى تقول لمريم : إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى سجوده في بطن أمه، وهو : أوّل من صدق بعيسى.
وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿وَسَيّدًا﴾ قال : حليماً تقياً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد قال : السيد الكريم على الله. وأخرج ابن جرير، عن ابن المسيب قال : السيد الفقيه العالم. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَسَيّدًا وَحَصُورًا﴾ قال : السيد الحليم، والحصور الذي لا يأتي النساء. وأخرج أحمد في الزهد، عن سعيد بن جبير في الحصور مثله. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : الحصور الذي لا ينزل الماء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال :«كان ذكره مثل هدبة الثوب» وأخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، من وجه آخر، عن ابن عمرو موقوفاً، وهو أقوى. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن شعيب الجبائي قال : اسم أم يحيى أشيع.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله :﴿اجعل لِّي آيَةً﴾ قال : بالحمل به. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله :﴿آيتك ألاّ تُكَلّمَ الناس ثلاثة أَيَّامٍ﴾ قال : إنما عوقب بذلك، لأن الملائكة شافهته بذلك مشافهة، فبشرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إياه، فأخذ عليه بلسانه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿إِلاَّ رَمْزًا﴾ قال : الرمز بالشفتين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال : الرمز الإشارة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿وَسَبّحْ بالعشي والإبكار﴾ قال : العشيّ ميل الشمس إلى أن تغيب، والإبكار أوّل الفجر.
وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث علي قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد» وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ :«أفضل نساء العالمين خديجة، وفاطمة، ومريم، وآسية امرأة فرعون» وأخرج ابن مردويه، عن أنس مرفوعاً نحوه. وأخرج نحوه، أحمد، والترمذي وصححه، وابن المنذر، وابن حبان، والحاكم، من حديثه مرفوعاً، وفي الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي موسى قال : قال رسول الله ﷺ :«كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على الطعام»
وفي المعنى أحاديث كثيرة، وكلها تفيد أن مريم عليها السلام سيدة نساء عالمها، لا نساء جميع العالم. ويؤيده ما أخرجه ابن عساكر، عن مقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ قال :«أربع نسوة سادات نساء عالمهن : مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وأفضلهن عالماً فاطمة»
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله :﴿يا مريم اقنتى لِرَبّكِ﴾ قال : أطيلي الركوع يعني : القيام. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير ﴿اقنتي لِرَبّكِ﴾ قال : أخلصي. وأخرج عن قتادة قال : أطيعي ربك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أقلامهم﴾ قال : إن مريم لما وضعت في المسجد اقترع عليها أهل المصلى، وهم يكتبون الوحي، فاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها. قال الله لمحمد :﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال : ألقوا أقلامهم في الماء، فذهبت مع الجرية، وصعد قلم زكريا، فكفلها زكريا. وأخرج ابن جرير، عن الربيع نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد، وكذلك أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن جريج، أن الأقلام هي التي يكتبون بها التوراة. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن عطاء : أنها القداح.
قوله :﴿كذلك الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾ أي : يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل، وهو : إيجاد الولد من الشيخ الكبير، والمرأة العاقر، والكاف في محل نصب نعتاً لمصدر محذوف، والإشارة إلى مصدر يفعل، أو الكاف في محل رفع على أنها خبر، أي : على هذا الشأن العجيب شأن الله، ويكون قوله :﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾ بياناً له، أو الكاف في محل نصب على الحال، أي : يفعل الله الفعل كائناً مثل ذلك.
وأخرج ابن جرير، عن عبد الرحمن بن أبي حماد قال : في قراءة ابن مسعود :«فناداه جبريل، وهو قائم يصلي في المحراب»، وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي أنه قال :﴿فَنَادَتْهُ الملائكة﴾ أي : جبريل. وأخرج ابن المنذر، عن السدي قال : المحراب المصلى. وقد أخرج الطبراني، والبيهقي، عن ابن عمرو أن النبيّ ﷺ قال :«اتقوا هذه المذابح» يعني : المحاريب. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، عن موسى الجهني قال : قال رسول الله ﷺ :«لا تزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى» وقد رويت كراهة ذلك عن جماعة من الصحابة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة ؛ قال : إنما سمي يحيى ؛ لأن الله أحياه بالإيمان. وأخرجوا، عن ابن عباس قال :﴿مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ منَ الله﴾ قال : عيسى بن مريم هو : الكلمة. وأخرج ابن جرير، من طريق ابن جريج، عنه قال : كان يحيى، وعيسى ابني الخالة، وكانت أم يحيى تقول لمريم : إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى سجوده في بطن أمه، وهو : أوّل من صدق بعيسى.
وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿وَسَيّدًا﴾ قال : حليماً تقياً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد قال : السيد الكريم على الله. وأخرج ابن جرير، عن ابن المسيب قال : السيد الفقيه العالم. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَسَيّدًا وَحَصُورًا﴾ قال : السيد الحليم، والحصور الذي لا يأتي النساء. وأخرج أحمد في الزهد، عن سعيد بن جبير في الحصور مثله. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : الحصور الذي لا ينزل الماء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال :«كان ذكره مثل هدبة الثوب» وأخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، من وجه آخر، عن ابن عمرو موقوفاً، وهو أقوى. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن شعيب الجبائي قال : اسم أم يحيى أشيع.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله :﴿اجعل لِّي آيَةً﴾ قال : بالحمل به. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله :﴿آيتك ألاّ تُكَلّمَ الناس ثلاثة أَيَّامٍ﴾ قال : إنما عوقب بذلك، لأن الملائكة شافهته بذلك مشافهة، فبشرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إياه، فأخذ عليه بلسانه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿إِلاَّ رَمْزًا﴾ قال : الرمز بالشفتين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال : الرمز الإشارة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿وَسَبّحْ بالعشي والإبكار﴾ قال : العشيّ ميل الشمس إلى أن تغيب، والإبكار أوّل الفجر.
وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث علي قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد» وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ :«أفضل نساء العالمين خديجة، وفاطمة، ومريم، وآسية امرأة فرعون» وأخرج ابن مردويه، عن أنس مرفوعاً نحوه. وأخرج نحوه، أحمد، والترمذي وصححه، وابن المنذر، وابن حبان، والحاكم، من حديثه مرفوعاً، وفي الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي موسى قال : قال رسول الله ﷺ :«كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على الطعام»
وفي المعنى أحاديث كثيرة، وكلها تفيد أن مريم عليها السلام سيدة نساء عالمها، لا نساء جميع العالم. ويؤيده ما أخرجه ابن عساكر، عن مقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ قال :«أربع نسوة سادات نساء عالمهن : مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وأفضلهن عالماً فاطمة»
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله :﴿يا مريم اقنتى لِرَبّكِ﴾ قال : أطيلي الركوع يعني : القيام. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير ﴿اقنتي لِرَبّكِ﴾ قال : أخلصي. وأخرج عن قتادة قال : أطيعي ربك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أقلامهم﴾ قال : إن مريم لما وضعت في المسجد اقترع عليها أهل المصلى، وهم يكتبون الوحي، فاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها. قال الله لمحمد :﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال : ألقوا أقلامهم في الماء، فذهبت مع الجرية، وصعد قلم زكريا، فكفلها زكريا. وأخرج ابن جرير، عن الربيع نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد، وكذلك أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن جريج، أن الأقلام هي التي يكتبون بها التوراة. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن عطاء : أنها القداح.