الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي

عن الكتاب
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ﴿ويعلمه الكتاب﴾ قال : الخط بالقلم.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ﴿ويعلمه الكتاب﴾ قال : بيده.
وأخرج ابن المنذر بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال : عندما ترعرع عيسى جاءت به أمه إلى الكتاب فدفعته إليه فقال : قل بسم. قال عيسى : بسم الله. فقال المعلم : قل الرحمن. قال عيسى : الرحمن الرحيم. فقال المعلم : قل أبو جاد. قال : هو في كتاب. فقال عيسى : أتدري ما ألف ؟ قال : لا. قال : آلاء الله. أتدري ما باء ؟ قال : لا. قال : بهاء الله. أتدري ما جيم ؟ قال : لا. قال : جلال الله. أتدري ما اللام ؟ قال : لا. قال : آلاء الله. فجعل يفسر على هذا النحو.
فقال المعلم : كيف أُعلِّم من هو أعلم مني ؟ ! قالت : فدعه يقعد مع الصبيان. فكان يخبر الصبيان بما يأكلون، وما تدخر لهم أمهاتهم في بيوتهم.
وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري وابن مسعود مرفوعا " قال : إن عيسى بن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه فقال له المعلم : اكتب بسم الله قال له عيسى : وما بسم ؟ قال له المعلم : ما أدري ؟ ! قال له عيسى : الباء بهاء الله، والسين سناؤه، والميم مملكته، والله إله الآلهة، والرحمن رحمن الآخرة والدنيا، والرحيم رحيم الآخرة. أبو جاد : الألف. آلاء الله، والباء بهاء الله، جيم جلال الله، دال الله الدائم. هوز : الهاء الهاوية، واو ويل لأهل النار واد في جهنم، زاي زين أهل الدنيا، حطي : حاء الله الحكيم، طاء الله الطالب لكل حق حتى يرده، أي أهل النهار وهو الوجع. كلمن : الكاف الله الكافي، لام : الله القائم، ميم، الله المالك، نون الله البحر، سعفص : سين، السلام، صاد الله الصادق، عين الله العالم، فاء الله ذكر كلمة صاد الله الصمد.
قرشت قاف الجبل المحيط بالدنيا الذي أخضرت منه السماء، راء رياء الناس بها، سين ستر الله، تاء تمت أبدا، . قال ابن عدي، هذا الحديث باطل بهذا الإسناد لا يرويه غير إسمعيل بن يحيى.
وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس. أن عيسى بن مريم أمسك عن الكلام بعد إذ كلمهم طفلا حتى بلغ ما يبلغ الغلمان، ثم أنطقه الله بعد ذلك بالحكمة والبيان، فأكثر إليهود فيه وفي أمه من قول الزور، فكان عيسى يشرب اللبن من أمه، فلما فطم أكل الطعام، وشرب الشراب، حتى بلغ سبع سنين أسلمته أمه لرجل يعلمه كما يعلم الغلمان، فلا يعلمه شيئا إلا بدره عيسى إلى عمله قبل أن يعلمه إياه.
فعلمه أبا جاد فقال عيسى : ما أبو جاد ؟ قال المعلم : لا أدري ! فقال عيسى : فكيف تعلمني ما لا تدري ؟ ! فقال المعلم : إذن فعلمني. قال له عيسى : فقم من مجلسك فقام، فجلس عيسى مجلسه فقال عيسى : سلني. . . فقال المعلم : فما أبو أبجد ؟ فقال عيسى : الألف آلاء الله، باء بهاء الله، جيم بهجة الله وجماله. فعجب المعلم من ذلك، فكان أول من فسر أبجد عيسى ابن مريم عليه السلام.
قال وسأل عثمان بن عفان رضي الله عنه رسول الله ﷺ فقال " يا رسول الله ما تفسير أبي جاد ؟ فقال رسول الله ﷺ : تعلموا تفسير أبي جاد فإن فيه الأعاجيب كلها، ويل لعالم جهل تفسيره. فقيل : يا رسول الله وما تفسير أبي جاد ؟ قال : الألف آلاء الله، والباء بهجة الله وجلاله، والجيم مجد الله، والدال دين الله، هوّز الهاوية ويل لمن هوى فيها، والواو ويل لأهل النار، والزاي الزاوية يعني زوايا جهنم.
حطي : الحاء حط خطايا المستغفرين في ليلة القدر وما نزل به جبريل مع الملائكة إلى مطلع الفجر، والطاء طوبى لهم وحسن مآب وهي شجرة غرسها الله بيده، والياء يد الله فوق خلقه. كلمن : الكاف كلام الله لا تبديل لكلماته، واللام إلمام أهل الجنة بينهم بالزيارة والتحية والسلام وتلاوم أهل النار بينهم، والميم ملك الله الذي لا يزول ودوام الله الذي لا يفنى، ونون ( نون والقلم وما يسطرون ) ( القلم الآية ١ - ٢ ) صعفص : الصاد صاع بصاع، وقسط بقسط، وقص بقص، يعني الجزاء بالجزاء، وكما تدين تدان، والله لا يريد ظلما للعباد. قرشت : يعني قرشهم فجمعهم يقضي بينهم يوم القيامة وهم لا يظلمون.
- ذكر نبذ من حكم عيسى عليه السلام
أخرج ابن المبارك في الزهد أخبرنا ابن عيينة عن خلف بن حوشب قال : قال عيسى عليه السلام للحواريين : كما ترك لكم الملوك الحكمة فكذلك اتركوا لهم الدنيا.
وأخرج ابن عساكر عن يونس بن عبيد قال : كان عيسى بن مريم عليه السلام يقول : لا يصيب أحد حقيقة الإيمان حتى لا يبالي من أكل الدنيا.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد في الزهد عن ثابت البناني قال : قيل لعيسى عليه السلام لو اتخذت حمارا تركبه لحاجتك ؟ فقال : أنا أكرم على الله من أن يجعل لي شيئا يشغلني به.
وأخرج ابن عساكر عن مالك بن دينار قال : قال عيسى : معاشر الحواريين إن خشية الله وحب الفردوس يورثان الصبر على المشقة، ويباعدان من زهرة الدنيا.
وأخرج ابن عساكر عن عتبة بن يزيد قال : قال عيسى بن مريم : يا ابن آدم الضعيف اتق الله حيثما كنت، وكل كسرتك من حلال، واتخذ المسجد بيتا، وكن في الدنيا ضعيفا، وعوّد نفسك البكاء، وقلبك التفكر، وجسدك الصبر، ولا تهتم برزقك غدا فإنها خطيئة تكتب عليك.
وأخرج ابن أبي الدنيا والاصبهاني في الترغيب عن محمد بن مطرف. أن عيسى قال : فذكره.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن وهيب المكي قال : بلغني أن عيسى عليه السلام قال : أصل كل خطيئة حب الدنيا. ورب شهوة أورثت أهلها حزنا طويلا.
وأخرج ابن عساكر عن يحيى بن سعيد قال : كان عيسى يقول : اعبروا الدنيا ولا تعمروها، وحب الدنيا رأس كل خطيئة، والنظر يزرع في القلب الشهوة.
وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإيمان عن سفيان بن سعيد قال : كان عيسى عليه السلام يقول : حب الدنيا أصل كل خطيئة، والمال فيه داء كبير. قالوا : وما داؤه ؟ قال : لا يسلم من الفخر والخيلاء. قالوا : فإن سلم ؟ قال : يشغله إصلاحه عن ذكر الله.
وأخرج ابن المبارك عن عمران الكوفي قال : قال عيسى ابن مريم للحواريين : لا تأخذوا ممن تعلمون الأجر الأمثل الذي أعطيتموني، ويا ملح الأرض لا تفسدوا فإن كل شيء إذا فسد فإنما يداوى بالملح، وإن الملح إذا فسد فليس له دواء، واعلموا أن فيكم خصلتين من الجهل. الضحك من غير عجب، والصبيحة من غير سهر.
وأخرج الحكيم الترمذي عن يزيد بن ميسرة قال : قال عيسى عليه السلام : بالقلوب الصالحة يعمر الله الأرض، وبها يخرب الأرض إذا كانت على غير ذلك.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان عن مالك بن دينار قال : كان عيسى بن مريم عليه السلام إذا مر بدار وقد مات أهلها وقف عليها فقال : ويح لأربابك الذين يتوارثونك كيف لم يعتبروا فعلك بإخوانهم الماضين ؟ !
وأخرج البيهقي عن مالك بن دينار قال : قالوا لعيسى عليه السلام يا روح الله ألا نبني لك بيتا ؟ قال : بلى. ابنوه على ساحل البحر قالوا : إذن يجيء الماء فيذهب به قال : أين تريدون ؟ تبنون لي على القنطرة ؟
وأخرج أحمد في الزهد عن بكر بن عبد الله قال : فقد الحواريون عيسى عليه السلام فخرجوا يطلبونه فوجدوه يمشي على الماء فقال بعضهم : يا نبي الله أنمشي إليك ؟ قال : نعم. فوضع رجله ثم ذهب يضع الأخرى فانغمس فقال : هات يدك يا قصير الإيمان. لو أن لابن آدم مثقال حبة أو ذرة من اليقين إذن لمشى على الماء.
وأخرج أحمد عن عبد الله بن نمير قال : سمعت أن عيسى عليه السلام قال : كانت ولم أكن، وتكون ولا أكون فيها.
وأخرج أحمد عن مالك بن دينار قال : لما بعث عيسى عليه السلام أكب الدنيا على وجهها، فلما رفع رفعها الناس بعده.
وأخرج عبد الله ابنه في زوائده عن الحسن قال : قال عيسى عليه السلام : إني أكببت الدنيا لوجهها، وقعدت على ظهرها، فليس لي ولد يموت، ولا بيت يخرب. قالوا له : أفلا نتخذ لك بيتا ؟ قال : ابنوا لي على سبيل الطريق بيتا قالوا : لا يثبت ! قالوا : أفلا نتخذ لك زوجة ؟ قال : ما أصنع بزوجة تموت !
وأخرج أحمد عن خيثمة قال : مرت امرأة على عيسى عليه السلام فقالت : طوبى لثدي أرضعك، وحجر حملك. فقال عيسى عليه السلام : طوبى لمن قرأ كتاب الله ثم عمل بما فيه.
وأخرج أحمد عن وهب بن منبه قال : أوحى الله إلى عيسى عليه الصلاة والسلام : إني وهبت لك حب المساكين ورحمتهم، تحبهم ويحبونك، ويرضون بك إماما وقائدا، وترضى بهم صحابة وتبعا، وهما خلقان. اعلم أن من لقيني بهما لقيني بأزكى الأعمال وأحبها إلي.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن ميمون بن سياه قال : قال عيسى ابن مريم : يا معشر الحواريين اتخذوا المساجد مساكن، واجعلوا بيوتكم كمنازل الأضياف. فما لكم في العالم من منزل، إن أنتم إلا عابري سبيل.
وأخرج أحمد عن وهب بن منبه أن عيسى عليه السلام قال : بحق أن أقول لكم أن أكناف السماء لخالية من الأغنياء، ولدخول جمل في سم الخياط أيسر من دخول غني الجنة.
وأخرج عبد الله في زوائده عن جعفر بن حرفاس أن عيسى بن مريم قال : رأس الخطيئة حب الدنيا، والخمر مفتاح كل شر، والنساء حبالة الشيطان.
وأخرج أحمد عن سفيان قال : قال عيسى بن عليه السلام : إن للحكمة أهلا. فإن وضعتها في غير أهلها أضعتها، وإن منعتها من أهلها ضيعتها. كن كالطبيب يضع الدواء حيث ينبغي.
وأخرج أحمد عن محمد بن واسع أن عيسى ابن مريم قال يا بني إسرائيل إني أعيذكم بالله أن تكونوا عارا على أهل الكتاب. يا بني إسرائيل قولكم شفاء يذهب الداء، وأعمالكم داء لا تقبل الدواء.
وأخرج أحمد عن وهب قال : قال عيسى لأحبار بني إسرائيل : لا تكونوا للناس كالذئب السارق، وكالثعلب الخدوع، وكالحدأ الخاطف.
وأخرج أحمد عن مكحول قال : قال عيسى بن مريم : يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبني على موج البحر دارا ؟ قالوا : يا روح الله ومن يقدر على ذلك ! قال : إياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارا.
وأخرج أحمد عن زياد أبي عمرو قال : بلغني أن عيسى عليه السلام قال : إنه ليس بنافعك أن تعلم ما لم تعلم، ولما تعمل بما قد علمت، إن كثرة العلم لا تزيد إلا كبرا إذا لم تعمل به.
وأخرج أحمد عن إبراهيم بن الوليد العبدي قال : بلغني أن عيسى عليه الصلاة والسلام قال : الزهد يدور في ثلاثة أيام : أمس خلا وعظت به، واليوم زادك فيه، وغدا لا تدري ما لك فيه. قال : والأمر يدور على ثلاثة. أمر بأن لك رشده فاتبعه، وأمر بأن لك غيه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك فكله إلى الله عز وجل.
وأخرج أحمد عن قتادة قال : قال عيسى عليه الصلاة والسلام : سلوني فإن قلبي لين، وإني صغير في نفسي.
وأخرج أحمد عن بشير الدمشقي قال : مر عيسى عليه الصلاة والسلام بقوم فقال : اللهم اغفر لنا ثلاثا فقالوا : يا روح الله إنا نريد أن نسمع منك اليوم موعظة، ونسمع منك شيئا لم نسمعه فيما مضى ؟ فأوحى الله إلى عيسى أن قل لهم " إني من أغفر له مغفرة واحدة أصلح له بها دنياه وآخرته ".
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن خيثمة قال : كان عيسى عليه السلام إذا دعا القراء قام عليهم ثم قال : هكذا اصنعوا بالقراء.
وأخرج أحمد عن يزيد بن ميسرة قال : قال عيسى عليه السلام : إن أحببتم أن تكونوا أصفياء الله،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى