جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَيُعَلّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾
اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والمدينة وبعض قراء الكوفيين :﴿وَيُعَلّمُهُ﴾ بالياء ردّا على قوله :﴿كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيُعَلّمُهُ الكِتابَ﴾ فألحقوا الخبر في قوله :﴿وَيُعَلّمُهُ﴾، بنظير الخبر في قوله :﴿يَخْلُقُ مَا يَشاءُ﴾، وقوله :﴿فَإِنّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين وبعض البصريين :«وَنُعَلّمُهُ » بالنون عطفا به على قوله :﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ كأنه قال : ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، ونعلمه الكتاب. وقالوا : ما بعد «نوحيه » في صلته، إلى قوله :«كن فيكون »، ثم عطف بقوله :«ونعلمه عليه ».
والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان مختلفتان غير مختلفتي المعاني، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب الصواب في ذلك لاتفاق معنى القراءتين في أنه خبر عن الله بأنه يعلم عيسى الكتاب، وما ذكر أنه يعلمه، وهذا ابتداء خبر من الله عزّ وجلّ لمريم ما هو فاعل بالولد الذي بشرها به من الكرامة، ورفعة المنزلة والفضيلة، فقال : كذلك الله يخلق منك ولدا، من غير فحل ولا بعل، فيعلمه الكتاب، وهو الخط الذي يخطه بيده، والحكمة : وهي السنة التي نوحيها إليه في غير كتاب، والتوراة : وهي التوراة التي أنزلت على موسى، كانت فيهم من عهد موسى، والإنجيل : إنجيل عيسى، ولم يكن قبله، ولكن الله أخبر مريم قبل خلق عيسى أنه موحيه إليه، وإنما أخبرها بذلك، فسماه لها، لأنها قد كانت علمت فيما نزل من الكتب أن الله باعث نبيا يوحى إليه كتابا اسمه الإنجيل، فأخبرها الله عزّ وجلّ أن ذلك النبيّ ﷺ الذي سمعت بصفته الذي وعد أنبياءه من قبل أنه منزل عليه الكتاب الذي يسمى إنجيلاً، هو الولد الذي وهبه لها، وبشرها به.
وبنحو ما قلنا في ذلك، قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج :«وَنُعَلّمُهُ الكِتابَ » قال : بيده.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :«وَنُعَلّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ » قال : الحكمة : السنة.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر¹ عن أبيه، عن قتادة، في قوله :«وَنُعَلّمُهُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَالتّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ » قال : الحكمة : السنة، ﴿وَالتّوْرَاةَ وَالإِنْجِيل﴾ قال : كان عيسى يقرأ التوراة والإنجيل.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج :«وَنُعَلّمُهُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ » قال : الحكمة : السنة.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، قال : أخبرها يعني : أخبر الله مريم ما يريد به فقال :«وَنُعَلّمُهُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَالتّوْرَاةَ » التي كانت فيهم من عهد موسى ﴿وَالإِنْجِيلَ﴾ كتابا آخر أحدثه إليه، لم يكن عندهم علمه إلا ذكره أنه كائن من الأنبياء قبله.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
٧٠٧٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشرٌ قال كذلك الله يخلق ما يشاء"، يصنع ما أراد، ويخلق ما يشاء، من بشر أو غير بشر ="إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن"، مما يشاء وكيف يشاء ="فيكون" ما أراد. (٢)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ (٤٨)﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الحجاز والمدينة وبعض قرأة الكوفيين: (وَيُعلِّمُهُ) بالياء، ردًّا على قوله:"كذلك الله يخلق ما يشاء"،"ويعلمه الكتاب"، فألحقوا الخبرَ في قوله:"ويعلمه"، بنظير الخبر في قوله:"يخلق ما يشاء"، وقوله:"فإنما يقول له كنْ فيكون".
* * *
(٢) الأثر: ٧٠٧٩- سيرة ابن هشام ٢: ٢٣٠ من بقية الآثار التي آخرها رقم: ٧٠٧٢، وكان في المطبوعة والمخطوطة: "أي: إذا قضى أمرًا... "، وظاهر أن"أي" لا مكان لها هنا، ونص ابن هشام عن ابن إسحاق دال على صواب ذلك، فحذفتها. وكان في المخطوطة والمطبوعة أيضًا"فإنما يقول له كن فيكون، مما يشاء... ". وظاهر أيضًا زيادة"فيكون" هنا، لأن السياق يقتضي إغفالها هنا، ولأنها ستأتي بعد، كما هو في نص رواية ابن هشام عن ابن إسحاق، فرفعتها من هذا المكان أيضًا. وفي سيرة ابن هشام"فيكون، كما أراد"، وكلاهما صواب.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مختلفتان، غير مختلفتي المعاني، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب الصوابَ في ذلك، لاتفاق معنى القراءتين، في أنه خبر عن الله بأنّه يعلم عيسى الكتاب، وما ذكر أنه يعلمه.
* * *
وهذا ابتداء خبر من الله عز وجل لمريم ما هو فاعلٌ بالولد الذي بشَّرها به من الكرامة ورفعة المنزلة والفضيلة، فقال: كذلك الله يخلق منك ولدًا، من غير فحل ولا بعل، فيعلمه الكتاب، وهو الخطّ الذي يخطه بيده = والحكمة، وهي السنة التي يُوحيها إليه في غير كتاب = والتوراة، وهي التوراة التي أنزلت على موسى، كانت فيهم من عهد موسى = والإنجيل، إنجيل عيسى ولم يكن قبله، ولكن الله أخبر مريمَ قبل خلق عيسى أنه مُوحيه إليه.
وإنما أخبرها بذلك فسَّماه لها، لأنها قد كانت علمت فيما نزل من الكتب أن الله باعثٌ نبيًا، يوحى إليه كتابًا اسمه الإنجيل، فأخبرها الله عز وجل أن ذلك النبي ﷺ الذي سَمعت بصفته الذي وعد أنبياءه من قبل أنه منزل عليه الكتاب الذي يسمى إنجيلا هو الولد الذي وهبه لها وبشَّرها به.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٧٠٨٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج:"ونعلمه الكتاب"، قال: بيده.