الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ : من بابِ المقابلةِ، أي : لا يجوزُ أَنْ يُوصفَ اللهُ بالمكر إلا لأجلِ ما ذُكر معه من لفظٍ آخرَ مسندٍ لِمَنْ يليقُ به، وهذا كما تقدَّم في الخِداع، هكذا قيل، وقد جاء ذلك من غيرِ مقابلة في قولِهِ :﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩].
والمَكْرُ في اللغةِ أصلُه السَّتْرُ. يُقال : مَكَر اللَّيلُ : أي أَظْلَمَ وسَتَر بظلمته ما فيه، وقالوا : واشتقاقُه من المَكْر وهو شجر ملتفٌّ، تخيَّلوا فيه أنَّ المكرَ يلتفُّ بالممكورِ به ويشتمل عليه، وامرأةُ ممكورةُ الخَلْقِ أي : ملتفَّةُ الجسم، وكذا مَمْكُورة البطن، ثم أُطْلِقَ المَكْرُ على الخُبْث والخِداع، ولذلك عَبَّر عنه بعضُ أهلِ اللغةِ بأنه السعيُ بالفساد. قال الزجاج :" هو مِنْ مَكَر الليلُ وَأَمْكَرَ أي أظلم ". وقد عَبَّر بعضُهم عنه فقال : هو صَرْفُ الغَيْرِ عَمَّا يَقْصِده بحيلةٍ، وذلك ضربان : محمودٌ وهو أَنْ يُتَحَرَّى به فِعْلٌ جميل، وعلى ذلك قولُه :﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، ومذمومٌ وهو أَنْ يُتَحَرَّى به فعلٌ قبيحٌ نحو :﴿وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى