اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿يَمَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ تقدم الكلام في القنوت عند قوله تعالى :﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وأنه طول القيام.
فإن قيل : لِمَ قدم ذكر السجود على الركوع ؟
فالجواب من وجوهٍ :
أحدها : أن الواو تفيد التشريك لا الترتيبَ.
الثاني : أن غاية قُرْب العبد من ربه إذا كان ساجداً، فلما اختص السجود بهذه الفضيلة قُدِّم على بَاقِي الطَّاعَاتِ.
الثالث : قال ابنُ الأنباري :" قوله تعالى :﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ أمر بالعبادة على العموم، وقوله بَعْدَ ذلك :﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ يعني استعملي السجود في وقته اللائق به، وليس المراد أن تجمع بينهم، ثم تقدم السجود على الركوعِ ".
الرابع : أن الصلاة تسمى سجوداً - كما قيل في قوله :﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾
[ق: ٤٠] وفي الحديث :" إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين ".
وأيضاً قال : فالسجود أفضل أجزاء الصلاة، وتسمية الشيء باسم أشرف أجزائه مجاز مشهور.
وإذا ثبت ذلك فقوله :﴿يَمَرْيَمُ اقْنُتِي﴾ معناه : قومي، وقوله :﴿وَاسْجُدِي﴾ أمر ظاهر بالصلاة حال الانفراد، وقوله :﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أمر بالخضوع، والخشوع بالقلب.
الخامس : لعلّ السجود في ذلك الدين كان متقدّماً على الركوع. فإن قيل : لِمَ لَمْ يقل : واركعي مع الراكعات ؟
فالجواب : لأن الاقتداء بالرجل - حال الاختفاء من الرجال - أفضل من الاقتداء بالنساء.
وقيل : لأنه أعم وأشمل.
قال المفسّرون : لما ذكرت الملائكة هذه الكلمات - شفاهاً - لمريم قامت في الصّلاة، حتى تورمت قدماها، وسالت دماً وقَيْحاً.
وقوله :﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ قيل : معناه : افعلي كفعلهم.
وقيل : المراد به الصلاة الجامعة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى