البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
القلم : معروف وهو الذي يكتب به، وجمعه أقلام ويقع على السهم الذي يقترع به، وهو فعل بمعنى مفعولاً لأنه يقلم أي : يبرى ويسوى وقيل : هو مشتق من القلامة، وهي نبت ضعيف لترقيقه، والقلامة أيضاً ما سقط من الظفر إذا قلم، وقلمت أظفاره أخذت منها وسويتها قال زهير :
لدى أسد شاكي السلاح مقذفله لبد أظفاره لم تقلم
وقال بعض المولدين :
يشبه بالهلال وذاك نقصقلامة ظفره شبه الهلال
الوحي : إلقاء المعنى في النفس في خفاء، فقد يكون بالملك للرسل وبالإلهام كقوله :﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ وبالإشارة كقوله.
لأوحت إلينا والأنامل رسلها ***
﴿فأوحى إليهم أن سبحوا﴾ وبالكتابة : قال زهير :
أتى العجم والآفاق منه قصائد ***
بَقِينَ بقاء الوَحْيِ في الحَجَرِ الأَصَمّ
والوحي : الكتاب قال :
فمدافع الرّيان عرّى رسمها ***
خلقا كما ضمن الوحيّ سلامها
وقيل : الوحي جمع : وحي، وأما الفعل فيقال أوحى ووحي.
﴿ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك﴾ الإشارة إلى ما تقدّم من قصص امرأة عمران، وبنتها مريم، وزكريا، ويحيى، والمعنى : أن هذه القصص وصولها إليك من جهة الوحي إذ لست ممن دارس الكتب، ولا صحب من يعرف ذلك، وهو من قوم أمّيين، فمدرك ذلك إنما هو الوحي من عند الله كما قال في الآية الأخرى، وقد ذكر قصة أبعد الناس زماناً من زمانه، ﷺ.
وهو نوح عليه السلام، واستوفاها له في سورة هود أكثر مما استوفاها في غيرها ﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا﴾ وفي هذا دليل على نبوّة رسول الله ﷺ إذ أخبر بغيوب لم يطلع عليها إلاَّ من شاهدها، أو : من قرأها في الكتب السابقة، أو : من أوحي الله إليه بها.
وقد انتفى العيان والقراءة، فتعين الثالث وهو الوحي من الله تعالى.
والكاف في : ذلك، و : إليك، خطاب للنبي ﷺ، والأحسن في الإعراب أن يكون : ذلك، مبتدأ و : من أنباء الغيب، خبره.
وأن يكون : نوحيه، جملة مستأنفة، ويكون الضمير في : نوحيه، عائداً على الغيب، أي : شأننا أننا نوحي إليك الغيب ونعلمك به، ولذلك أتى بالمضارع، ويكون أكثر فائدة من عوده على : ذلك، إذ يشتمل ما تقدّم من القصص وغيرها التي يوحيها إليه في المستقبل، إذ يصير نظير : زيد يطعم المساكين، فيكون إخباراً بالحالة الدائمة.
والمستعمل في هذا المعنى إنما هو المضارع، وإذ يلزم من عوده على : ذلك، أن يكون : نوحيه، بمعنى : أوحيناه إليك، لأن الوحي به قد وقع وانفصل، فيكون أبعد في المجاز منه إذا كان شاملاً لهذه القصص وغيرها مما سيأتي، وجوّزوا أن يكون : نوحيه، خبراً : لذلك، و : من أنباء، حال من : الهاء، في : نوحيه، أو متعلقاً : بنوحيه.
﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾ هذا تقرير وتثبيت أن ما علمه من ذلك إنما هو بوحي من الله تعالى، والمعلم به قصتان : قصة مريم، وقصة زكريا.
فنبه على قصة مريم إذ هي المقصودة بالإخبار أولاً، وإنما جاءت قصة زكريا على سبيل الاستطراد، ولاندراج بعض قصة زكريا في ذكر من يكفل، فما خلت من تنبيه على قصة.
ومعنى :﴿وما كنت لديهم﴾ أي : ما كنت معهم بحضرتهم إذ يلقون أقلامهم.
ونفي المشاهدة، وإن كانت منتفية بالعلم ولم تنتف القراءة والتلقي، من حفاظ الأنباء على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي، وقد علموا أنه ليس ممن يقرأ، ولا ممن ينقل عن الحفاظ للأخبار، فتعين أن يكون علمه بذلك بوحي من الله تعالى إليه، ونظيره في قصة موسى :﴿وما كنت بجانب الغربي﴾ ﴿وما كنت بجانب الطور﴾ وفي قصة يوسف ﴿وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم﴾
والضمير، في : لديهم، عائد على غير مذكور، بل على ما دل عليه المعنى، أي : وما كنت لدى المتنازعين، كقوله :﴿فأثرن به نقعاً﴾ أي : بالمكان.
والعامل في : إذ، العامل في : لديهم.
وقال أبو علي الفارسي : العامل في : إذ، كنت. انتهى.
ولا يناسب ذلك مذهبه في كان الناقصة.
لأنه يزعم أنها سلبت الدلالة على الحدث، وتجردت للزمان وما سبيله هكذا، فكيف يعمل في ظرف ؟ لأن الظرف وعاء للحدث ولا حدث فلا يعمل فيه، والمضارع بعد : إذ، في معنى الماضي، أي : إذ ألقوا أقلامهم للاستهام على مريم، والظاهر أنها الأقلام التي للكتابة.
وقيل : كانوا يكتبون بها التوراة، فاختاروها للقرعة تبركاً بها.
وقيل : الأقلام هنا الأزلام، وهي : القداح، ومعنى الإلقاء هنا الرمي والطرح، ولم يذكر في الآية ما الذي ألقوها فيه، ولا كيفية حال الإلقاء، كيف خرج قلم زكريا.
وقد ذكرنا فيما سبق شيئاً من ذلك عن المفسرين، والله أعلم بالصحيح منها.
وقال أبو مسلم : كانت الأمم يكتبون أسماءهم على سهام عند المنازعة، فمن خرج له السهم سلم له الأمر، وهو شبيه بأمر القداح التي يتقاسم بها الجزور.
وارتفع ﴿أيهم يكفل مريم﴾ على الابتداء والخبر، وهو في موضع نصب إما على الحكاية بقول محذوف، أي : يقولون أيهم يكفل مريم، وإما بعلة محذوفة أي : ليعلموا أيّهم يكفل، وإما بحال محذوفة أي : ينظرون أيّهم يكفل، ودل على المحذوف :﴿يلقون أقلامهم﴾ وقد استدل بهذه الآية على إثبات القرعة وهي مسألة فقهية تذكر في علم الفقه.
﴿وما كنت لديهم إذ يختصمون﴾ أي : بسبب مريم، ويحتمل أن يكون هذا الاختصام هو الاقتراع، وأن يكون اختصاماً آخر بعده، والمقصود شدّة رغبتهم في التكفل بشأنها.
والعامل في : اذ، العامل في : لديهم، أو، كنت، على قول أبي علي في : إذ يلقون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات من ضروب الفصاحة :
التكرار في : اصطفاك، وفي : يا مريم، وفي : ما كنت لديهم.
قيل : والتقديم والتأخير في : واسجدي واركعي، على بعض الأقوال.
والاستعارة، فيمن جعل القنوت والسجود والركوع ليس كناية عن الهيئات التي في الصلاة، والإشارة بذلك من أنباء الغيب، والعموم المراد به الخصوص في نساء العالمين على أحد التفسيرين، والتشبيه في أقلامهم، إذا قلنا إنه أراد القداح.
والحذف في عدة مواضع.


وتضمنت هذه الآيات من ضروب الفصاحة :
التكرار في : اصطفاك، وفي : يا مريم، وفي : ما كنت لديهم.
قيل : والتقديم والتأخير في : واسجدي واركعي، على بعض الأقوال.
والاستعارة، فيمن جعل القنوت والسجود والركوع ليس كناية عن الهيئات التي في الصلاة، والإشارة بذلك من أنباء الغيب، والعموم المراد به الخصوص في نساء العالمين على أحد التفسيرين، والتشبيه في أقلامهم، إذا قلنا إنه أراد القداح.
والحذف في عدة مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى