جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾
يعني جل ثناؤه بقوله : ذلك الأخبار التي أخبر بها عباده عن امرأة عمران وابنتها مريم وزكريا، وابنه يحيى، وسائر ما قصّ في الآيات من قوله :﴿إنّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحا﴾ ثم جمع جميع ذلك تعالى ذكره بقوله ذلك، فقال : هذه الأنباء من أنباء الغيب : أي من أخبار الغيب. ويعني بالغيب، أنها من خفيّ أخبار القوم التي لم تطلع أنت يا محمد عليها ولا قومك، ولم يعلمها إلا قليل من أحبار أهل الكتابين ورهبانهم ثم أخبر تعالى ذكره نبيه محمدا ﷺ أنه أوحى ذلك إليه حجة على نبوّته، وتحقيقا لصدقه، وقطعا منه به عذر منكري رسالته من كفار أهل الكتابين الذين يعلمون أن محمدا لم يصل إلى علم هذه الأنباء مع خفائها ولم يدرك معرفتها مع خمولها عند أهلها إلا بإعلام الله ذلك إياه، إذ كان معلوما عندهم أنه محمدا ﷺ أمي لا يكتب فيقرأ الكتب فيصل إلى علم ذلك من قِبَل الكتب، ولا صاحب أهل الكتب فيأخذ علمه من قِبَلهم.
وأما الغيب : فمصدر من قول القائل : غاب فلان عن كذا، فهو يغيب عنه غَيْبا وغيبةً.
وأما قوله :﴿نُوحيهِ إِلَيْكَ﴾ فإن تأويله : ننزله إليك، وأصل الإيحاء : إلقاء الموحي إلى الموحَى إليه، وذلك قد يكون بكتاب وإشارة وإيماء وبإلهام وبرسالة، كما قال جلّ ثناؤه :﴿وَأوْحَى رَبّكَ إلى النّحْلِ﴾ بمعنى : ألقى ذلك إليها فألهمها، وكما قال :
﴿وَإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيّينَ﴾ بمعنى : ألقيت إليهم علم ذلك إلهاما، وكما قال الراجز :
*** أوْحَى لَهَا القَرَارَ فاسْتَقَرّتِ ***
بمعنى : ألقى إليها ذلك أمرا، وكما قال جلّ ثناؤه :﴿فأوْحَى إلَيْهِمْ أنْ سَبّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّا﴾ بمعنى : فألقى ذلك إليهم أيضا، والأصل فيه ما وصفت من إلقاء ذلك إليهم. وقد يكون إلقاؤه ذلك إليهم إيماء، ويكون بكتاب، ومن ذلك قوله :﴿وَإنّ الشّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ يلقون إليهم ذلك وسوسة، وقوله :﴿وأُوحِيَ إليّ هَذَا القُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ : ألقي إليّ بمجيء جبريل عليه السلام به إليّ من عند الله عزّ وجلّ. وأما الوحي : فهو الواقع من الموحِي إلى الموحَى إليه، ولذلك سمت العرب الخط والكتاب وحيا، لأنه واقع فيما كتب ثابت فيه، كما قال كعب بن زهير :
| أتَى العُجْمَ والآفاق منهُ قَصائِدٌ | بَقِينَ بَقاءَ الوَحْيِ فِي الحَجَرِ الأَصَمّ |
| كأنّهُ بَعْدَ رِياح تَدْهَمَهُ | وَمُرْثَعِنّاتِ الدّجُونِ تَثِمُهْ |
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلاَمَهُمْ أيّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾.
يعني جل ثناؤه بقوله :﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ : وما كنت يا محمد عندهم، فتعلم ما نعلمكه من أخبارهم التي لم تشهدها، ولكنك إنما تعلم ذلك فتدرك معرفته بتعري فناكه.
ومعنى قوله ﴿لَدَيْهِمْ﴾ : عندهم، ومعنى قوله ﴿إذْ يُلْقُونَ﴾ : حين يلقون أقلامهم. وأما أقلامهم فسهامهم التي استهم بها المتسهمون من بني إسرائيل على كفالة مريم، على ما قد بينا قبل في قوله :﴿وَكَفّلَها زَكَرِيّا﴾.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا هشام بن عمرو، عن سعيد، عن قتادة في قوله :﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ يعني محمدا ﷺ.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ﴾ : زكريا وأصحابه استهموا بأقلامهم على مريم حين دخلت عليهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله :﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ أيّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ : كانت مريم ابنة إمامهم وسيدهم، فتشاحّ عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا فيها بسهامهم أيهم يكفلها، فقرعهم زكريا، وكان زوج أختها، فكفلها زكريا، يقول : ضمها إليه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿يُلْقُونَ أقْلاَمَهُمْ﴾ قال : تساهموا على مريم أيهم يكفلها، فقرعهم زكريا.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلاَمَهُمْ أيّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، وإن مريم لما وضعت في المسجد، اقترع عليها أهل المصلى، وهم يكتبون الوحي، فاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها، فقال الله عزّ وجلّ لمحمد ﷺ :﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ أيّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.
حدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ، قال : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ أيّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ : اقترعوا بأقلامهم أيهم يكفل مريم، فقرعهم زكريا.
حدثنا محمد بن سنان، قال : حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن، في قوله :﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ﴾ قال : حيث اقترعوا على مريم، وكان غيبا عن محمد ﷺ حين أخبره الله.
وإنما قيل :﴿أيّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ لأن إلقاء المستهمين أقلامهم على مريم إنما كان لينظروا أيهم أولى بكفالتها وأحقّ، ففي قوله عزّ وجلّ :﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ﴾ دلالة على محذوف من الكلام، وهو :«لينظروا أيهم يكفل، وليتبينوا ذلك ويعلموه ».
فإن ظنّ ظانّ أن الواجب في «أيهم » النصب، إذ كان ذلك معناه، فقد ظنّ خطأ¹ وذلك أن النظر والتبين والعلم مع أيّ يقتضي استفهاما واستخبارا، وحظّ «أيّ » في الاستخبار الابتداء، وبطول عمل المسألة والاستخبار عنه. وذلك أن معنى قول القائل : لأنظرنّ أيهم قام، لأستخبرنّ الناس أيهم قام¹ وكذلك قولهم : لأعلمنّ. وقد دللنا فيما مضى قبل أن معنى يكفُل يضمّ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه : وما كنت يا محمد عند قوم مريم، إذ يختصمون فيها أيهم أحقّ بها وأولى، وذلك من الله عزّ وجلّ وإن كان خطابا لنبيه ﷺ، فتوبيخ منه عزّ وجلّ للمكذّبين به من أهل الكتابين، يقول : كيف يشكّ أهل الكفر بك منهم، وأنت تنبئهم هذه الأنباء ولم تشهدها، ولم تكن معهم يوم فعلوا هذه الأمور، ولست ممن قرأ الكتب فعلم نبأهم، ولا جالس أهلها فسمع خبرهم. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير :﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أي ما كنت معهم إذ يختصمون فيها يخبره بخفيّ ما كتموا منه من العلم عندهم، لتحقيق نبوّته والحجة عليهم، لما يأتيهم به مما أخفوا منه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
فتأويل الآية، إذًا: يا مريم أخلصي عبادةَ ربك لوجهه خالصًا، واخشعي لطاعته وعبادته مع من خشع له من خلقه، شكرًا له على ما أكرمك به من الاصطفاء والتَّطهير من الأدناس، والتفضيل على نساء عالم دَهرك.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله ذلك: الأخبارَ التي أخبرَ بها عبادَه عن امرأة عمران وابنتها مريم، وزكريا وابنه يحيى، وسائر ما قصَّ في الآيات من قوله:"إن الله اصطفى آدم ونوحًا"، ثم جمعَ جميعَ ذلك تعالى ذكره بقوله:"ذلك"، فقال: هذه الأنباء من"أنباء الغيب"، أي: من أخبار الغيب.
ويعني ب"الغيب"، أنها من خفيّ أخبار القوم التي لم تطَّلع أنت، يا محمد، عليها ولا قومك، ولم يعلمها إلا قليلٌ من أحبار أهل الكتابين ورهبانهم.
ثم أخبر تعالى ذكره نبيه محمدًا ﷺ أنه أوحى ذلك إليه، حجةً على نبوته، وتحقيقًا لصدقه، وقطعًا منه به عذرَ منكري رسالته من كفار أهل الكتابين، الذين يعلمون أنّ محمدًا لم يصل إلى علم هذه الأنباء مع خفائها، ولم يدرك معرفتها مع خُمولها عند أهلها، إلا بإعلام الله ذلك إياه. إذ كان معلومًا عندهم أنّ محمدًا ﷺ أميٌّ لا يكتب فيقرأ الكتب، فيصل إلى علم ذلك من
(٢) في المطبوعة: "العبودية"، وأثبت صواب ما في المخطوطة، والطبري يكثر من استعمالها كذلك. انظر ما سلف: ٢٧١؛ والتعليق: ١.
* * *
وأما"الغيْب" فمصدر من قول القائل:"غاب فلان عن كذا فهو يَغيب عنه غيْبًا وَغيبةً". (١)
* * *
وأما قوله:"نُوحيه إليك"، فإن تأويله: نُنَزِّله إليك.
* * *
وأصل"الإيحاء"، إلقاء الموحِي إلى الموحَى إليه.
وذلك قد يكون بكتاب وإشارة وإيماء، وبإلهام، وبرسالة، كما قال جل ثناؤه: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) [سورة النحل: ٦٨]، بمعنى: ألقى ذلك إليها فألهمها، وكما قال: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ) [سورة المائدة: ١١١]، بمعنى: ألقيت إليهم علمَ ذلك إلهامًا، وكما قال الراجز: (٢)
* أَوْحَى لَهَا القَرَارَ فاسْتَقَرَّتِ * (٣)
بمعنى ألقى إليها ذلك أمرًا، وكما قال جل ثناؤه: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [سورة مريم: ١١]، بمعنى: فألقى ذلك إليهم إيماء. (٤) والأصل
(٢) هو العجاج.
(٣) ديوانه ٥، واللسان"وَحَى"، وسيأتي في التفسير ٤: ١٤٢ (بولاق)، وغيرها. ورواية ديوانه، وإحدى روايتي اللسان"وحى" ثلاثيًا، وقال: "أراد أوحى"، إلا أن من لغة هذا الراجز إسقاط الهمزة مع الحرف"، وانظر ما سيأتي في تفسير سورة مريم (١٦: ٤١ بولاق). والبيت من رجز للعجاج يذكر فيه ربه ويثني عليه بآلائه، أوله:
| الحَمْدُ لِلِه الَّذِي اسْتَقَّلتِ | بِإِذْنِه السَّماءُ، وَاطْمأَنَّتِ |
| بِإذْنِهِ الأَرْضُ وما تَعَتَّتِ | وَحَى لَهَا القرارَ فَاسْتَقَرَّتِ |
| وَشدَّهَا بِالرَّاسِيَاتِ الثَّبتِ | رَبُّ البِلادِ والعِبَادِ القُنَّتِ |
وأما"الوحْي"، فهو الواقع من الموحِي إلى الموحَى إليه، ولذلك سمت العرب الخط والكتاب"وحيًا"، لأنه واقع فيما كُتِب ثابتٌ فيه، كما قال كعب بن زهير:
| أَتَى العُجْمَ والآفَاقَ مِنْهُ قَصَائِدٌ | بَقِينَ بَقَاءَ الوَحْيِ فِي الحَجَرِ الأصَمّ (٣) |
كَأَنَّهُ بَعْدَ رِيَاحِ تَدْهَمُهْ... وَمُرْثَعِنَّاتِ الدُّجُونِ تَثِمُهْ إنْجِيلُ أَحْبَارٍ وَحَى مُنَمْنِمُهْ (٤)
* * *
(٢) قوله: "لأنذركم به ومن بلغ"، ليس في المخطوطة.
(٣) ديوانه: ٦٤، من قصيدة مضى منها بيت فيما سلف ١: ١٠٦، وهي قصيدة جيدة، يرد فيها ما قاله فيه مزرد، أخو الشماخ، حين ذكر كعب الحطيئة في شعره وقدمه وقدم نفسه، فغضب مزرد وهجاه، فقال يفخر بأبيه ثم بنفسه، بعد البيت السالف في الجزء الأول في التفسير:
| فَإِنْ تَسْأَلِ الأَقْوَامَ عَنِّي، فَإِنَّنِي | أَنَا ابْنُ أبِي سُلْمَى عَلَى رَغْمِ مَنْ رَغِمْ |
| أنَا ابنُ الَّذِي قَدْ عَاشَ تِسْعِينَ حِجَّةً | فَلَمْ يَخْزَ يَوْمًا في مَعَدٍّ وَلَمْ يُلَمْ |
| وَأَكْرَمَهُ الأكْفَاءُ فِي كُلِّ مَعْشَرٍ | كِرَامٍ، فَإِنْ كَذَّبْتَني، فَاسْأَلِ الأُمَمْ |
| أَتَى العُجْمَ.......... | ................... |
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"وما كنت لديهم"، وما كنت، يا محمد، عندهم فتعلم ما نعلِّمكه من أخبارهم التي لم تشهدها، ولكنك إنما تعلم ذلك فتدركُ معرفته، بتعري فناكه.
* * *
ومعنى قوله:"لديهم"، عندهم.
* * *
ومعنى قوله:"إذ يلقون"، حينَ يلقون أقلامهم.
* * *
وأما"أقلامهم"، فسهامهم التي استهم بها المتسهمون من بني إسرائيل على كفالة مريم، على ما قد بينا قبل في قوله:"وكفَّلها زكريا". (١)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٧٠٥٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا هشام بن عمرو، عن سعيد، عن قتادة في قوله:"وما كنت لديهم"، يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم.
٧٠٥٣ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى،
٧٠٥٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٧٠٥٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون"، كانت مريم ابنة إمامهم وسيّدهم، فتشاحّ عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا فيها بسهامهم أيُّهم يكفلها، فقَرَعهم زكريا، وكان زوجَ أختها،"فكفَّلها زكريا"، يقول: ضمها إليه. (١)
٧٠٥٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"يلقون أقلامهم"، قال: تساهموا على مريم أيُّهم يكفلها، فقرَعهم زكريا.
٧٠٥٧ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم"، وإنّ مريم لما وضعت في المسجد، اقترع عليها أهلُ المصلَّى وهم يكتبون الوَحْى، فاقترعوا بأقلامهم أيُّهم يكفُلها، فقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم:"وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لدَيهم إذْ يختصمون".
٧٠٥٨ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ، قال، أخبرنا عبيد
٧٠٥٩ - حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله:"وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم"، قال: حيث اقترعوا على مريم، وكان غَيبًا عن محمد ﷺ حين أخبرَه الله.
* * *
وإنما قيل:"أيهم يكفل مريم"، لأن إلقاء المستهمين أقلامَهم على مريم، إنما كان لينظروا أيهم أولى بكفالتها وأحقّ. ففي قوله عز وجل:"إذ يلقون أقلامهم"، دلالة على محذوف من الكلام، وهو:"لينظروا أيهم يكفل، وليتبيَّنوا ذلك ويعلموه".
* * *
فإن ظن ظانّ أنّ الواجب في"أيهم" النصبُ، إذ كان ذلك معناه، فقد ظن خطأ. وذلك أن"النظر" و"التبين" و"العلم" مع"أيّ" يقتضي استفهامًا واستخبارًا، وحظ"أىّ" في الاستخبار، الابتداءُ وبطولُ عمل المسألة والاستخبار عنه. وذلك أن معنى قول القائل:"لأنظُرَنّ أيهم قام"، لأستخبرنَ الناس: أيهم قام، وكذلك قولهم:"لأعلمن".
* * *
وقد دللنا فيما مضى قبل أن معنى"يكفل"، يضمُّ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (١)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وما كنتَ، يا محمد، عند قوم مريم، إذ يختصمون فيها أيُّهم أحقّ بها وأولى.
وذلك من الله عز وجل، وإن كان خطابًا لنبيه صلى الله عليه وسلم، فتوبيخٌ منه عز وجل للمكذبين به من أهل الكتابين. يقول: كيف يشكّ أهل الكفر بك منهم وأنت تنبئهم هذه الأنباءَ ولم تشهدْها، ولم تكن معهم يوم فعلوا هذه الأمورَ، ولست ممن قرأ الكتب فعَلِم نبأهم، ولا جالَس أهلها فسمع خبَرَهم؟
كما:-
٧٠٦٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"وما كنت لديهم إذ يختصمون"، أي ما كنت معهم إذ يختصمون فيها. يخبره بخفيّ ما كتموا منه من العلم عندهم، لتحقيق نبوته والحجة عليهم لما يأتيهم به مما أخفوا منه. (١)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"إذ قالت الملائكة"، وما كنت لديهم إذ يختصمون، وما كنت لديهم أيضًا إذ قالت الملائكة: يا مريم إنّ الله يبشرك.
* * *
* * *
وقوله:"بكلمة منه"، يعني برسالة من الله وخبر من عنده، وهو من قول القائل:"ألقى فلانٌ إليّ كلمةً سَرّني بها"، بمعنى: أخبرني خبرًا فرحت به، كما قال جل ثناؤه: (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) [سورة النساء: ١٧١]، يعني: بشرى الله مريمَ بعيسى، ألقاها إليها.
* * *
فتأويل الكلام: وما كنت، يا محمد، عند القوم إذ قالت الملائكة لمريم: يا مريم إنّ الله يبشرك ببُشرى من عنده، هي ولدٌ لك اسمهُ المسيحُ عيسى ابن مريم.
* * *
وقد قال قوم - وهو قول قتادة -: إن"الكلمة" التي قال الله عز وجل:"بكلمة منه"، هو قوله:"كن".
٧٠٦١ - حدثنا بذلك الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله:"بكلمة منه"، قال: قوله:"كن".
* * *
فسماه الله عز وجل"كلمته"، لأنه كان عن كلمته، كما يقال لما قدّر الله من شيء:"هذا قدَرُ الله وقضاؤُه"، يعنى به: هذا عن قدر الله وقضائه حدث، وكما قال جل ثناؤه: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا) [سورة النساء: ٤٧ سورة الأحزاب: ٣٧]، يعني به: ما أمر الله به، وهو المأمور [به] الذي كان عن أمر الله عز وجل. (٢)
* * *
(٢) ما بين القوسين زيادة لا يستقيم الكلام إلا بها.
* * *
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال:"الكلمة" هي عيسى.
٧٠٦٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله:"إذ قالت الملائكة يا مريم إنّ الله يبشرك بكلمة منه"، قال: عيسى هو الكلمة من الله.
* * *
قال أبو جعفر: وأقربُ الوُجوه إلى الصواب عندي، القولُ الأول. وهو أنّ الملائكة بشَّرت مريمَ بعيسى عن الله عز وجل برسالته وكلمته التي أمرَها أن تُلقيها إليها: أنّ الله خالقٌ منها ولدًا من غير بَعْل ولا فَحل، ولذلك قال عز وجل:"اسمه المسيح"، فذكَّر، ولم يقُل:"اسمُها" فيؤنث، و"الكلمة" مؤنثة، لأن"الكلمة" غير مقصود بها قصدُ الاسم الذي هو بمعنى"فلان"، وإنما هي بمعنى البشارة، فذكِّرت كنايتها كما تذكر كناية"الذرّية" و"الدابّة" والألقاب، (١) على ما قد بيناه قبل فيما مضى. (٢)
* * *
فتأويل ذلك كما قلنا آنفًا، من أنّ معنى ذلك: إن الله يبشرك ببشرى = ثم بيَّن عن البشرى أنها ولدٌ اسمه المسيح.
* * *
وقد زعم بعض نحويي البصرة أنه إنما ذكر فقال:"اسمه المسيح"، وقد قال:"بكلمة منه"، و"الكلمة"، عنده هي عيسى = لأنه في المعنى كذلك، كما قال جل ثناؤه: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا)، ثم قال (بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا) [سورة الزمر: ٥٦- ٥٩]، وكما يقال:"ذو الثُّدَيَّة"، لأن يده
(٢) انظر ما سلف ٢: ٢١٠ / ثم هذا الجزء: ٣٦٢، ٣٦٣، ومواضع أخرى.
* * *
وقال بعض نحويي الكوفة نحو قول من ذكرنا من نحويي البصرة: في أنّ"الهاء" من ذكر"الكلمة"، وخالفه في المعنى الذي من أجله ذكر قوله"اسمه"، و"الكلمة"، متقدمة قبله. فزعم أنه إنما قيل:"اسمه"، وقد قدّمت"الكلمة"، ولم يقل:"اسمها"، لأن من شأن العرب أن تفعل ذلك فيما كان من النعوت والألقاب والأسماء التي لم توضَع لتعريف المسمى به، كـ"فلان" و"فلان"، وذلك، مثل"الذرّية" و"الخليفة" و"الدابة"، ولذلك جاز عنده أن يقال:"ذرية طيبة" و"ذرّيةً طيبًا"، ولم يجز أن يقال:"طلحة أقبلت = ومغيرة قامت". (٢)
* * *
وأنكر بعضهم اعتلالَ من اعتلّ في ذلك بـ"ذي الثدية"، وقالوا: إنما أدخلت"الهاء" في"ذي الثدية"، لأنه أريد بذلك القطعة منَ الثَّدْي، كما قيل:"كنا في لحمة ونَبيذة"، يراد به القطعة منه. وهذا القول نحو قولنا الذي قلناه في ذلك.
* * *
وأما قوله:"اسمهُ المسيح عيسى ابن مريم"، فإنه جل ثناؤه أنبأ عباده عن نسبة عيسى، وأنه ابن أمّه مريم، ونفى بذلك عنه ما أضاف إليه الملحدون في الله جل ثناؤه من النصارى، من إضافتهم بنوّته إلى الله عز وجل، وما قَرَفَتْ أمَّه به المفتريةُ عليها من اليهود، (٣) كما:-
(٢) انظر ما سلف في هذا الجزء: ٣٦٢، ٣٦٣.
(٣) في المطبوعة: "قذفت به"، والصواب من المخطوطة. قرف الرجل بسوء: رماه به واتهمه، فهو مقروف. وقوله: "المفترية" مرفوعة فاعل"قرفت أمه به"، ويعني الفئة المفترية.
* * *
وأما"المسيح"، فإنه"فعيل" صرف من"مفعول" إلى"فعيل"، وإنما هو"ممسوح"، يعني: مَسحه الله فطهَّره من الذنوب، ولذلك قال إبراهيم:"المسيح" الصدّيق... (٢)
٧٠٦٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم مثله.
٧٠٦٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم مثله.
* * *
وقال آخرون: مُسح بالبركة.
٧٠٦٦ - حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال، قال سعيد: إنما سمي"المسيح"، لأنه مُسِح بالبركة.
* * *
(٢) مكان هذه النقط سقط لا شك فيه عندي، وأستظهر أنه إسناد واحد إلى"إبراهيم" ثم يليه الأثر رقم: ٧٠٦٤، فيه أن المسيح هو الصديق، كما ذكر. وكان في المخطوطة والمطبوعة موضع هذه النقط: "وقال آخرون: مسح بالبركة"، وهو كلام لا يستقيم، كما ترى، فأخرت هذه الجملة إلى مكانها قبل الأثر رقم: ٧٠٦٦، واستجزت أن أصنع ذلك، لأنه من الوضوح بمكان لا يكون معه شك أو لجلجة.
هذا، وفي تفسير"المسيح" أقوال أخر كثيرة، لا أظن الطبري قد غفل عنها، ولكني أظن أن في النسخة سقطًا قديمًا، ولذلك اضطرب الناسخ هنا. هذا إذا لم يكن الطبري قد أغفلها اختصارًا.