الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
وقرأ العامة :﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ : بكسرِ الهمزةِ على الإِخبار المستأنفِ، وهذا ظاهِرٌ على قولِنا إنَّ " جئتكم " تأكيدٌ، أمَّا إذا جَعَلْتَه تأسيساً وَجَعَلْتَ الآيةَ هي قولَه :﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ بالمعنى الذي ذَكَرْتُه أولاً فلا يَصِحُّ الاستئنافُ، بل يكونُ الكسرُ على إضمارِ القولِ وذلك القولُ بدلٌ من الآية، كأنَّ التقدير : وجئتُكم بآيةٍ من ربِّكم قَوْلي إنَّ الله، فقولي بدلٌ من " آية "، و " إنَّ " وما في حَيِّزها معمولةٌ لقولي، ويكون قوله :﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ اعتراضاً بين البدلِ والمبدلِ منه.
وقُرىء بفتحِ الهمزة وفيه أوجهٌ :
أحدُها : أنه بدلٌ من " آية " كأنَّ التقديرَ : وجِئْتُكم بأنَّ الله ربي وربكم، أي : جِئْتُكم بالتوحيدِ، وقوله :﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ اعتراضٌ أيضاً. الثاني : أنَّ ذلك على إضمار لامِ العلة، ولامُ العلة متعلقةٌ بما بعدَها من قوله :" فاعبدوه " والتقديرُ : فاعبدوه لأنَّ الله ربي وربُّكم كقولِه تعالى :
﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] إلى أن قال " فَلْيعبدوا " إذ التقديرُ : فليعبدوا لإِيلافِ قريش، وهذا عند سيبويه وأَتْباعِهِ ممنوعٌ ؛ لأنه متى كان المعمولُ أَنَّ وما في صلتِها امتنَع تقديمُها على عاملِها، لا يُجيزونَ :" أنَّ زيداً منطلقٌ عَرَفْتُ " تريد :" عَرَفْتُ أنَّ زيداً منطلقٌ " للقبحِ اللفظي، إذ تَصَدُّرُها لفظاً يقتضي كسرَها.
الثالث : أن يكونَ " أن الله " على إسقاطِ الخافض وهو " على " و " على " يتعلِّق بآية نفسِها، والتقديرُ : وجِئْتُكم بآيةٍ على أن الله، كأنه قيل : بعلامةٍ ودلالةٍ على توحيدِ الله تعالى، قاله ابن عطية، وعلى هذا فالجملتان الأمريِتَّان اعتراضٌ إيضاً وفيه بُعْدٌ.
وقوله :﴿هَذَا صِرَاطٌ﴾ هذا إشارةُ إلى التوحيدِ المَدْلُولِ عليه بقولِهِ :﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ أو إلى نفسِ " إنَّ الله " باعتبار هذا اللفظِ هو الصراطَ المستقيمَ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى