جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رّبّكُمْ أَنِيَ أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وأبرئ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لّكُمْ إِن كُنتُم مّؤْمِنِينَ﴾
يعني بقوله جلّ ثناؤه :﴿وَرَسُولاً﴾ : ونجعله رسولاً إلى بني إسرائيل، فترك ذكر «ونجعله »، لدلالة الكلام عليه، كما قال الشاعر :
| ورأيتِ زَوْجَكِ في الوَغَى | مُتَقَلّدا سَيْفا وَرُمْحا |
كما : حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير :﴿وَرَسُولاً إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ أنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي تحقق بها نبوّتي، وأني رسول منه إليكم.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿أنّي أخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرا بِإذْنِ اللّهِ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه : ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم. ثم بين عن الآية ما هي، فقال :﴿أنّي أخْلُقُ لَكُمْ﴾. فتأويل الكلام : ورسولاً إلى بني إسرائيل بأني قد جئتكم بآية من ربكم بأن أخلق لكم من الطين كهيئة الطير. والطير جمع طائر.
واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعض أهل الحجاز :«كهيئة الطائر فأنفخ فيه فيكون طائرا »، على التوحيد. وقرأه آخرون :﴿كَهَيْئَةِ الطّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرا﴾ على الجماع كليهما.
وأعجب القراءات إليّ في ذلك قراءة من قرأ :﴿كَهَيْئَةِ الطّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرا﴾، على الجماع فيهما جميعا، لأن ذلك كان من صفة عيسى أنه يفعل ذلك بإذن الله، وأنه موافق لخط المصحف، واتباع خط المصحف مع صحة المعنى، واستفاضة القراءة به أعجب إليّ من خلاف المصحف.
وكان خلق عيسى : ما كان يخلق من الطير.
كما : حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثنا ابن إسحاق : أن عيسى صلوات الله عليه، جلس يوما مع غلمان من الكتاب، فأخذ طينا، ثم قال : أجعل لكم من هذا الطين طائرا ؟ قالوا : وتستطيع ذلك ؟ قال : نعم بإذن ربي ! ثم هيأه حتى إذا جعله في هيئة الطائر نفخ فيه، ثم قال : كن طائرا بإذن الله ! فخرج يطير بين كفيه، فخرج الغلمان بذلك من أمره فذكروه لمعلمهم، فأفشوه في الناس. وترعرع. فهمّت به بنو إسرائيل، فلما خافت أمه عليه حملته على حُمَيّر لها ثم خرجت به هاربة.
وذكر أنه لما أراد أن يخلق الطير من الطين سألهم : أيّ الطير أشدّ خلقا ؟ فقيل له الخفاش.
كما : حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قوله :﴿أنّي أخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ﴾ قال : أيّ الطير أشدّ خلقا ؟ قالوا : الخفاش إنما هو لحم، قال ففعل.
فإن قال قائل : وكيف قيل :﴿فأنْفُخُ فِيهِ﴾ وقد قيل :﴿أنّي أخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ﴾ ؟ قيل : لأن معنى الكلام : فأنفخ في الطير. ولو كان ذلك : فأنفخ فيها، كان صحيحا جائزا، كما قال في المائدة :«فأنْفُخُ فِيها » يريد : فأنفخ في الهيئة، وقد ذكر أن ذلك في إحدى القراءتين :«فأنفخها »، بغير «في »، وقد تفعل العرب مثل ذلك فتقول : ربّ ليلة قد بتها وبتّ فيها، قال الشاعر :
| ما شُقّ جَيْبٌ ولا قَامَتْكَ نائحةٌ | ولا بكَتْكَ جِيادٌ عندَ أسْلابِ |
| إحْدَى بَنِي عَيّذِ اللّهِ اسْتَمَرّ بِهَا | حُلْوُ العُصَارَةِ حتى يُنْفَخَ الصّورُ |
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وأُبْرِىءُ الأكْمَه وَالأبْرَصَ﴾.
يعني بقوله :﴿وأبْرِىءُ﴾ : وأشفي، يقال منه : أبرأ الله المريض : إذا شفاه منه، فهو يبرئه إبراءً، وبرأ المريض فهو يبرأ برءا، وقد يقال أيضا : بريء المريض فهو يبرأ، لغتان معروفتان.
واختلف أهل التأويل في معنى الأكمه، فقال بعضهم : هو الذي لا يبصر بالليل، ويبصر بالنهار. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿وأُبْرِىءُ الأكْمَهَ﴾ قال : الأكمه : الذي يبصر بالنهار، ولا يبصر بالليل، فهو يَتَكَمّهُ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
وقال آخرون : هو الأعمى الذي ولدته أمه كذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : كنا نحدّث أن الأكمه الذي ولد وهو أعمى مضموم العينين.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، في قوله :﴿وأُبْرِىءُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ﴾ قال : كنا نحدّث أن الأكمه الذي ولد وهو أعمى مضموم العينين.
حدثت عن المنجاب، قال : حدثنا بشر، عن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال : الأكمه : الذي يولد وهو أعمى.
وقال آخرون : بل هو الأعمى. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿وأُبْرِىءُ الأكمَهَ﴾ : هو الأعمى.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : الأعمى.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿وأُبْرِىءُ الأكْمَهَ﴾ قال : الأكمه : الأعمى.
حدثني محمد بن سنان، قال : حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد بن منصور، عن الحسن في قوله :﴿وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ﴾ قال : الأعمى.
وقال آخرون : هو الأعمش. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله :﴿وأُبْرِىءُ الأكْمَهَ﴾ قال : الأعمش.
والمعروف عند العرب من معنى الكَمَهِ : العمى، يقال منه : كَمِهَتْ عينه، فهي تَكْمَهُ كمَهَا، وأكمهتها أنا : إذا أعميتها، كما قال سويد بن أبي كاهل :
| كمِهَتْ عَيْناهُ حتى ابْيَضّتا | فَهُوَ يَلْحَى نَفْسَهُ لما نَزَعْ |
| هَرّجْتُ فارْتَدّ ارْتدادَ الأكْمَهِ | في غائلاتِ الحائِرِ المُتَهْتَهِ |
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وأُحْيِي المَوْتَى بإذْنِ اللّهِ وأُنَبّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾.
وكان إحياء عيسى الموتى بدعاء الله، يدعو لهم، فيستجيب له.
كما : حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال : ثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول : لما صار عيسى ابن اثنتي عشرة سنة، أوحى الله إلى أمه وهي بأرض مصر، وكانت هربت من قومها حين ولدته إلى أرض مصر أن اطلعي به إلى الشام، ففعلت الذي أمرت به، فلم تزل بالشام حتى كان ابن ثلاثين سنة، وكانت نبوّته ثلاث سنين، ثم رفعه الله إليه. قال : وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفا، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق منهم ذلك أتاه عيسى يمشي إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله.
وأما قوله :﴿وأُنَبّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ﴾ فإنه يعني : وأخبركم بما تأكلونه مما لم أعاينه وأشاهده معكم في وقت أكْلِكُمُوهُ.
﴿وما تَدّخِرُونَ﴾. يعني بذلك : وما ترفعونه فتخبئونه ولا تأكلونه، يعلمهم أن من حجته أيضا على نبوّته مع المعجزات التي أعلمهم أنه يأتي بها حجة على نبوّته وصدقه في خبره، أن الله أرسله إليهم : من خلق الطير من الطين، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله، التي لا يطيقها أحد من البشر، إلا من أعطاه الله ذلك، علما له على صدقه، وآية له على حقيقة قوله من أنبيائه ورسله، ومن أحبّ من خلقه إنباءَه عن الغيب الذي لا سبيل لأحد من البشر الذين سبيلهم سبيله عليه.
فإن قال قائل : وما كان في قوله لهم :﴿وأُنَبّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ من الحجة له على صدقه، وقد رأينا المتنجمة والمتكهنة تخبر بذلك كثيرا فتصيب ؟ قيل : إن المتنجم والمتكهن معلوم منهما عند من يخبره بذلك أنهما ينبئان به عن استخراج له ببعض الأسباب المؤدية إلى علمه، ولم يكن ذلك كذلك من عيسى صلوات الله عليه، ومن سائر أنبياء الله ورسله، وإنما كان عيسى يخبر به عن غير استخراج ولا طلب لمعرفته باحتيال، ولكن ابتداءً بإعلام الله إياه من غير أصل تقدّم ذلك¹ احتذاه، أو بنى عليه أو فزع إليه، كما يفزع المتنجم إلى حسابه، والمتكهن إلى رئيّه، فذلك هو الفصل بين علم الأنبياء بالغيوب وإخبارهم عنها، وبين علم سائر المتكذبة على الله، أو المدّعية علم ذلك.
كما : حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : لما بلغ عيسى تسع سنين أو عشرا أو نحو ذلك، أدخلته أمه الكتاب فيما يزعمون، فكان عند رجل من المكتبين يعلمه كما يعلم الغلمان، فلا يذهب يعلمه شيئا مما يعلمه الغلمان إلا بدره إلى علمه قبل أن يعلمه إياه، فيقول : ألا تعجبون لابن هذه الأرملة، ما أذهب أعلمه شيئا إلا وجدته أعلم به مني.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : لما كبر عيسى أسلمته أمه يتعلم التوراة، فكان يلعب مع الغلمان، غلمان القرية التي كان فيها، فيح